تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبراهيم بن حسين جستنيه

دارسة عن “صحة صيام عاشوراء”

الحمد لله الذي يُعلِّمنا ما لا نعلم ويشرح صدورنا لما يحبه ويرضاه، وينير بصائرنا بهديه لنا لكل ما يرتضيه، والصلاة والسلام على خير عالِمٍ ومُعَلِّمٍ ومُرْشِدٍ للهدي والهداية حتى يرضى الله.

وردتني بعض المداخلات على ما كتبته ونُشِرَ في موقعي الإلكتروني https://ibrahimhj.com في 08/01/1447هـ، 03/07/2025م، تحت عنوان همسة “تاسوعاء وعاشوراء” وشيئاً من فضل الصيام التطوعي.

فُرِضت الصلاة قبل الهجرة النبوية بثلاث سنين، أي بعد سبع سنوات من نزول الوحي على سيد المرسلين بغار حراء (جبل النور بمكة المكرمة).

الصوم أحد أركان الإسلام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*} (183) سورة البقرة.

فرضت الزكاة والصيام في شعبان من السنة الثانية للهجرة النبوية، أي بعد اثنتي عشر سنة من نزول الوحي على المصطفى صلى الله عليه وسلم.

صام الرسول صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات إجمالًا منذ أن فُرِضَ الصوم حتى وفاته صلى الله عليه وسلم.

عمر دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للإسلام ثلاثٌ وعشرون عاماً منذ نزول الوحي عليه حتى وفاته صلى الله عليه وسلم، عن عمر بلغ ثلاثاً وستين سنة.

ذُكر لفظ (رمضان) في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ*} الآية (185) سورة البقرة، وهو فريضة على كل مسلم ومسلمة، بلغ الحُلُم وقادر على الصيام.

في الكتاب المبين، ورد لفظ الصوم ومشتقاته أَرْبَعَ عشرة مرة، بستة معانٍ مختلفة[1] تدور كلها حول وظيفة الصوم، وهي معانٍ متكاملة تربط الصوم بالعلاقة بين الخالق سبحانه وتعالى والتاريخ والشعوب التي توالت منذ نزول سيدنا آدم عليه السلام من الجنة للأرض، وصولاً لسيدنا محمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام.

كل العبادات لله سبحانه وتعالى، وللصوم خصوصية في العبادة، لا يُشْرِكُ فيها العبد أي مخلوق، فهو سر بين الخالق وعبده.

ورد في الحديث القدسي عن الصوم، قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ”، سواءٌ أكان فرضاً، أم تطوعاً وتقربا، لا أحد يعرف كمه ولا كيفيته إلا الله سبحانه وتعالى.

لذلك، فالصيام التطوعي من العبادات العظيمة، وفعله شكرٌ لله تعالى وأجر كبير. قال تعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ*} الآية (7) سورة إبراهيم، وقال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} سورة الذاريات

وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وصحبه أجمعين، [لَيْسَ فِي الصِّيَامِ رِيَاءٌ][2]

هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة يرافقه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه للمدينة المنورة بعد عشر سنوات من بداية الدعوة، وكانت أول زيارة له لها.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ [قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عاشُوراءَ، فقالَ (ما هَذا؟) قالُوا (هَذا يَوْمٌ صالِحٌ[3]، هَذا يَوْمُ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصامَهُ مُوسَى. قالَ، فَأَنا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصامَهُ وَأَمَرَ بِصِيامِهِ].

وروي عن النبي ﷺ أنه قال [خالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله ويومًا بعده[4]، وفي رواية أخرى، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده.

وصح عنه ﷺ أنه سئل عن صوم عاشوراء فقال [يكفر الله به السنة التي قبله][5].

وثبت عنه ﷺ أنه كان يصوم يوم عاشوراء، ويُرغب الناس في صيامه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال “ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فَضَّلّه على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان”.

وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على صيام يوم عاشوراء -اليوم العاشر من شهر المحرم الحرام- وأن على جميع المسلمين الاقتداء به، تطوعاً وشكرًا ومزيدا من التقرب لله عز وجل.

كما يستحب أن يصوم الإنسان قبله يومًا أو بعده يومًا، امتثالاً لهديه عليه أفضل الصلاة والسلام، مخالفة لطريقة صيام وأفعال اليهود وغيرهم، وإن صام الثلاثة جميعًا التاسع والعاشر والحادي عشر فلا بأس.

الهدف الأساسي من صوم عاشوراء هو العبادة وتقديم الشكر لله سبحانه وتعالى لنجاة سيدنا موسى عليه السلام.

أما صومِ يومٍ قبله أو بعده أو هم معاً، فهو أيضاً عبادة خالصة، ومخالفة لليهود وغيرهم في تخصيص يوم عاشوراء منفرداً بالصيام، أو ببعض الأعمال أو الطقوس التي يؤدونها، والإسلام بريء منها.

وثبت عنه ﷺ أنه رغب في صيام يوم الإثنين والخميس وقال [إنهما يومان تُعرض فيهما الأعمال على الله، وأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم][6].

والنبي ﷺ أوصى أبا هريرة وأوصى أبا الدَّرداء بصيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ، ولم يقل لهما البيض، وقال لعبد الله ابن عمر [صم من الشهر ثلاثة أيام].

كما حث عبد الله بن عمرو وأبا هريرة وأبا الدرداء وغيرهم على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، سواءٌ أكانت الأيام البيض (13، 14، 15) وهي الأفضل لأنها في وسط الشهر، وسميت بذلك لأن ليلها أبيض بنور القمر، ونهارها أبيض بضوء الشمس، أم غيرها من الأيام.

تلك الأيام مصادر أخرى لكسب المزيد من الأجر والثواب خلال هذا الشهر الحرام لما فيه من ميزات خاصة، فمثلاً صيام يومي الإثنين والخميس -إن توافقت- قبل صيام هذه الأيام الثلاثة (9، 10، 11) وإلحاقها بالأيام البيض (13، 14، 15).  

الدين الإسلامي خاتم الأديان، ونزل باللغة العربية الفصحى، والرسول صلى الله عليه وسلم عربي وأفصح البشر قاطبة وأبلغهم فهماً وأدركهم علماً وأعلاهم منزلة، وحاشاه أو يغفل عن صحة شرعية صوم عاشوراء. 

جميع الكتب السماوية السابقة ألغاها نزول القرآن الكريم بقوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ*} (19) آل عمران، وقوله تعالى {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ*} (85) سورة آل عمران.

إضافة لما حل بتلك الكتب السماوية من تغيرات نصية وتحريف لفظي ومعنوي واختلاف في الطبعات، ومتغيرات فيها بين كنيسة وأخرى.

لذلك، لا يصح للمسلم الاستشهاد بما يخالف القرآن، ولا المقارنة بينه وبين أي دين أو مصدر آخر نسخه أو حرَّمه الدين الإسلامي.

الرسول صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء وأمر بصيامه، ولم يرد أي حديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قد تخلى أو أمر، أو وجه بالتخلي عن صيام يوم عاشور خاصة، والاكتفاء بصوم يوم قبله أو بعده أو هما معاً دون عاشوراء.

ولو كان هناك أي مانع شرعي، أو دليل على عدم صيام عاشوراء بذاته لمخالفة اليهود وغيرهم، لبين ذلك النبي صلى الله عليه، ولحرص الخلفاء الراشدين والتابعين على عدم صيامه والاكتفاء بصيام (9، 11).

لذلك سار الخلفاء الأربعة ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍ رضي الله عنهم أجمعين، ومن عاصرهم وتلاهم من الصحابة والتابعين، على صومه وصوم يوم قبله أو بعده، والبعض يصوم الأيام الثلاثة معاً مزيداً من التقرب لله سبحانه وتعالى إلى أن تقوم الساعة.

