إبراهيم بن حسين جستنيه

تهنئة بعيد الأضحى 1447هـ

الحمد الله- الذي يبارك لنا في كل شيء يكرمنا به، ويمدنا بعفوه ورضوانه، نُدرك عيد الأضحى المبارك لهذا العام 1447هـ، 2026م، وقد بلغنا من العمر عتياً.

      طوبى لمن وفقه الله تعالى- وكان ممن باهى سبحانه وتعالى ملائكته به، أو وفقه للصيام والقيام وغيرها من الأعمال الصالحة.

      نساله تعالى، أن يديم علينا نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأن يوفقنا لحسن شكره، وأن يبارك لنا في ذرياتنا، وأن ينصر المسلمين أمة حبيبه عليه أفضل الصلاة والسلام، في كل مكان. وكل عام وأنتم والجميع في خير وأمان، وسلامة وعافية ورضوان.

أخوكم/إبراهيم بن حسين جستنيه

موسم خاص

سبحانه وتعالى غنيٌ عنا، رحيم بنا، كريم علينا، نعمه علينا تفوق الخيال، متواصلة على كل من يشكره وهو الكبير المتعال.

يمنحنا العديد من الفرص لنتقرب إليه، ويؤخر الحساب والعقاب، لإعطائنا فرصة التوبة وطلب الغفران.

بِضْعُ عَشْرِ ساعات ويُطِلُّ علينا هلال شهر ذي الحجة الحرام بلياليه العشرة الحسان، وثوابها المتميز الأركان، وفضلها العجيب في الإحسان.

أيامٌ وليالٍ أقسم -الله سبحانه وتعالى- بها في كتابه الكريم في سورة الفجر، ورفع شأنها فوق سائر الأيام، وتَوَّجَتها السنة النبوية المشرفة.

فعَنْ أَنَسٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مَنْ رَحِمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ] رواه الطبراني.

وفي مسند الإمام أحمد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم، قَالَ [مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ وَلاَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ].

وعن أبي جرير، أن سعيد بن جبير قال [‌لا ‌تطفئوا ‌سرجكم ليالي العشر، تعجبه العبادة] ويقول [أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة] حلية الأولياء.

فطوبى لمن عرف قدرها، وأحسن استقبالها، وعمرها بالطاعة والإنابة والعمل الصالح.

وكل عام وأنتم في أتم الصحة والعافية والسلامة من كل سوء.

فضلا لا تنسونا من الدعاء الخاص ومع المسلمين والأبوين أجمعين.

الطاقة في المباني

اطلعت على مقال في صحيفة مكة تحت عنوان [ترقية كفاءة الطاقة في المباني] بتاريخ 10/11/1447هـ، 27/04/2026م.

من الملاحظ أن الكثير من الكتاب يلجؤون في معظم مقارناتهم وأمثلتهم للتقارير والإحصائيات الأجنبية، دون محاولة أن تكون المقارنة والأمثلة من واقع الطبيعة الوطنية للاختلاف الكبير بينهما من عدة جوانب بيئية واجتماعية ومجتمعية، وهي معلومات أولية جداً، ومن الصعوبة التصديق بعدم معرفتهم لها، وإلا فستكون كارثة عظيمة.

وكمعلومة أخرى، لا أعتقد بأن من سافر لأي دولة من الدول الأوربية يجهلها، ألا وهي أن بناء البيوت في المدن الكبيرة التي لا تتجاوز الثلاثة أدوار، غالباً ما تكون بالخشب المعزول بمواد مخصصة من مخرجات البيئة بعد معالجتها، والقليل من الطوب المعزول وفق بيئة كل مدينة أو قرية.

أما البيوت الكثيرة الأدوار والأبراج، فتوجد في المدن الكبيرة، وتبنى بالأسمنت المسلح، أو بالمقاطع الحديدية وتكسى بالصفائح المعدنية أو الزجاجية، أو البلاستيكية المزدوجة المخصصة والمعزولة بطريقة تتلاءم مع كل حالة وموقع، مع القليل من الطوب المعزول أحياناً.

أتذكر أن بيوتنا القديمة كانت تبنى بالحجارة المستخرجة من الجبال، وأسقف من المقاطع الخشبية الطولية والعرضية، وأرضية ترابية مغطاه بخلطة النورة. وتكسى الحوائط بطين السيل المعجون بطريق فنية عجيبة لا تتأثر بالعوامل الطبيعية لسنوات طويلة، أو بمادة النورة البلدي المطفية، ورغم ذلك كانت تنعم بجوٍ معتدل صيفاً وشتاءً، دون وجود أجهزة كييف ولا تدفئة.

كان البيت القديم يضم عائلة كاملة من أب وأبناءه وأحفاده، أو إخوة بعائلاتهم، والكل تجمعهم سفرة واحدة، وتحكمهم كلمة الأكبر سناً.

تلك أجيال تمكنت من التعايش مع ظروفها، كافحت كثيراً، وعانت الأمرين، وحاولت أن تفتح لنا طرقاً عديدة لنعيش حياة أكثر سعادة، وأقل مرارة، ومع ذلك، يتنكر لها الجاحدون، ويلومها الحاقدون، ويصفوهم بالبسطاء أو الجاهلون.