وفي جميع حالات الصيام الثلاث، فهي مُخَالِفَةً تماماً لصيام اليهود وغيرهم من المسلمين وبعض الأديان المنسوخة الذين يفعلون أموراً كثيرة مختلفة، الإسلام بريء منها، ولا يصح أن ننسبها، أو نقارنها بما ورد من أفعال الحبيب عليه الصلاة والسلام.

المقصود من يومٍ قبله أو يومٍ بعده، تعني لغة -وفق مفهومي اللغوي للغة العربية الواسعة- بعد عودتي لما بقي في الذاكرة من الدراسة الابتدائية لقواعد النحو والصرف والإعراب، أي اسبقوا صيام عاشور بيوم أو أتبعوه بيوم، أو صوموا الأيام (9، 10، 11) شكرا وتقرباً لله سبحانه وتعالى.

       القراءة الواسعة والمتنوعة مع التركيز شيء جميل جداً ومحبذ على ألا ينحرف مسار القارئ لاتجاه التضارب الفكري والتشويش الذهني، والابتعاد الروحي، واخفاق البصيرة، والتحدث بلغة الحرية المطلقة، والانجراف مع عالم العولمة الزائفة، فتلتبس عليه الأمور، فيستشهد بالمنسوخ، ويقع في الخطأ، ويخرج عن الصواب.

أحياناً الفرد منا يقرأ أو يعمل أو ينظر لشيء أو على شيءٍ ما في عُجالة، أو من زاوية قريبة، فلا يستوعب المعاني الحقيقية، أو لا يستدرك الأهداف السامية المنشودة مما أمامه، وخاصة إذا سبق له أن قرأ أو سمع شيئاً مخالفاً لما بين يديه.

وهذا شيء طبيعي، لكن عندما يتروى قليلاً، ويعيد القراءة مرة أو أكثر، ويُمْعِنْ النظر بهدوء وسكينة، ويتمعن في الأهداف، ويراجع الأسس، ويستوعب المفاهيم، سيصل بكل تأكيد لنتيجة ممتازة، وقناعة صائبة تامة.  

والخلاصة، أن كل من يُكرمه الله تعالى بصيام تلك الأيام أو بغيرها، أو بهم معاً خلال بقية أيام السنة، فقد فاز بالأجر والثواب، وتقديم الشكر لله تعالى، ومن لم يصم تلك الأيام، أو شيءٍ منها، أو غيرها فليس عليه إثم ولا يعاقب ولا يُعزَّرْ، ولكنه خسر الأجر والثواب وتقاعس عن تقديم منزلة عظيمة من الشكر لله تعالى.

       وأخيرا، فكل من يساهم في نشر هذه المعلومات يكون له نصيب من الأجر والثواب، دون أن ينقص ذلك من أجر من سبقوه، ولا تنسونا من الدعاء.

اللهم أرنا الحق حقاً وأرزفنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وجنبنا طريقه، وتجاوز عن خطايانا برحمتك التي وسعت كل شيء.

هذا ما تعلمته من الكتاب المبين {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ*} الآية (76) سورة يوسف، وما فهمته واستوعبته من نص الحديث القدسي، ونصوص الأحاديث النبوية، فإن أصبت فالحمد لله على كل شيء، وإن أخطأت، أسأله العفو والغفران، والله أعلم بكل شيء.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنام حتى يرضى رب العباد. 


[1] اختلاف معاني لفظ الصوم بستة معانٍ، سُنة عن الأمم السابقة، الوم ركن من أركان الإسلام، الصوم صمت كأحد مظاهر العبادة، الصوم فريضة على البالغين القادرين من الجنسين، ما لم يوجد عذر شرعي، الصيام لا يحول دون المعاشرة الشرعية إلا في ظروف مبينة في القرآن، الصوم تكفير عن الذنوب وتطهير للنفس من الخطايا. هذه خلاصة، ولمعرفة الآيات الكريمة وتفسيرها الرجوع لكتب التفسير، أو بعض العلماء المختصين.

[2] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان. كما ورد العديد من الأحاديث النبوية عن فضل الصيام المفروض والتطوعي يمكن الرجوع لها في “باب الصوم/ الصيام)

[3]رواه أحمد في (مسند بني هاشم) بداية مسند عبدالله بن العباس برقم 2155، ورواه البيهقي في (السنن الكبرى) باب صوم قبل يوم عاشوراء برقم 4315.

[4] رواه الهيثمي في (مجمع الزوائد) باب الصوم قبل يوم عاشوراء برقم 4315.

[5] رواه الترمذي في (الصوم) باب ما جاء في الحث على صوم يوم عاشوراء برقم 752، وأبو داود في (الصوم) باب صوم الدهر تطوعًا برقم 2425، وابن ماجه في (الصيام) باب صيام يوم عاشوراء برقم 1738 

[6] عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا

دراسة “الرعاية المجتمعية”

اطلعت على مقال في جريدة مكة بتاريخ 8 محرم 1447هـ، 3 يونيه 2025م، تحت عنوان “نساء تحت مظلة الصيف” للأخ ياسر عمر سندي، حول موضوع السيدات اللاتي تفترشن الشوارع وتكافحن بضراوة لكسب لقمة العيش بشرف وفخر، ودعوته رجال الأعمال لتبني هذه المجموعة كنوع من التكافل المجتمعي.

نسي المتجولين بالسيارات والعربات اليدوية، وعند بعض إشارات المرور والمصطفين على بعض أبواب المساجد وغيرهم من الجنسين، مواطنين ومقيمين أو مخالفين، وما يعانونه من إجراءات عند القبض عليهم، أو هروبهم وترك ما معهم، منهم المحتاجين فعلاً، ومنهم المحتالين، أو غير هذا وذاك. 

قد أجد أن عملية تبنيهم بطريقة ما فكرة سهلة التحقيق لو تظافرت فيها جهود البلديات ووزارة التجارة والغرفة التجارية وإدارة الموارد البشرية والبنوك المحلية، وقسم ريادة الأعمال البسيطة والمتوسطة متضامنين معاً كُلٌ فيما يخصه، لعمل دراسة ميدانية مستفيضة ووضع صيغة أو مسودة لأنظمة ولوائح مبسطة، وأجور رمزية غير مجحفة، تحقق الهدف، وتتلافى عملية استغلال المناسبات عند تأجير بعض المواقع، لحصد أكبر قدر من المال لزيادة واردات الجهة المعنية، مما يساهم في زيادة سعر البيع، أو يحول دون مشاركة العديد من تلك الفئات المعنية، ويدفع بالبعض على السلوك الغير حسن.

بعد أن تصدر أنظمة ولوائح واضحة ومبسطة منبثقة عن دراسة ميدانية واسعة وهادفة لتحقيق المسيرة التنموية والوصول للرؤيا المستقبلية.

عندئذ يبدأ دور قسم ريادة الأعمال البسيطة والمتوسطة بالتعاون مع رجال وسيدات الأعمال، وغيرهم من المتبرعين، ليكون المشروع أقرب للخيري من كونه استثماري محض، وإن كنت أرى أن يتبناه صندوق الاستثمارات، وخاصة مع توجه الصندوق لرفع نسبة استثماراته في الوطن، وجعل المشروع خيري محض.

بدون وجود مثل هذه الأنظمة المُنْتَظِمَة، والمنظمة الترابط، قد يكون تحقيق هذا الهدف مستحيل التواجد، لأن لكل شيء في هذا الكون قواعد شرعية مُنَظِّمة، وقوانين وأنظمة مدنية واجتماعية واضحة تُنَظِّم العلاقات وتوضح المسؤوليات، وتبين الواجبات، وتتلافى التداخلات، وتُبَسِّط الأمور، وتفتح الطريق للجميع، تكافئ على الصواب، وتعاقب على الأخطاء للردع والتأديب وثبات الميزان، لا للجور والانتقام.

ولنا في توجه بعض الجهات القضائية المختلفة أنموذج، حيث استبدلت بعض أنواع التعزير[1] والعقوبات بأشياء مختلفة عن المعتاد، تساهم بنصيب وافر في سرعة العودة للصواب، أو تغيير مسار الشخص المعاقب أو الذي يستحق التعزير.