صورة رقم (00) منقولة. مقر أمانة العاصمة بالغزة عام 1371هـ.

أما عصر التكنولوجيا، فيوفر معلومات في بعض من التقارير عن الكهرباء، ويبين مدى التقدم الذي حصلت عليه شركة الكهرباء في توفير كمية جيدة من الطاقة الكهربائية من المصادر النظيفة، أدمجتها مع الطاقة المنتجة من الوقود الأحفوري، وتضخهما معاً للمستهلكين، وهي خطوة ممتازة مدعومة من وزارة الطاقة. 

وبالرجوع للتقرير السنوي لشركة الكهرباء، يتبين أن التوزيع القطاعي للطاقة عام (2023م) بالمملكة نسبته المئوية في القطاع السكني (47% تيرا واط/ساعة[1])، الصناعي (60.53 تيرا واط/ساعة)، التجاري (59.13 تيرا واط/ساعة

وباستخدام الذكاء الاصطناعي، بين أن توزيع استهلاك الكهرباء حسب القطاعات خلا ل عام (2024-2025م) حافظ فيه القطاع السكني على الصدارة كأكبر مستهلك للكهرباء في المملكة، وجاء التوزيع كالتالي:

القطاع السكني (47.4%): بلغ استهلاكه حوالي (161.2 تيرا واط/ساع).

القطاع الصناعي (18.6%): بإجمالي استهلاك (63.4 تيرا واط/ساعة).

القطاع التجاري (17.3%): باستهلاك تقريبي (58.8 تيرا واط/ساعة).

القطاع الحكومي (11.0%): بلغ استهلاكه 37.5 تيرا واط/ساعة.

قطاعات أخرى (5.7%): تشمل الزراعة والمرافق العامة وأخرى.

وتصدرت منطقة الرياض استهلاك الطاقة في المملكة بنسبة (25.7%) تلتها المنطقة الشرقية بنسبة (24.5%) ثم منطقة مكة المكرمة بنسبة (22.7%)

كان من المفترض -وفق علمي المتواضع ومعلوماتي البسيطة- أن تدفعنا هذه النتائج لإجراء دراسات متنوعة، وأبحاث مختلفة ومتعمقة، لما لها من مؤثرات عديدة ومتغيرة على جودة الحياة في السعودية، وعلى منهج الرؤيا 2030م، وعلى برنامج المسيرة التنموية المستقبلية للمملكة. 

نظام البناء القديم -وفق معلوماتي- كان يتمتع بطريقة بارعة في عملية البناء لتوفير الجو المناسب للظروف المعيشية في كل مبنى، رغم قلة المعلومات الهندسية، وندرة المؤهلات التعليمية العالية في ذلك الزمان.

أما الواقع، فاليوم تتوفر الكثير من المعلومات، وتُبنى القصور والبيوت والأبراج بالخرسانة المسلحة، أو بالمقاطع الحديدية، وتحاط بأنواع مختلفة من الطوب أو المواد الصناعية، بعد تطوير مواصفاتها القياسية، أو بألواح زجاجية أو معدنية مخصصة، ورغم ذلك نحتاج للكثير من الطاقة الكهربائية.     

هنا، يلعب اختلاف الظروف البيئية والاجتماعية والمجتمعية، والمسيرة التنموية أدواراً فعالة، تحكمها منهجية جودة الحياة، والرؤيا المستقبلية، والطموحات الخيالية.

لذلك، نجد أنفسنا في أمس الحاجة لتوفير المزيد من الطاقة بأقل التكاليف وأسرع الطرق، خاصة وقد أصبحت العنصر الثاني الأساسي لبقاء الحياة البشرية.

لذلك أرى، أن وجود فريق أكاديمي، وفريق ميدان عملي، وثالث مخضرم متنوع التخصصات من المهندسين والفنيين، يتفرغ لدراسة تلك الطريقة القديمة لعملية تهوية أو تبريد المباني والقصور القديمة، يكون خطوة إيجابية جيدة نحو الوصول لفكرة، أو طريقة علمية وهندسية، قد تساهم في ابتكار مشروع جديد لتخفيف حجم الطلب على الطاقة التي يحتاجها البيت أو المنزل العصري، أو الأبراج الشاهقة بنسبة (5-15%) كخطوة أولى لأن الشقق مشتركة في المباني، وليست كالفلل والقصور الخاصة، ومواصلة تطويرها، للتغلب تدريجيا على مشكلة الزيادة من الطلب على الطاقة، أو الحَدِّ منها.

والفريق رابع تابع لهيئة التراث والآثار، لتبادل المعلومات وتوثيقها.