وهذا أحد الأدلة على سماحة الدين الإسلامي، وحسن تعامله مع المخطئ حتى في بعض الحدود الشرعية والجنائية، بمواكبته لكل زمان ومكان. 

ووفق رؤيتي، فهناك طريقة أخرى، ربما هي الأفضل والأسرع انجازاً من السابقات، وهي أن تتبنى هذا المشروع بالكامل الهيئة الملكية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة حتى تتلاءم دراسة وتنفيذ المشروع ومتابعة تطويره مع تخطيطها الاستراتيجي العام، المدني والعمراني والاجتماعي والمجتمعي والخدمي، ويواكب مراحل التنمية المستدامة ورؤيا تحويل الأحلام لواقع محسوس، وصرح شامخ ملموس، ويتزين بالجمال الإلهي لمكة المكرمة، ويكتسب المنزلة المناسبة، ويُبْرِزْ للعالم وللحجيج روح التسامح الاجتماعي والتكافل المجتمعي، ويوضح جانبا من العناية الشديدة التي يبذلها ولاة الأمر لهذه البقة الطاهرة ولضيوف الرحمن، ويقدم أنموذج لمشروع مُميّزٍ من خلال إِنْتاجِيَّة عاليةٍ وإبداعات متتالية واقتصادٍ متنوّع، وأن يكون مشروع مجتمعي صِرْف، وليس استثماري يهدف للربح.  

وعلى أي حال، فأي مقترح يحقق الأهداف المنشودة، فالأهم فيه، هي القناعة بمدى أهميته من الناحية الإنسانية والاجتماعية والمجتمعية والبيئية والدولية، ومن ثم، تبدأ الجهة التي ستتبنى المشروع مراحل الدراسة والتحليل وصولاً للتنفيذ والمتابعة العملية والتطوير المتواصل.

أتمنى أن أري هذا المشروع على أرض الواقع كأحد المشاريع البناءة التي يجري تحقيقها تباعاً، ونراهن على تجاوزها للعالمية بجهود وطنية متضامنة ورعاية قيادة رشيدة وحكيمة.  


[1] التعزير في الإسلام هو عقوبة تأديبية غير مقدرة شرعًا، يفرضها القاضي على الذنوب التي لا حدّ فيها ولا كفارة، وتهدف إلى تأديب الجاني وزجره عن تكرار الخطأ، أو المعصية. ويكون التعزيز في حد شرعي لم يبلغ النصاب، أو كحدٍ جنائي بشري. وبالقياس يطبق ذلك في الأنظمة والقوانين المدنية.

همسة “التقليد الأعمى”

اطلت على مقالة في جريدة عكاظ بتاريخ 13/01/1447هـ، 08/07/2025م تحت عنوان “ضرورة الانتباه” للأستاذ عبده خال.

تحدث فيها عن قضية (الخُلْع) إحدى أكبر المشاكل الاجتماعية -من وجهة نظري- وأشار لتقرير الهيئة العامة للإحصاء حول ارتفاع نسبة العنوسة وعزوف الشباب والفتيات عن الزواج دون توضيح الأسباب والمسببات، ولم يتطرق لارتفاع نسبة الطلاق التي تفاقمت بشكل مخيف في المجتمع السعودي، مما ينذر بما لا تحمد عقباه.

هذه إحدى أهم المشاكل الاجتماعية والمجتمعية بالمملكة، والتي أخذ يتسع انتشارها في اتجاهات مختلفة ومتنوعة، ومبررات تافهة، وتوجهات مخالفة للقواعد الشرعية والأخلاق الحميدة تقليداً أعمى خلف الدعايات المسمومة، وانجرافاً خلف بعض الأنظمة العالمية الزائفة، والعولمة الكاذبة ذات المعايير المتغيرة، سعياً خلف مصالح معينة وأغراض دفينة، ظاهرها حضارة وتقدم، وباطنها أسوء استغلال للمرأة من جميع الاتجاهات، وهدم الأسرة، ودمار المجتمع، وانهيار للقيم، والابتعاد عن المبادئ الشرعية، مما دفع بعض الدول بإعادة النظر وسرعة البحث عن مخرج سليم من شباكها.

       قد تكون هذه الظاهرة التي أخذت في الانتشار كالنار في الهشيم من أهم عقبات مواصلة مسيرة البناء الراسخ، والتشييد القويم في المجتمع المعاصر وفق الرؤيا والخطة المرسومة للوصول للعالمية دون التنازل عن مبادئنا، أو التخلي عن قيمنا الراسخة، وتقاليدنا المحبذة، وعاداتنا الحسنة.

      أذكر أن آخر مقال كتبته عن بعضاً من الجوانب السلبية لهذه الظاهرة السيئة والمسيئة للأسرة وللمجتمع وللوطن (العقاب بلا ذنب) نشرت في موقعي الإلكتروني بتاريخ 11/06/1446هـ، 12/12/2024م، ولم يظهر حتى تاريخه وجود أي دراسات أو أبحاث تحليلية للوصول لحل أو حلول مناسبة، أو قاطعة تحمي الأطفال من التشرد والضياع، وتصون الأسر من التفكك، وتقفد سدا منيعا لحماية الوطن من هذه الآفة الفتاكة التي أخذت تتفشى بكل سهولة في المجتمع والوطن السعودي العزيز. 

      الحرية حق شرعي لكل فرد ضمن أطر معينة، شأنها شأن أي شيء في الوجود، ليست مطلقة العنان كما ينادي به أولئك النفر.

قال تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور}ِ الآية (46) سورة الحج.

وأكبر دليل على الحرية الشرعية قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الآية(256) سورة البقرة.

إساءة العديد من الناس للمعني الحقيقي لمفهوم الحرية الشرعية، وسوء استغلال الكثير من الجنسين لذلك المفهوم، أو التحايل عليه لا يعني أنها ظالمة، أو متحيزة، أو غير مواكبة لمسيرة الحضارة والتنمية على مر العصور والأزمان.

قال تعالى {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ* أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ* أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ*} الآيات (78-80) سورة الزُّمُر.

وقال تعالى {مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ*} الآية (39) سورة الدخان.

-الله سبحانه وتعالى- عادل ويحب العدل والمساواة والإنصاف، دون تفريق في الجنسيات ولا في الألوان ولا في المعتقدات والأديان، قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} الآية (58) سورة النساء.

ووفق ما نعاصره من مجريات الأحداث الواقعية والمقروءة والمسموعة، وما تتداوله وسائل التواصل الاجتماعي، فقد لعبت الدعايات المغرضة والتخطيط الجيد خلف ستار (الحرية المطلقة، والعولمة الكاذبة) دوراً كبيراً في سلوك الكثير من أولئك الناس لتسلك راضية مرضية هذا السبيل الحالك الظلمة، خلف أضواءٍ براقة، وألوان جذابة، وعبارات منمقة.

وعليه، يكون من الواجب سرعة توضيح المعنى الحقيقي للحرية الإسلامية، وتِبْيَان مفهوم معنى الحضارة والتقدم، وتصحيح مسار المنحرفين، وردع كل من يسيء استغلال المعنى أو المفهوم، وهذا أحد أساليب المعالجة -وفق علمي البسيط ومعلوماتي الضئيلة-

      ومن المؤكد أن هناك العديد من أساليب المعالجة لدي الجهات المعنية والمختصين ستظهر لهم بعد عملية الدراسات التحليلية المستفيضة لأساس المشكلة بشكل عام من جميع الجوانب، ومحاولة سد الثغرات، وردم الفجوات، للوصول لحل ناجع، إذ لم يعد بإمكان رب الأسرة ضبط الأمور في ظل هذا التقليد الأعمى والتأويل المقصود لمعنى الحرية ومفهوم الحضارة، ما لم يتم تدارك الأمور، والتضامن المتكامل بين الأطراف المعنية والمختصين ومراحل التعليم وغيرها وبين أرباب الأسر.