صورة رقم (3) أبراج الوقف أمام باب الملك عبد العزيز بأجياد

هذا المشروع يحتاج لإشراف ودعم رئيسي كبير من وزارة الطاقة، ومشاركة بقية القطاعات ذات العلاقة، وضرورة تطوير نظام المباني في البلديات، (والمواصفات القياسية للأسلاك والكيبلات الكهربائية، ونظام التوصيل الخماسي، والحماية الوقائية والسلامة)[2] حتى لا تكون عقبة رئيسية أمام نجاح المشروع

علنا نستعجل الخطى، ونسابق الزمن لإنجاح هذا المشروع، كما فعلنا في غيرها كثير، وفزنا فيها عن جدارة، قبل أن تسبقنا الأيام، فنتحسر ونندم ونقول (ليتنا فعلنا). 

أطيب تمنياتي.


[1] 1 تيرا واط ساعة (TWh1) أو تريليون واط ساعة، وهو إحدى وحدات القياس للطاقة الكهربائية، وتكتب (10)12، واحد وأمامه (12) صفر..(1,000,000,000,000)  

[2] سبق الإشارة إليه في بخث نشر في الموقع بتاريخ 09/11/1447هـ، 26/04/2026م، معطوف على بحوث ودراسات سابقة.

دراسة عن “إيجابيات وسلبيات لفروع الطاقة”

اطلعت على مقالة في صحيفة مكة بتاريخ 03/11/1447هـ، 0/04/2026م، تحت عنوان [الطاقة المتجددة: من تنويع المصادر إلى هندسة الكفاءة الاقتصادية الوطنية].

قبل الدخول لصلب الموضوع، أود الإشارة لملاحظة مهمة جداً، وهي تلاشى استخدام التاريخ الهجري لدى الكثير، كالصحف والمجلات وغيرها، بعد أن كان أحد أهم مميزات المملكة مقترناً بالأشهر العربية، وطغى استخدام التاريخ الميلادي والأشهر الميلادية عليه، حتى لم يعد كثير من أبناء الجيل المعاصر يعرف شيئاً عن التاريخ الهجري والأشهر العربية فيما عَدَىَ رمضان والحج، رغم علاقتهما الوثيقة بديننا الحنيف، ورسولنا الأمين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

وبالتالي سَيُهْجَر ويصبح في قائمة النسيان بالنسبة للأجيال القادمة، إن لم نستدرك الأمر، ونصحح المسيرة، ونستخدمهما معاً، أول العودة للأصل.

وأجو أن يتم ذلك قبل فوات الأوان. 

أما موضوع الطاقة، فلا شك أنه قد أصبح من الضرورة الملحة جداً التوجه للاستفادة من تعدد أنواع الطاقة وفروعها، وخاصة مع توفر الفرص الواسعة والمتنوعة لها في المملكة، واقتحامنا لعالم التطورات التكنولوجية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وغيرها.

منذ سنوات بعيدة طرحت نماذج من هذه الأفكار على الجامعات السبعة السعودية -التي كانت آنذاك- وعلى الإدارة التي كانت تتبنى مشروع القرية الشمسية آنذاك، وعلى الهيئة الملكية بالجبيل، وعلى أمانة مدينة جدة في 10/05/1433هـ، وقدمت مجموعة من المحاضرات، وتمت عدة لقاءات مع بعض المسؤولين، إلا أن الفكرة على ما يبدو كنت سابقة لأوانها كثيراً.

أتذكر ما نشر على صحيفة مكة بالعدد (496) وتاريخ 05/08/1436هـ، 23/05/20215م، تحت عنوان [السعودية تطرح (5) مجالات لطاقة متاحة غير مضرة بالمناخ] وغيرها.

وأعود بالذاكرة قليلاً، فقد كتبت عدة أفكار ودراسات أو بحوث تحليلية أولية وتعليقات على بعض مما كُتب عن حلقات الطاقة وأنواعها[1]، نشرت إحداها تحت مسمى [الطاقة المستدامة] بتاريخ 24/12/1445هـ، 30/6/2024م.

وتحدثت أيضاً عن ضرورة تطوير المواصفات القياسية للأسلاك وكوابل شبكة الضغط المتوسط والمنخفض على اختلاف أنواعها ومقاساتها، وضرورة استخدام النظام الخماسي في الشبكة العمومية والاستهلاكية، وتطوير مواصفات أنواع الموصلات والقواطع الآلية، ووسائل الوقاية والحماية، بما يحقق الأمن والسلامة للأرواح والممتلكات -وفق المعطيات المذكورة، والبراهين المدرجة- ولا أزل في انتظار تحقيق ذلك لضمان سلامة الوطن والأرواح والممتلكات.

ونشر بحث أولي تحت مسمى [دراسة الاحتمالات والأخطاء حلول ناجعة] بتاريخ 22/11/1446هـ، 20/05/2025م.

ولا يزال الصبر حليفنا، والتذكير صديقنا، والأمل رفيقنا.

لا شك بان المملكة مؤخراً، خطت خطوات حثيثة وسريعة نحو عملية الاستفادة من بعض أنواع الطاقة، كجزء من خطتها الاستراتيجية لرؤيا 2030م، ومنهج جودة الحياة وبرنامج التنمية المستدامة.

حققت المملكة خلالها نجاحاً واسعاً في عملية تنميتها الإيجابية والاستفادة من بعض فروعها الاقتصادية والتنموية الأخرى. ولم أعثر ما يوضح مدى رعايتها للجوانب السلبية، وكيفية معالجة الاحتمالات، ومواجهة التوقعات.

إذ من المعلوم، أن لكل عمل إيجابياته وسلبياته. حققنا مراحل واسعة من الإيجابيات في وقت قياسي نسبة لغيرنا.

تبقي السلبيات، وهي مختلفة وفق كل فرع من أنواع الطاقة وبيئته.

من المؤكد أنها تحتاج لدراسة متعمقة ومتوسعة، وتخصيص فرق مختلفة التخصصات -إذا لم تكن- لتتعقب تلك السلبيات وفق ظروفنا البيئية والمجتمعية، والتوقعات الطبيعية، إضافة لما سبق أن ذكرته بعاليه، والوصول لحلول ناجعة.

سبق أن أوضحت جانباً من سلبيات الطاقة الشمسية الضوئية في بحث سابق، مثل مخلفات الألواح الشمسية والبطاريات والمواد الكيميائية المستخدمة فيها ولها، ومدى تأثيرها السيء على البيئة، ولا أعلم إن كانت قد وصلت للجهة المختصة، أم لا!! وما الذي تم بشأنها!

كذلك يكون الحال بالنسبة للطاقة الشمسية الحرارية، والبطاقة الهوائية وطاقة السدود التي لم أجد لها وجود على الطبيعة، والطاقة التي يمكن توفيرها من توفير الشلالات الصناعية، وغيرها.

ويشمل ذلك أيضاً، كل سلبيات ما يرتبط بها من مخرجات اقتصادية وتنموية ومجتمعية.

الكثير منا يتناسى، أو يتجاهل، أو يستهين بدراسة السلبيات، ويتلافى التوقعات ومدى تأثيرها على مخرجات المشروع، رغم أنها -وفق وجهة نظري- من أفضل الطرق للوصول لقمة الابتكار وميزة الإبداع، وخلق الجديد من المشاريع المتنوعة، والفرص العديدة.

إن التخطيط الفاعل المبتدع والمتميز في عصر التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، هو استخدام الحكمة، والقدرة على الموازنة بين تحقيق أعلا مستوً من التكنولوجيا بأقل التكاليف، وإظهار النتائج البيئية المنخفضة الجهد والتكلفة، وتوضيح مدى التأثير المجتمعي المعتدل على جودة الحياة، وتحويل أغلب أنواع السلبيات لمشاريع جديدة ومتطورة من الابتكارات والإبداعات في شتى المجالات والتخصصات.

فأي دراسة لمشروع ما، لابد أن تشمل العديد من الجوانب الإيجابية والسلبية، والافتراضات والاحتمالات ونسبها، وطرق حلها أو تجاوزها بسلام، مع وضع منهجية التوقعات وخطوات تقبلها، أو التصدي لها، دون التغاضي عن متابعتها ومتابعة كل ما له علاقة بها، طوال فترة عملها، وتطوير فاعليتها، أو تجنب بعض منها، أو كلها.

عسى أن تكون هذه الأفكار العابرة نقطة تحول، أو دراسة بحثية أولية وتذكير للجهات المعنية بذلك.

والله من وراء القصد. 


[1]   لذلك وسمتها ب “حلقات الطاقة” لأنها متواصلة ومترابطة جيداً، ويمكن الاستفادة من بعض أنواع من كل واحدة منها وفق الظروف البيئية لكل منطقة بالمملكة. 

همسة “سؤال تعجب!!”

وصلني أكثر من مرة على الواتس آب، وشاهدته في بعض مجموعاته، مقطع فيديو للشيخ رمضان عبد الرزاق في أجابته على سؤال الدكتور عمرو، (الرسول صلى الله عليه وسلم، أعظم عند الله من جبريل ومن إبراهيم الخليل ومن موسى كليم الله، كيف تدلل على ذلك!!) أ. هـ.

اِسْتَمعت لما ذكره من الدلائل القاطعة على مدى محبته -جل جلاله- لمصطفاة سيد البشرية، وتفاعلت معه محبتي للحبيب صلى الله عليه وسلم، وتوافقت مع مشاعري الدفينة نحوه، عليه أفضل الصلاة والسلام.

أغلقت الفيديو بعد الانتهاء من الصلاة والسلام عليه.

تكرار وصول هذا الفيديو لي، والتأثير اللا شعوري، والتفاعل اللا إرادي، جعلني أرسله على الخاص لبعض الأحباب ليشاركوني ذلك الإحساس وتلك المشاعر الخاصة بمحبته صلى الله عليه وسلم.

فوجئت على الخاص بالتعليق التالي من أحد الأحباب قائلاً: [الحمد لله ربّ العالمين. قدر الرسول عليه الصلاة والسلام- لا يدانيه قدر، ومنزلته في قلوب المسلمين عظيمة، بل أن محبته أكثر مما يحب المسلم نفسه من الإيمان.