      عسى أن نسارع في ذلك ونبذل قصارى جهودنا للوصول لحل أو حلول جذرية، وليست مؤقته قبل أن يطفح الكيل، وتتسع الفجوة، أو يتعذر التحكم فيها، فنضرب كف على كف، ونقول يا ليت!!!

وهي كما يقال (كلمة يا ليت، عُمْرَها ما كانت تُعَمِّر بيت) أي أنها غير مُجْدِيَة، بل حسرة وندامة حين لا ينفع الندم.  

همسة “ذكرى تاسوعاء وعاشوراء”

همسة “ذكرى تاسوعاء وعاشوراء”

       بمشيئة -الله تعالى- غداً الجمعة يوافق يوم فضيل ومفضل، ومناسبة عظيمة لإحدى الطاعات المحبذة (تاسوعاء) ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده” أي قبل أو بعد يوم عاشوراء.

يوم عاشوراء يوم عظيم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء ويحث عليه، حتى فرض صيام رمضان[1].

حث النبي صلى الله عليه وسلم على صيام الأيام البيض، والتي توافق الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر هجري. ويُعد صيام هذه الأيام كصيام الدهر كله.

الأيام كلها فاضلة، ولهذه الأيام التي ترد عنها أحاديث أفضلية خاصة وبها نفحات إلهية اوسع، يستحب التقرب فيها -لله سبحانه وتعالى- بأي شيء من الطاعات، كُلٌ على قدر استطاعته.  

فرصة عظيمة، ومناسبة جميلة، هنينا لمن يوفقه الله تعالى للفوز بها، والدعاء خلالها للوالدين ولجميع المسلمين، ولا تنسونا من الدعاء.

وكل عام والجميع في سعادة وهناء، ورضاء من العزيز الرحيم.

نسأله تعالى أن يوفقنا جميعاً للفوز بكل ما فيها من كرم إلهي ومحبة لحبيبه عليه أفضل الصلاة والسلام.   


[1] ورد في صحيح مسلم. رواه أحمد في (مسند بني هاشم) بداية مسند عبدالله بن العباس برقم 2155، ورواه البيهقي في (السنن الكبرى)

همسة “صفحة جديدة”

بمشيئة الله تعالى- مع غروب شمس يوم الخميس 30/12/1446هـ، وهو أحد الأيام المستحب صيامها، تنطوي آخر صفحة من هذا العام بكل ما كان فيه من آلام ومسرات، أخطاءٍ وتوسلات، رجاء واستغفار، آمالٍ ويقين، أتمنى أن يكون آخرها سعادة وتقرب لله سبحانه وتعالى.

      في نفس الوقت نستقبل عاماً هجرياً جديداً 1447هـ، لا تزال صفحاته ناصعة البياض متشوقة للأعمال الصالحة.

أتمنى على الجميع أن نختتم هذه السنة، ونفتتح السنة الجديدة بشيء من الطاعات التي تزيدنا تقرباً -لله سبحانه وتعالى- مثل الصدقة أو الدعاء أو اللجوء له في السحر، أو الصيام التطوعي، وغيرها من النوافل، وأن يواصل جهوده من فاز منا بشيء من فضائل الليالي العشر، أو يوم النحر، أو يوم القر[1]، أو أيام التشريق، أو الأشهر الحرم، أو غيرها من النفحات الإلهية خلال الأيام الماضية، ولا تنسونا من الدعاء، وخاصة في السحر.

لعل شيئاً من تلك الطاعات يكون حافزاً لنا على مواصلة التقرب -لله سبحانه وتعالى- والتعرض لهبات نفحاته، وطلب العفو منه عما مضى، والرحمة فيما جرى، والنجاة مما يجري، واللطف فيما سيأتي.

نسأله أن يبارك لنا، ويزيدنا هداً، ويكرمنا بجزيل شكره ومحبة حبيبه ومصطفاه، على كل نعمه التي نعلمها -وما أقلها- والتي لا نعلمها -وما أكثرها. {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ*} الآية (18) سورة النحل

      نسأل الله الكريم أن يعيد العام الهجري علينا وعليكم وعلى جميع المسلمين أعواماً عديدة في أمن وأمان، وسلم واطمئنان، وصحة وعافية في العقول والقلوب والأبدان.

      والحمد لله والصلاة والسلام على الهادي البشير إلى يوم نلقاه.


[1] يوم “القر” هو أول أيام التشريق، اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة، وسمي بهذا الاسم لأن الحجاج يستقرون في منى بعد أداء شعائر يوم النحر. ويعد من أعظم الأيام عند الله، وثاني أعظم الأيام بعد يوم النحر. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر. رواه أحمد وأبو داود والحاكم

دراسة الاحتمالات والأخطاء حلول ناجعة

اطلعت على ما كُتِبَ في صحيفة مكة بتاريخ 15/11/1446هـ، 13/05/2025م، تحت عنوان (أخطاؤهم متجددة ونتعلم).

      لقد أصبحت الطاقة الكهربائية -كأحد أنواع الطاقة- إحدى المقومات الأساسية للحياة العصرية على المستوى العالمي، تزداد الحاجة لها تباعاً لتواكب مسيرة التطورات المتسارعة في شتى مناحي الحياة.

      لذلك، طفت على السطح في بعض الدول العديد من الأفكار والدراسات لتوفير أكبر قدر ممكن منها وبأقل تكلفة لها، وبشكل لا ينبض.  

      الدراسات لأي مشروع بشكل عام -وفق علمي ومعلوماتي وخبراتي الهندسية والفنية المتنوعة الطويلة- يتعذر تطبيقها حرفياً بشكل عام في عِدَّتْ دول، أو مناطق مختلفة الظروف.

يمكن الاستفادة من بعض معلوماتها، وتطوير بعضها، واستخدام معامل التصحيح لبعضٍ منها، مع ضرورة أن تتركز الدراسة وفق كل منطقة أو دولة لاختلاف معظم أنواع الظروف لدى كل واحدة منها

      توجد احتمالات، وقد تظهر عقبات أو معوقات في منطقة، قد لا تظهر في أخرى، وقد تظهر غيرها، ولكن حلها لا يتوافق مع منطقة أخرى، مما يستدعى ضرورة البحث عن حلول أخرى.

      هذه الدراسات والتطبيقات، والعقبات والمعوقات وحلولها، كلها دروس يتعلم منها الآخرون، وهي من الحكمة (أن تبدأ من حيث ينتهي الآخرون).

هي سنه كونية مستمرة مع مسيرة الحياة على اختلاف مناهجها. 

      لا شك أن المملكة قد خَطَتْ خطوات واسعة وسريعة جداً في مجال أنواع الطاقة المتجددة والطاقة الجديدة والمزدوجة، وفق ظروف المناطق المنشأة في كلٍ منها، ولا تزال تواصل مسيرتها، وهي في بداية عملها، لتحقيق الرؤيا 2050م، والدفع بعجلة التنمية لتسابق الزمن.

      لذلك، قلما تتواجد معوقات، أو تظهر بعض المشاكل المتوقعة بطبيعة الحال قبل مرور بضع سنوات على تشغيلها، وفق تحليل المعطيات، ونهج الافتراضات، ومنهجية الدراسات، واحتمالية التوقعات، وقد يحدث شيء خارجها.

      فِكْرَتْ تخزين الطاقة الجديدة أو المتجددة أو المزدوجة (أياً كان مصدرها) في بطاريات (تيار مستمر DC) مركزية أو جزئية، تحسباً للظروف وحفاظاً على الفائض فكرة جيدة جداَ، وطريقة ناجحة مبدئياً -من وجهة نظري- لتعذر تخزين الطاقة المترددة (AC).

المواد المستخدمة في صناعة محتويات البطاريات المستخدمة لتخزين الطاقة (DC) التيار المستمر ليست صديقة للبيئة -وفق الدراسات المتوفرة- بل هي من أسوء أعدائها -وفق معلوماتي-

      قد تكون الحاجة الملحة لها استدعت تواجدها وبكميات كبيرة جداً تنتشر على مساحات شاعة، تتلاءم مع سعة كل منها وإجمالي الطاقة المختزنة بها، وتحت ظروف ورعاية خاصة جداً.

أطمع من المختصين في ذلك المجال، والمسؤولين عنه، أن يواصل فريق خاص الدراسات، ويدعموا الأبحاث لإيجاد البديل عن نوعية البطاريات، وفريق آخر يسعى لتوفير الحل السليم في عملية التخلص منها بعد انتهاء فاعليتها، أو انتهاء صلاحيتها، وفريق ثالث يتابع بدقة ظروف استخدامها وضمان سلامتها، وسلامة ما حولها طوال فترة عملها المتغيرة وفق الظروف العاملة فيها.

قد تكون هذه الدراسات والأبحاث ونتائجها أحد الدروس التي يتعلمها الآخرون، وقد تكون الحل المنطقي أو الجذري لها مبدئياً، أو جزرياً.

لعل هذه الأفكار تصل للجهات المعنية، فتأخذ بالصواب منها وتطور الخطأ فيها.

كل من يقرأ هذه الأفكار والدراسات الأولية أصبح مؤتمناً على أن يسعى لإيصالها للجهات المعنية بطريقة صحيحة وصادقة، فلعل شيءً منها يُنَفَّذُ يوماً ما، فيكون شريكاً في الثواب، أو ملاماً للتقصير.

دراسة عن “ركن المحبة”

بدأ معرض الكتاب في المملكة يشق طريقة من جامعة الملك سعود بالرياض عام 1397هـ، 1976م، ليواكب مسيرة التنمية المستدامة، وأخذ العديد من الخطوات الإيجابية حتى وصل لما هو عليه اليوم من عام 1446هـ، 2025م، تحت إشراف هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية التابعة لوزارة الثقافة، والتي تأسست في العاشر من جمادى الثاني لعام 1441هـ الموافق الرابع من فبراير لعام 2020م، وأنيطت بها العديد من المسؤوليات.

لا شك أن معرض الكتاب أحد العوامل التي تقوم بدور كبير في عملية نشر المعلومات وتوسيع دائرة الثقافة على اختلاف أنواعها ومسمياتها، والكشف عن الكثير من الحقائق عن المملكة ومواطنيها وآثارها ومآثرها الدينية والتاريخية والطبيعية، ويعزز العلاقات، وَيَذُرُّ الرماد في أعين الحساد، ويؤكد الإصرار على التحدي والوصول للعالمية، وعلى مواصلة كفاح طباعة الكتاب الورقي رغم العقبات الكثيرة التي لا تزال تعصف به.

      لقد أوشك الكتاب المطبوع على التلاشي، وخاصة بعد أن اتسع نطاق النشر الإلكتروني، وفَتْحِ الباب على مصراعيه لكل من هب ودب ليتكلم وينشر على وسائل التواصل الإلكترونية دون رقيب ولا حسيب.

      يُعتبر المعرض منصًة رئيسًة للناشرين، وللتبادل الفكري والثقافي للمثقفين، وملتقى للأدباء والمفكرين، ولصنّاع الثقافة والمعرفة، ولعشاق الكتاب المطبوع من داخل المملكة وخارجها على المستوى العالمي، وخاصة عند تواجد الجناح السعودي في معارض الكتاب الدولية وهو يرعى أو يحتضن مطبوعات دور النشر السعودية ومؤلفيها والمفكرين والمبدعين والمثقفين منها، وفقاً لإستراتيجية متكاملة الجوانب تترجم الرؤيا والتوجيهات الرشيدة للقيادة، على تعزيز الريادة الثقافية والمعلوماتية والتاريخية للمملكة عربيًا وعالميًا، ويساهم في الارتقاء بجودة الحياة فيها.

وانطلاقاً من فِكْرَتْ الرؤيا 2030م، وكأحد فقرات برنامج جودة الحياة يسعدني كأحد المواطنين، أن أبعث عبر الأثير ومن خلال جميع وسائل التواصل، وأهيب بكل من يقرأ رسالتي هذه أن يساهم معي في نشرها ومحاولة إيصالها للمسؤولين بالهيئة ولرعاة الجمعيات الخيرية، والراغبين في تأسيس جمعية خيرية متخصصة في هذا المجال وفقاً للأنظمة المعنية (فالدال على الخير كفاعله، والأجر والثواب مستديم من -الله عز وجل- طالما بقي هذا العمل قائما) فلعَلَّها تتبناها أو تحتضنها، أو تساهم في دعمها وتنفيذها، لما تحمله من أفكار جديدة رائدة ومُبْتَدَعَة، لم يسبق لأحد أن طرحها، ويمكن إدخال بعض التطورات عليها وفق المنهجية التي ستطبق.  

الفكرة أو المشروع الذي أطرحه، أقدم معه بعض المترادفات، منها:

1-  إضافة منصة جديدة في معارض الكتاب بالمملكة وخارجها تحت مسمى “ركن المحبة” مثلاً، أسوة ب “جناح المؤلف” يحتوي على مجموعة الكتب المهداتَ من مؤلفيها لعشاق القراءة، أو الفائضة لدى بعضٍ من أصحاب المكتبات المنزلية أو العائلية التي أشرت لها في مقالي تحت عنوان همسة “رسالة إبداع“[1] وأن تُخَصِّص له الهيئة واتس آب لتسهيل عملية التواصل مع المسؤول عنه في الهيئة، ويكون بجوار هذا الركن مكان أو منصة يجتمع فيها الذين أهدوا تلك الكتب، وبالقرب منها مقهى، مع توفير قائمة مطبوعة بأسماء تلك الكتب ومؤلفيها ومجالاتها الموجودة في “ركن المحبة” ليسهل على القارئ سرعة الاختيار وليخفف من وطئة الازدحام في الجناح. 

2-  أن تتبنى الهيئة الفكرة الإبداعية التي طرحتها في مقالي همسة “طلب إنقاذ” وتكون في البداية بالمدن الرئيسية في المملكة.

3-  أن تساهم أو تُدَعِّمْ عملية تنفيذ هذه الأفكار الإبداعية التي طرحتها في مقالي همسة “طلب إنقاذ” وما سبقها وما تلاها[2]، وتكون في البداية بالمدن الرئيسية في المملكة.

4-  أن تقوم الهيئة بالتنسيق مع الهيئة الملكية في المدن الرئيسية ليكون لها دور فاعل في تنفيذ هذه الأفكار الإبداعية وفق اختيارها.

5-  أن تتبنى الهيئة دعم الفكرة أو المشروع مع إحدى الجمعيات الخيرية أو أحد رُعاتِها.

6-  حبذا لو تتم جميع البدائل المشار إليها أعلاه معاً، وفي هذه الحالة يكون “ركن المحبة” متخصص في الكتب الزائدة -المكررة- فقط.

7-  يمكن إضافة المجلات في “ركن المحبة” (اقرأ، المنهل، أهلاً وسهلاً، اليمامة، الغرف التجارية، مراكز التحكيم السعودية، العربي) وغيرها إذا رغبت الجهات التي تصدرها، فهي أيضاً مدعوة بدافع المحبة للمشاركة البناءة والمساهمة الفعلية في توسيع دائرة نشر العلم والثقافة وتنويع المعلومات لدى الأجيال المعاصرة والقادمة، ولا أظنها تبخل عليهم ولا على الوطن بذلك.  

بهذه الأفكار المبتدعة نكون قد حققنا عدة أهداف نبيلة، منها:

1-  تعميق المحبة بين القارئ والمؤلف والهيئة والكتاب المطبوع.

2-  نشر وتوزيع العديد من الكتب والمؤلفات ذات المواضيع المختلفة والتخصصات المتنوعة لمجموعة كبيرة من الكتاب والمؤلفين السعوديين.