ولكن، ما المقصود بهذه المقارنات بينه عليه الصلاة والسلام- ببقية الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام- هل هي من باب التعبد لله تعالى- هل للحط من قدر البعض منهم -لا سمح الله- لان العوام قد يتخيلون ذلك. أم هي لإثارة النزعات الفكرية؟ أم هل نسي الرسول صلى الله عليه وسلم- أن يذكر هذا التفاضل بينه وبين بقية الأنبياء؟ لم أجد جواب مقنع. والله المستعان] (أ. هـ).

أعتبر أن هذا سؤال تعجب من أخ فاضل -وفق فهمي وإحساسي- أحاول التوضيح وفق علمي القليل، ومعلوماتي البسيطة.

في الحقيقة، لم يخطر ببالي أي احتمالية سوء، لا من السائل، ولا من السؤال ولا لهدفه، ولا من المجيب.

غالباٍ ما يسهو علينا فهم واستدراك المعاني القرآنية في كثير من الحالات، ويغفل بعضنا على استيعاب الأهداف الحقيقية، ويحتاج البعض منا لمن يستطيع أن يبسط لهم شرح كثير من الأمور المختلفة والمواضيع المتغيرة، ويبين له المعنى المقصود بالدلائل القاطعة.

والبعض الآخر، قد يكون أكثر حاجة لمن يمكنه من الوصول لأفكارهم، والدخول لعقلياتهم لتحريرها من المعلومات المتضاربة والملابسات المتراكمة، والدعايات الكاذبة، وهي سنة الحياة، قال تعالى {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ*} الأية(76) سورة يوسف،

كُلُّ رسولٍ من الرسل السابقين لسيد المرسلين، يدين بالإسلام، ولكن رسالته محدودة، بُعث لقومه فقط لإرشاده ودعوته لعبادة الله وحده سبحانه لا إله سواه، إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فقد بعثه الله سبحانه وتعالى لجميع الإنس والجن برسالة عامة وشاملة، وغير قابلة للتحريف ولا التأويل، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ*} الآية (9) سورة الحجر، وصالحة لكل زمان ومكان  لقوله تعالى { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ* فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ*} الآيات (19-20) سورة آل عمران،  ولا يقبل سواه، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ*} الآية(85) سورة آل عمران، وبلغة القرآن الكريم [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*] الآية (2) سورة يوسف، وقوله تعالى [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ] الأية (195) سورة الشعراء.

نحن أمة آخر الأنبياء وسيد المرسلين، نؤمن بجميع الرسل السابقين، نحبهم ونصلي ونسلم عليهم لقوله تعالى {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ*} الأية (285) البقرة، وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا*} الآية(136) سورة النساء، وقوله تعالى {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ*} الآية (194) سورة آل عمران.

أسماؤه عليه أفضل الصلاة والسلام بِضْعُ مئات، وفضائله عديدة، ومتنوعة، منها ما ورد في قوله تعالى {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ* وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ* وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ* فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ* بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ*} الآيات (1-6) سورة القلم.

لذا، أجد[1] أن هذا الشرح والتوضيح من فضيلة الشيخ رمضان عبد الرزاق[2]، ما هو إلا تذكير بطريقة مختلفة -وفق فهمي- بالدليل القاطع المثبت بالكتاب المبين في العديد من الآيات القرآنية مثل قوله تعالى {[فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا*] الآية (41) سورة النساء، وهذه الآية دليل واضح على أن أول خلق الله سبحانه وتعالى في علم الغيب عنده، هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكتب الشهادتين على كرسي عرشه، وإلا فكيف يكون شهيداً على كل من كان قبله من الأنبياء والرسل!! وهو آخرهم في الدنيا!! وألهم سيدنا آدم السؤال به[3]، وقوله تعالى {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ*} الآية (23) سورة الأعراف، وقوله تعالى [وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا*] الآية (55) سورة الإسراء، وتفاصيل أحداث ليلة الإسراء والمعراج، وغيرها كُثْرٌ[4]، ما هي إلا القليل من الهبات الخاصة من الكريم، يُنْعِمُ بها على من يشاء من عباده، دون حسيب، ودلالة قاطعة على اختصاصه صلى الله عليه وسلم وتميزه بفضائل وصفات من العاطي -سبحانه وتعالى- لم ولن تكن لسواه من بقية الأنبياء والمرسلين، ولا لغيرهم من المخلوقات جمعاء، وأنه ليس ذماً فيهم، ولا انقاصاً من منزلتهم -أعوذ بالله- ولا فكرة لإثارة النزاعات الفكرية ولا العقائدية ولا الطائفية.

وحاشاه صلى الله عليه وسلم، من أن يتفاضل أو يتكبر. خالقه وخليله وخالق كل شيء هو الذي يُنْزِلُ كل إنسان منزلته، ويهبه ما يشاء من نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وله في ذلك حِكَمٌ نجهلها، نفهما جيداً ولا نناقشها.

أسأل -الله سبحانه وتعالى- أن أكون قد وفقت في هذا التوضيح -وفق معلوماتي وفهمي-

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام عليه حتى يرضى الله.


[1]  هذه وجهة نظري الشخصية -وفق علمي وفهمي-، قد تكون صائبة، وقد تحتاج لمزيد من التحليل والمناقشة.

[2]  وقد يكون لدي المجيب المزيد من التوضيح

[3]  راجع الأحاديث القدسية

[4]  كمثال على ذلك، راجع مقالتي همسة “للتذكير” نشرت بالموقع في 26/08/1446هـ، 16/01/2025م،

همسة “هدية ختم رمضان”

خص الله سبحانه وتعالى بعض الليالي والأيام بمزيد من الفضل والبركة، تشجيعًا للعباد على الطاعة، وتكرماً منه ليتقرب العبد له وهو في غنى عنه، يستحب إحياؤها بالعبادات وفعل الخيرات لمن يهديه الله تعالى لها، وقد نص العلماء على هذه الليالي.

لذلك، نهديكم هذا الحديث النبوي الشريف. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتطبيق أهدافة، وأن يعيننا على مواصلة أعمال الخير والطاعة التي وفقنا القيام بها خلال شهر رمضان المبارك.

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب][1].

       فقوموا الليل ولو ركعتان، وسجدة شكر لله عز وجل، وصلاة على حبيبه عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم ارفعوا أكف الضرارة للباري عز وجل، بأن يفرج الكرب وينصر المسلمين في كل مكان، ويصد كيد الكائدين، وأن يشغلهم بأنفسهم، وثقوا بأنه لن يخيب رجاء السائلين، وإن طال الانتظار.

لا تنسونا من دعواتكم. وكل عام وأنتم بخير.


[1] رواه الطبراني، وأَبِي الدَّرْدَاءِ، وأبي أمامة، وابن ماجه.

همسة “القبول”

الحمد والشكر لله سبحانه وتعالى، والصلاة والسلام على رسوله الأمين إلى يوم الديم.

نحن على يقين تام بمغفرته سبحانه وتعالى، وقبوله لصالح أعمالنا، وعتق رقابنا ورقاب أمهاتنا وآبائنا ومشايخنا وأحبابنا ومحبينا من النار في هذا الشهر الفضيل، كرمناً منه ورأفة بنا، لقوله تعالى {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا*} الأية (147) سورة النساء.

سويعات قليلة ويطوي شهر رمضان المبارك 1447هـ، شهر الرحمة والغفران صحائفنا، نختمها بقوله تعالى {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*} الآية (10) سورة يونس.

نسأله تعالى أن يعيننا على مواصلة ما قدمناه من أعمال ترضيه، وأن يُبعدنا عن كل عمل لا يرضيه، وأن يبارك لنا جميعاً في ذرياتنا وزوجاتنا، وأن يزيدنا من نعمه مع حسن شكره. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على حبيبنا خاتم الأنبياء والمرسلين.

وكل عام وأنتم في أتم الصحة والعافية والسعادة لأعياد متتالية.

همسة “الحمد”

الحمد لله الذي بلغنا شهر الرحمة والقرآن في صحة وعافية وأمن وسلام، شهر أيامه معدودة، ولياليه قصيرة، ولحظاته ثمينة، ونفخاته عظيمة، وأجره مفتوح لكرم الله تعالى.

اللهم كما بلغتنا هذه الليالي السعيدة في حضرتك، ومتعتنا بمناجاتك، فتقبل منا الصيام والقيام، وأسعدنا بالمزيد من المناجاة، وسامحنا على التقصير، واعف عنا في الخطأ، وتجاوز عنا في النسيان.

اللهم بكرمك بلغنا ليلة القدر، وتجاوز عن المقصرين منا، ولا تؤاخذنا بما يفعل المخطئون منا، وانصر أمة حبيبك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، على عدوك وعدوهم، فهم في كريب عظيم لا يكشفه سواك، تفضلاً ورحمة منك بهم يا الله. والحمد والشكر لك حتى ترضى.

همسة امتداد “صنع في مكة المكرمة”

لوحظ أن هناك التباس كبير، وخلط واسع بين معنى ومفهوم الحرفة والحرفي، والصناعة والتصنيع، على وسائل التواصل الحديثة، حيث أصبحت الكتابة والنشر سبيلاً للجميع وبدون تحديد.

الحرفة اليدوية هي الصنعة أو المهنة أو النشاط الذي يعتمد على المهارة اليدوية والإبداع الشخصي الذي يقوم به أو ينفذه شخص معين بيده باستخدام خامات البيئة المحلية، أو خامات أولية لتحويلها إلى منتجات أخرى ذات قيمة نفعية وجمالية وحسية، مستخدماً بعض الأدوات والعدد الكهربائية الصغيرة، أو اليدوية العادية أو التي يشكلها هو أو من يمتهن القدرة على فعلها لتساعده في انجاز عمله اليدوي، دون الاعتماد على الآلات المتخصصة أو الحديثة، ما يجعل كل منتجٍ منها فريدًا بطابعه الإنساني واحساسه الوجداني الخاص.

الحرف اليدوية كثيرة التنوعات ومختلفة المجالات، ومتنوعة الأذواق، ومتعددة المشاعر، وقد كانت منتشرة باحترافية عالية في منطقة الحجاز بالذات لتلبية احتياجات الحجاج وقافلات التجارة والحج منذ العصر الجاهلي[1]، وتطورت وفق متطلبات الزمان والمكان.