3-  فتح المجال أمام عشاق القراءة لاختيار ما يتناسب مع كل منهم لتوجهاته الثقافية والمعلوماتية والعلمية وغيرها.

4-  المحافظة على تراث الأسلاف من الانقراض.

5-  استمرارية الدعاء للأسلاف على ما قدموه، من كل من يقرأ في أحد تلك الكتب التي كادت أن تتلاشى.

6-  حصولنا على المزيد من الأجر والثواب المشترك.

7-  المحافظة على عدم إهدار الكتب، وخاصة العتيق منها لما تحتوي عليه من تاريخ مجيد ومعلومات قيمة وثقافة عالية تختلف عن مفهوم ومعنى الثقافة المعاصرة.

8-  الحيلولة دون التخلص من الكتب والمكتبات العائلية بتركها على الرصيف، أو وضعها بجوار صناديق المخلفات، أو جعلها طعاماً شهياً للفئران، بعد أن أضحت عبئاً ثقيلاً على الأبناء لعدة عوامل، وتغير مسيرة الحياة، واختلاف مفهوم منهجها.  

9-  تقديم الشكر لجزيل لكل من يساهم في نجاح الفكرة، أو تقديم أي كتاب أو مجلة بدلاً من تركها طعاماً للفئران ومستودعاً للأتربة، أو تركها على الرصيف.

10-التأكيد للعالم على مدى ترابطنا المجتمعي، ومحبتنا الاجتماعية المشتركة، وتعريفه بتاريخنا الإسلامي المجيد، وحرصنا الشديد على مواصلة تحقيق المزيد، والتوضيح بصلاح وتوافق ديننا الحنيف لجميع الظروف والأزمان.

      هذه لمحة سريعة عن الفكرة أو المشروع المبتدع وجانباً من أهدافه، ويمكن استكمال دراسته عند الطلب، أو قيام أي جهة باستكمال الدراسة وبرمجتها وتهيئتها للتنفيذ.    

أتمنى أن تجد هذه الأفكار المبتدعة الرعاية المعهودة من القيادة الرشيدة، ولدى المسؤولين في الهيئة وفي الجهات المعنية بمثل هذه الأفكار الإبداعية، وأن ترى النور في أقرب وقت، بخطط مدروسة وبرامج متطورة تواكب المسيرة وتحقق المزيد من الطموحات، وتضاف لبرنامج الرؤيا 2035م، ومنهجية برنامج جودة الحياة.


[1] اثنتان (1، 2) نشرتا في موقعي بالتتابع بتاريخ 23/8/1446هـ، 22 فبراير 2025م، وما سبقها حول الكتاب المطبوع والمكتبة المنزلية، وكلها موجودة على الموقع نفسه.

[2] منشورة في الموقع نفسه لمن يرغب في المتابعة أو التنفيذ، ويسرني تقديم المزيد من بعض الأفكار التطويرية عند الطلب.

همسة “أشياء من الماضي الباقي”

هل يبقى الماضي!! أو شيئاً منه!! وكيف يمكن ذلك!!

خلق الله سبحانه وتعالى الكون بما فيه، وضح الشرائع، وفَصَّلَ المُحرمات، وبين الحقوق والواجبات، ونَظَّمَ المسؤوليات، وسن القوانين الرئيسية التي تضمن سير الحياة الطبيعية، وترك المجال مفتوحاً للإنسان في الأمور الدنيوية، ليضع لها نظاماً أو أنظمة خاصة تتغير وفق المتغيرات الزمانية والمكانية، دون تخطي تلك الحدود التي وضعها سبحانه وتعالى.

       الذكرى الطيبة، والأعمال الصالحة، والقدوة الحسنة، والذرية الصالحة كلها أشياء تبقى حتى في غياب صاحبها أو بعد رحيله عن هذا العالم.

ولكي تبقى تلك العناصر صامدة، تحتاج فقط لأهم شيء في الحياة، وأفضل شيء في الوجود، ألا وهو -مخافة الله عز وجل- في السر والعلانية، ومحبة سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة والتسليم، والأخلاق الحميدة المقترنة باليقين وحسن الشكر.

أما العادات والتقاليد والأعراف، فهي قواعد بشرية عامة، والقيم مناهج أخلاقية مجتمعية تعارفت عليها معظم شعوب دول العالم منذ العصور السابقة.

أقر بعضها ديننا الإسلامي الحنيف، وأنكر بعضاً منها، ويحثنا على بعضٍ آخر، توارثتها الأجيال مع القليل من المتغيرات المتوافقة مع كل عصر دون ضرر ولا إضرار.

       تتابعت عليها مجدداً خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة تقريباً الكثير من المتغيرات السلبية في دول العالم الملقب بالمتحضر، وانتقل بعضٌ منها لبعض من الدول الأخرى التي تسعى لمسمى الحرية المزيفة دون تدبر ولا حسن تفكير.

       الإنحدار الأخلاقي كان الأكثر تغيراً فيها، يسعى الكثير من المتطرفين لنشره كالهشيم في القش في كثير من دول العالم دون أن نَسْلَمَ منه، إلى جانب المزيد من السلبيات، مع جهادهم المرير لنبذ الكثير من تلك العادات والتقاليد والأعراف القديمة والجيدة ووصمها بصفات سيئة، لتحقيق أهدافه السيئة، وخططه الدنيئة نحو إفساد الأخلاق، والبعد عن التعاليم الدينية، والحياة المجتمعية النقية والعفيفة.

       تختلف كل من العادات والتقاليد والأعراف عن القيم ومنهجها الرئيسي القويم، سأحاول فيما يلي شرح بعضِ المعاني، أو توضيح مفهوم تلك الكلمات القليلة الأحرف، الواسعة الأهداف، المتنامية المفاهيم، المليئة بالمحبة والتكافل الاجتماعي والتقارب المجتمعي، أيد سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأجل التسليم الحسن والمحبذ منها، ونبذ السيء، واستبعد المخالف.

تُولَدُ العادات والتقاليد من ثقافة المجتمع ولا تظهر كلها فجأة، بل تنشأ تدريجيا في المجتمع نتيجة للظروف الزمانية والمكانية والمجتمعية.

الصواب منها أو المحبذ منها يخضع لمنطق التفكير، وحسن التدبر، ويحظى بالاقتناع والقبول من ذوي العقول النيرة، والسيء منها يفتقر للحجة والمنطق، ولا يستند لدراسة بناءة، بل ينتج عن توجهات لا أخلاقية، وأفكار سيئة، وطرق مُغْرِضة تسعى لمسايرة حالة اجتماعية معينة في ظروف متقلبة لنشر أفكار هدامة.

العادات: العادة هي ذاك السلوك أو التصرف المتكرر الذي يمارسه الإنسان بطريقة تلقائية أو تقليدية أو توارثيه حتى أصبح جزءاً من عقيدته أو ثقافته المعيشية العامة، بعضها فردى وآخر جماعي، وشيء منها شخصي، منها الحسن أو المقبول ومنها السيء والمنبوذ.  

       أياً كانت حالتها فلها دور فعال في حياتنا إيجابي تارة، وهذه محمودة، وسلبي تارة أخرى وهي منبوذة لتأثيرها المباشر أو الغير مباشر على بقية الأفراد وصولاً للمجتمع.          

لقد تسللت بعضٌ من تلك التصرفات أو الأقوال الغير حسنة لمجتمعنا خلال مراحل التغيير التي تَمُرُّ بها أمتنا الإسلامية.

       حرص أولئك النفر على ترسيخ المشين منها في أذهان ضعفاء العقول، أو نسبتها للإسلام بأساليب عجيبة، وروايات دخيلة وهو براء منها، لتظل الشوكة المؤلمة في كل حركة، تحذرنا بقرب الخطر، بينما هي ذاك الخطر الكبير الذي ينتشر في مجتمعنا دون أن نتداركه قبل فوات الأوان.