وتعتبر كسوة الكعبة المشرفة وسترة الحجرة الشريفة في خطها ونسجها ودقة حياكتها وألوانها وطريقة تنسيقها ومقاومة موادها لكل العوامل الطبيعية لفترة زمنية طويلة ذروة الحرف اليدوية الإسلامية ورمزها الروحي الأسمى.  

نماذج من الحرف اليدوية التي بمنطقة الحجاز[2]:

الخراز، البنا، المجلد، الحداد، الحجار، السباك، القراري، الخطاط، الكتبجي، الصباغ، الخياط، الدهان، السقا، وغيرهم، وقد لُقِّبت بعض الأسر الحجازية بالحرفة التي كانوا يتقنونها ويزاولونها.

الحرفي: هو الشخص الذي يقوم بأداء عمل خاص يحتاج لمهارة فنية ودقة حسية، ومشاعر تفاعلية تختلف بين الأشخاص، ويستخدم أدوات وعدد يدوية بسيطة تساعده في انجاز عمله.

وتعتبر أمانة العاصمة (البلدية) هي الجهة المسؤولة عن الإشراف والتنظيم الخاص بالمهن الحرفية وممتهنيها، ولكل مهنة منها شيخ مرتبط بأمانة العاصمة وفق اللوائح والأنظمة الخاصة بذلك.

كان يتعذر على أي شخص مزاولة أي مهنة من تلك المهن الحرفية دون حصوله على إذن أو ترخيص موثق من شيخ تلك المهنة.

الأسر المنتجة، لم تكن في السابق من الأشياء النادرة، أو المخفية، بل كانت شيئاً يُفتخر به، وقلما تخلو عائلة مكية -وفق علمي- من ذلك.

إذ منذ طفولتي وأنا اعاصر الكثير من تلك العائلات العريقة والمنتجة في الحجاز، وخاصة في مكة المكرمة، ليس بالضرورة للاستعانة بها على الظروف المعيشية، وإنما هي مهارة خاصة وذوق رفيع لدى الكثير من سيدات ذلك المجتمع القديم السنين، المتطور بالعقل، المستنير بالحكمة[3].

كانت بعض الأسر تساهم في الدعم الاقتصادي وتوفير نماذج من الملابس للمناسبات والأعياد، وبعضها يشتريها الحجاج اعجاباً أو تبركاً، تباع في محلات أزواجهم او أبنائهم التجارية، وكان لها تجار معروفين وخاصة في مكة المكرمة، قبل أن يُفْتَحَ باب استيراد الملابس الجاهزة على مصراعيه.

لم يكن يُذكر دور المرأة أو مساهمتها صراحة، بل كانت تعمل خلف الكواليس في صمت، وتُعَرَّفْ دائما ب (الجندي المجهول، أو كما نُقِلَ عن الشاعر حافظ إبراهيم:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها              #     أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا          #     بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ

الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُُلى            #     شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ

لذلك لم يرد في السابق لتضحياتها ولا لأعمالها ومجهوداتها الرائعة ذكر واسع -وفق معلوماتي- بين الأفكار والأعمال المستحدثة، مما سهل على المغرضين اشعال نار الفتنة بين الذكر والأنثى في العصر الحاضر. 

أخذ بعض من أبناء وأحفاد ذلك السلف من مكة المكرمة في غرفتها التجارية الصناعية عام (1432هـ، 2013م) التي لا تزال المنبع الرئيسي للعديد من الابتكارات والافتخار بالاقتباس من ابداعات أسلافهم، بإعادة طرح فكرة مشروع (صنع في مكة المكرمة) مرة أخرى، تبناها الأمير خالد الفيصل في حفل افتتاح مبنى الغرفة التجارية الجديد بحي الزايدي (التخصصي)[4].

التعاون المشترك بين غرفتي مكة المكرمة وجدة منذ عام 1357هـ[5]، خُصص هذه المرة للحرف المهنية والإنتاج الأسري ليبين مدى قوة علاقة الحرف ومساهمة المرأة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، بعد أن أخذ الإنتاج الأسري يطفو على الساحة المعاصرة بشكل يشرح الصدر ويريح النفس، ويجزم بالقدرة الفائقة، والجودة العالية، وذلك ليحظى بالمزيد من الدعم الرسمي كما حدث للصناعات الآلية الأخرى بعد أول نشئة لها في المملكة بمكة المكرمة[6]، وخاصة بعد أن غابت معظم الحرف المهنية والأسرية في مكة عن الحياة المعاصرة فترة طويلة، كاد ينقرض بعضها برحيل معظم المتقنين لها، وتفرق الكثير منهم بعيداً عن المحيط الاجتماعي والاقتصادي، على أثر إزالة المنطقة بمشاريع توسعة المسجد الحرام والساحة المحيطة به، وتَوَجُّه معظم أبنائهم نحو حياة اجتماعية جديدة تواكب مسيرة التطورات الزمانية والمكانية لأجيالهم.