       لذا علينا أن نستوعب مكامن خطر هذه العناصر السلبية ونترفع بأنفسنا عن العيش في حياة عشوائية غير منظمة وخاضعة للظروف المتقلبة وفق الأهواء والمصالح، وأن نحدد لأنفسنا هدفاً أو أهدافا بنَّاءة نسعى لتحقيقها معاً، وطموحات متنوعة وبناءة نتسابق لاكتسابها، ونجعل من عثرات الحياة وأخطاء الماضي عتبات توصلنا لأحلامنا مهما كانت صعبة أو بعيدة.

       نملأ حياتنا بالحب المتبادل بيننا، ونتسم بحسن الخلق في مسيرة حياتنا وسلامة تعاملاتنا ونظافة أفعالنا، ونحرص على تجنب كل ما لا يتوافق مع قيمنا الإسلامية وعاداتنا الحسنة ومبادئنا القيمة، ونسعى جاهدين للتشبه بسيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم.

الأعراف: جمع كلمة عُرْفٍ، وهو اصطلاح لأعمال أو أفعال حسنة تحقق المصلحة العامة العملية او التطبيقية أو المجتمعية، أو هم معاً، وغير مخالفة للآداب الشرعية.

إعتاد على فعل ذاك العرف الناس، من قول أو فعل أو عمل بين الأفراد أو في المجتمع، وأَلِفَتْهُ نفوسهم، وتوارثوه عبر الأجيال.

اتفق السابقون على فعله بعد استحسان نتائجه فأصبح أقرب ما يكون عاماً وشاملاً وثابتاً نسبيًّا، طالما استخدم بطريقةٍ سليمةٍ، ولأهدافٍ نيلة، وقد لا يخلو من السلبيات فيتجنبها.

       قد تختلف الأعراف الحسنة وطريقة التعامل بها من مدينة أو دولة لأخرى، وقد تتوافق بعضٌ منها مع أعراف جهة أو جهات أخرى، لكن أهدافها في جميع الأحوال مشتركة وبناءة. وهذا أحد أسباب توارثها بين الأجيال حتى عصرنا الحاضر.

التقاليد: هي مجموعة من أعمال سابقة ناتجة عن الحكمة والخبرة، متوارَثة أصبحت جزءاً من عقيدة ذلك المجتمع، تُمارس أو تُطبيق بين أفراده، ولا تزال سارية المفعول منذ زمن سابق حتى أصبحت شيئاً طبيعياً في حياته، والخروج عنها يعتبر شيئاً مَعِيباً أو غير صحيح. 

       قد تختلف التقاليد المحبذة وطريقة تطبيقها والتعامل بها من شعب أو مدينة، أو من دولة لأخرى، وقد تتوافق بعضٌ منها مع أعراف جهة أو جهات أخرى، لكن أهدافها في جميع الأحوال مشتركة وبناءة. وهذا أحد أسباب توارثها بين الأجيال على مر العصور.

       هذه التقاليد الحسنة، تجد موجة كبيرة من الهجمات الهمجية من قبل المتبرمين من الآداب والأخلاق الفاضلة التي تعتبر من أساسيات الدين الإسلامي.

القيم الأخلاقية: هي فضائل -أعمال يؤديها الشخص طوع إرادته، كالكرم والأدب في كل شيء، واحترام الآخر وغيرها- ثابته منذ الأزل عند الكثير من الشعوب وفي كل الأعراف والأديان والثقافات السابقة، وهي قيم عظيمة ما تقيد بالحد الأنى منها وبها شعب أو أمة إلا وأصبحت لها حضارة واسعة، ومجد عظيم، وما تخلى عنها فرد أو شعب إلا وهبط لأرذل السافلين.  

الخلاصة: أن كل مفردات تلك القيم والعادات والتقاليد والأعراف، يجب أن تكون إيجابية، ولا تخالف المبادئ الشرعية ولا الأخلاق الحميدة، وتحقق المنفعة العامة، والأعمال النبيلة، وعلى كل فرد ومجتمع أن يتمسك بها، وألا يقبل بأي شكل من الأشكال ما قد ينسب أو يضاف إليها من المشينة مهما كان ظاهرها مغريا. 

دراسة تحليلية عن صلاة الخسوف

والكسوف والتراويح والتهجد

طُرِحَِ نقاش على إحدى منصات الواتس آب، حول احتمالية حدوث خسوف للقمر بالتزامن مع موعد صلاة التراويح لمساء يوم الجمعة 14/09/1446هـ، 15/03/2025م، ليلة السبت.

      كان النقاش -وُدِّي وجميل- عن مدى إمكانية تأجيل صلاة التراويح عن موعدها، أم تقديمها على صلاة الخسوف! أم الجمع بينهما في صلاة ركعتين من التراويح.

           اختلفت الإجابات، وهذا الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد للود قضية، إلا أن هناك قواعد يجب مراعاتها عند أداء تلك الصلوات.

بعد الدراسة بنظرية التدبر والتحليل والمقارنة، نلخصها فيما يلي:

1-   صلاة خسوف القمر، إذا اختفى القمر، سواء ذهب نوره كله أو بعضه، يُنادى (الصلاة جامعة) ويصلي الناس جماعة، وهي سنة مؤكدة يؤجر فاعلها، ولا يؤاخذ تاركها.

السنة أن يصلي المسلمون ركعتين، في كل ركعة قراءتان وركوعان وسجدتان. القراءة جهراً[1]، الفاتحة وسورة أو آيات من أي سورة في الركعة الأولى، ثم يركع، ثم يرفع، فيسمع، ويحمد، ولا يسجد، بل يقف ويقرأ مرة أخرى الفاتحة وسورة أو آيات أخرى، ثم يركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين، ثم يصلى الثانية كالأولى، ثم يتشهد ويسلم.

2-   الخسوف الناري[2] أو الدامي[3]، إذا تحقق الشرط يعتبر خسوف وتقام على أثره صلاة الخسوف، أو الكسوف وفق الحالة. والله أعلم.

صلاة الخسوف لها طريقة خاصة لأدائها -كما هو مبين أعلاه- لا تطبق في أي صلاة أخرى لا نافلة ولا فريضة، لذا لا يمكن الجمع بينها وبين أي صلاة نافلة أو فريضة أخرى، بل تؤدى بذاتها وفق حالها وفي وقتها. والله أعلم. 

صورة رقم (1) مراحل الخسوف للقمر في 14 مارس 2025م. صحيفة سبق 

2-   صلاة كسوف الشمس: إذا اختفي ضوء الشمس كلياً أو جزئياً -ليس بسبب الغيوم- ينادى (الصلاة جماعة) وتكون طريقة أداء صلاة الكسوف كأداء صلاة الخسوف.

3-   صلاة التراويح سنة تطوعية كغيرها من السنن. لم تكن تقام جماعة في المسجد في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم. هي نافلة تطوعية للتقرب -لله سبحانه وتعالى- وعمل محمود ومحبذ. تقام في الحرمين الشريفين وفي غالبية المساجد في العالم الإسلامي.

اعتاد الناس على قيامها أو تأديتها بعد صلاة العشاء وسنته بشكل منتظم ومنظم، طوال شهر رمضان المبارك، في جماعة بالمساجد بآيات من    القرآن الكريم لعدم الإطالة، أو بجزء منه موزع على عدد الركعات لكل ليلة، ويُحْتم بها المصحف، وفي آخر ليلة يُقرأ دعاء ختم المصحف[4].

صورة رقم (2) أنموذج لدعاء ختم القرآن في مصحف مكة المكرمة، ومعلومات عن السور

لا يوجد ما يمنع من أداءها منفرداً وفق الظروف الزمانية والمكانية.

      البعض من الناس يصلونها في البيوت بقصار السور أو ببعض الآيات مع أفراد الأسرة، الصغير قبل الكبير، لتدريب وتشجيع الأطفال على حُب الصلاة، وتعليمهم طريقة أداءها، وكيفية المحافظة عليها، وتعودهم على حفظ تلك السور والآيات القصيرة التي يتلوها جدهم أو والدهم ويكررها على مسامعهم طوال الشهر.

هي خطوة ممتازة، وقدوة حسنة، وكسب ثواب عظيم، ومنافع متعددة ومفيدة، وترغيب محبذ، خاصة لو اقترن بما يبعث السرور والسعادة في نفوس الأطفال، كالتشجيع المعنوي وشيء من الحلوى أو المداعبة اللطيفة.

الكثير من الناس اعتبروا صلاة التراويح خاصة برمضان مجازاً وليس حكماً. هي سنة تطوعية وتقرب للواحد الأحد، وحرص على كسب الفرصة، يؤجر فاعلها، ولا يؤاخذ تاركها، أقلها ركعتان ولا حدود لعددها.

اعتاد الناس على أداء (10-20) ركعة لصلاة التراويح في ليالي رمضان، -بتوفيق الله سبحانه وتعالى- تتبعها صلاة الوتر، والبعض يؤجل صلاة الوتر للثلث الأخير، بعد صلاة التهجد.

4-   مسمى صلاة التراويح: يتغير الإمام في المسجد للاستراحة ومنح فرصة للآخر، ويتم أخذ بِضْعِِ دقائق من الراحة بعد التسليمتين للإمام وللمصلين، خلال فترة أداء صلاة التراويح، ربما لذلك سُميت بهذا الاسم الخاص أو المتميز (التراويح). البعض من المصلين ينصرف بعد التسليمتين الأولى، والبعض يُكمل مع الإمام، كُلٌ بحسب ظروفه.  

وقد أرى -من وجهة نظري الشخصية- أنها سميت بذلك الاسم الجميل (التراويح) لأنها تساعد على التقرب -لله سبحانه وتعالى- وتريح القلب، وتطمئن النفس، وتسر الخاطر، وتوحي بالطمأنينة، سواءٌ أديتها في جماعة أو منفرداً، وإن كانت الجماعة أفضل لو كنت فرداً.

5-   وقت صلاة التراويح: هي سنة كما أسلفنا، واسمها مجرد مسمى اصطلاحي لها، وقد ينتهي وقتها وفق مسماها بحلول الثلث الأخير من الليل لوجود مسمى آخر لصلاة تطوعية أخرى يدعونا لها رب العزة والجلال ويعدنا خلالها بالكثير وهو صاحب الجود والكرم، إنها صلاة التهجد.

لذلك، صلاة التراويح ليست قاصرة على شهر رمضان، ويمكن لأي شخص أن يصلي من السنن ما يشاء خلال الأوقات المسموح فيها بصلاة النوافل -بعد توفيق الله تعالى له- منفرداً أو في جماعة في أي يوم أو ليلة من السنة، دون مسماها، فليس لصلاة النوافل عدد محدد، فصَلِّ ما شئت، فهي عبادة وتقرب -لله سبحانه وتعالى- يمكن أداءها بتوفيقه تعالى.

ولذلك أيضاً، يقدم أداء صلاة الخسوف على أداء صلاة التراويح إذا صادف وقت أدائها خلال وقت صلاة التراويح.

أما النوافل الموسومة (كصلاة الشروق والضَّحَىَ، والسنن القبلية والبعدية) فالأفضل أن تصلى في أوقاتها.

6-   عملية تأجيل الآذان وصلاة العشاء عن موعده لمدة نصف ساعة في رمضان، ليس فرضاً ولا واجبا، بل هي عملية تيسير وتسهيل وإعطاء فرصة أوسع لراحة الصائمين بعد الإفطار.

لا حرج ولا خطأ من أداء صلاة العشاء متى ما حان دخول الوقت[5] دون التأجيل، ويستحب أداء صلاة التراويح بعدها، ولا ضير في تأخير بعضها أو تأخيرها إلى ما قبل منتصف الليل، أو الثلث الأخير من الليل، ولا يوجد ما يمنع من جمعهما في التهجد إذا لم تُكْسَ بالمسمى الاصطلاحي (التراويح).               

4-   صلاة التهجد أيضاً نافلة، سنة تطوعية كغيرها من السنن، لم تكن تقام جماعة في المسجد في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

هي طاعة ولجوء -لله سبحانه وتعالى- وعمل محمود ومحبذ، تقام في الحرمين الشريفين وفي غالبية المساجد في العالم الإسلامي خلال العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك.

صلاة التهجد بشكل عام، ليست قاصرة على شهر رمضان المبارك فقط، ولا على العشر الأواخر منه، بل الترغيب على أدائها طوال العام شديد ومحفز لقوله تعالى {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (79)} سورة الإسراء. 

يمكن أداؤها منفرداً أو في جماعة مع بعض أفراد الأسرة في المنزل.

وهي ليست محددة العدد، فصَلِّ ما شئت، فهي عبادة وتقرب -لله سبحانه وتعالى- يمكن أداءها بتوفيقه تعالى.

تقام في الثلث الأخير من الليل في لحظات التجلي الإلهي والحث على اللجوء لله سبحانه وتعالى، لما ورد في الحديث الشريف [يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له! مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ! مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له!][6].

هنيئاً لمن يلبي هذا النداء ويحظى بالإجابة، جلنا الله وإياكم منهم.

صلاة الوتر: هي أيضاً نافلة، ويبدأ وقتها من بعد صلاة العشاء حتى آذان الفجر،

لحديث أمّ المؤمنين السيدة عائشة -رضيَ الله عنها- قالت (مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قدْ أَوْتَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مِن أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إلى السَّحَرِ)[7] ويُوصى بها.

[هي ثلاث ركعات، يتشهد بعد الثانية، ويقرأ القنوط بعد القيام من الركوع في الثالثة، أو ركعتان مستقلة ثم ركعة مستقلة مع دعاء القنوط، أو ركعة واحدة مع دعاء القنوط][8].

يستحب أن تكون بعد أداء صلاة التهجد في الثلث الأخير من الليل أياً كان عددها، وفي أي ليلة من ليالي السنة.

الفرق بين صلاتي التراويح والتهجد:

           لا تختلف صلاة التراويح في الأداء والمفهوم العام عن صلاة التهجد. كلاهما سنة، أو عبادة وتضرع لله سبحانه وتعالى، غير مقيدة العدد، وتخضع للقاعدة العامة لأداء الفريضة، وهي بتوفيق الله تعالى.  

           الفرق بينهما، أن الأولى اعتاد الناس على أداءها جماعة في المسجد بعد صلاة العشاء في رمضان فقط، ووسموها بمسمى اصطلاحي (التراويح) والثانية اعتاد الناس على إقامتها أو أدائها في الثلث الأخير من الليل جماعة في العشر الأواخر من رمضان بالمساجد مع القليل من الاطالة.

           ويمكن أن يصلي  من -يوفقه الله سبحانه وتعالى- صلاة التهجد في جماعة بأهله أو فراداً في المنزل في بقية ليالي العام أيضاً.  


[1] القراءة جهرية لحديث السيدة عائشة رضي الله عنها في الصحيحين “جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته”.

[2] اختفاء الضوء الجزئي او الكلي يعتبر خسوفاً أو كسوفاً بحسب الحالة.

[3] وردت عنه تفاصيل وصور واضحة بصحيفة الجزيرة في 25/5/2021م كذلك راجع صحيفة العربية نت 11 مارس 2025م

[4] غالباً يوجد انموذج لذلك الدعاء في أغلب المصاحف، كذلك توجد معلومات كثيرة مفيدة عن السورة، مثل مصحف مكة لمكرمة المرفق صورته

[5] الوقت لزمني بين صلاتي المغرب والعشاء (90) دقيقة، أي ساعة ونصف يمكن بعدها أداء صلاة العشاء في أي ليلية من العام.

[6] الراوي: أبو هريرة | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري

[7] رواه مسلم في صحيحه. وقد وردت عدة روايات عن كيفيتها، وكلها جائزة.

[8] ورد في عددها عدة روايات، وأياً كان العدد فهي جائزة بإذن الله تعالى.