هذا الدعم الجديد لمشروع “صنع في مكة المكرمة” كان شعاراً لمبادرات قديمة بدأت عام (1369هـ، 1949م) تهدف لدعم المنتجات المحلية النصف آلية والآلية الكاملة في المجال الصناعي الحقيقي- وليست الأعمال الحرفية اليدوية والمنتجات الأسرية، وفق المفهوم الحالي المطروح في تجديد الدعوة التي تحول مفهومها لإبراز إبداعات الأسر المنتجة والحرفيين في شتى المجالات اليدوية والفكرية والحسية بالمنطقة.

تطورت هذه الدعوة الجديدة المباركة (صنع في مكة المكرمة) بمفهومها الجديد لدعوة وطنية واحدة لتشمل التعاون والتنسيق مع غرفة المدينة المنورة أيضاً[7]، وأخذت في التوسع والانتشار في بقية مدن وبعض من قرى السعودية، ووجدت متسعاً كبيراً من الرعاية في معرض الجنادرية السنوي بالرياض، ثم انطلقت بسرعة هائلة لتواكب مسيرة التنمية المستدامة، ومراحل الرؤيا 2030م.

وهكذا، انبثقت فكرة “صنع في السعودية” مع تطورات برنامج الرؤيا 2030م، من الفكرة الأساسية التي ابتدعها أساساً أفراد من رجال أعمال مكة المكرمة بالتعاون مع رجال أعمال من جدة، ثم خرجت من مفهوم الصناعة النصف ألية والآلية الكاملة لمعني الحرفة، ولبست ثوب الصناعة اليدوية والمنتجات الأسرية، وانطلقت لتدخل معظم مدن وقرى المملكة بثوب وطني، وتخطيط عام ومتنوع وفق حال كل مدينة بها.

فحازت على دعم حكومي في الكثير من المناسبات المماثلة، وتشجيع متواصل في معارض، وتخصيص ندوات وغيرها، كعلامات صناعية تنطلق بهما لتثري تجربة ضيوف الرحمن، وتعزز نفاذ المنتجات الوطنية إلى مختلف أقطار العالم، انطلاقًا من مبدأ اعتزاز زوار مكة المكرمة والمدينة المنورة بمكانتهما الدينية والاقتصادية، إلى جانب رغبة هيئة تنمية الصادرات لإظهار واقع السعودية المتميز بالعديد من المنتجات الحرفية والأسرية الوطنية، ما يعكس الهوية الحرفية والبراعة الذاتية، والذوق الراقي، والاتقان المتناهي للمنتجات اليدوية والخدمات الحرفية والمهنية في مكة المكرمة والمدينة المنورة لعددٍ من المعايير العالية الواجب استيفاؤها، ولتسهم في ترجمة رؤية السعودية 2030م، ولتشمل معظم مدن المملكة.

لقد تحولت بعض “الحرف اليدوية” في المملكة لفنون عريقة في مجال اقتصادي متشعب، وثقافي عتيق وناجز ومتميز، وبرزت العديد من المتاحف المختلفة المحتوى والمتنوعة الحرف، ساهمت في إحياء بعضٍ منها جهات من القطاعين العام والخاص بمبادرات تشجيعية داعمة ومتنوعة، نافست به في المحافل الدولية، وحاز البعض من المشاركين فيها على العديد من المراكز والميداليات المختلفة في عدة مجالات منها.  

لذلك، قد يكون من الأنسب أن تخصص مثلاً، جملة “منتج بأيدٍ سعودية” لتلك المنتجات الأسرية والحرفية اليدوية على اختلاف أنواعها وتعدد تخصصاتها، وأن تكون مثلاً، عبارة “منتج بأيد مكية” أو “منتج بأيدٍ مدنية” وغيرها من المسميات -نسبة لجهة الإنتاج- لأن العنصر الأساسي المُنْتِج له بمعايير ومواصفات وجودة يدٍ مكية أو مدنية أو غيرها، ولها ردود فعل نفسية وروحانية خاصة مرتبطة بمشاعر وجدانية نحو الحرمين الشريفين، وهي تنتج وتدار وتُشْتَغَل بأيديهم، حتى وإن استخدموا بعض العمالة المستقدمة للمساعدة والتحضير الأولي، أو لرفع الطاقة الإنتاجية لتلبية الطلب.

أما الصناعة فهي عملية تحويل المادة الخام الأساسية منفردة أو مشتركة لمنتج جديد بمواصفات قياسية ومعايير محلية أو دولية لتسهيل عملية التصدير، وذلك عبر ألات وخطوط إنتاج آلية، بنظام خاص يرتبط بوزارة الصناعة أو الزراعة أو التعدين وغيرها وفق نوعية المنتج، مثل منتجات الأدوية والألبان والمياه الغازية والمواد الغذائية والبلاستيكية والمعدنية والإسمنت والتنقيب وقطع الغيار، وصناعة السيارات قريبا -بمشيئة الله تعالى- وغيرها، أو من إعادة تدوير المخلفات، أو بإنتاج مادة جديدة من عملية التدوير، حتى وأن كانت تلك المصانع تقوم بتشغيلها وإدارتها، أو إدارة بعضها في الغالب عمالة أجنبية.

لذا، قد يكون وضع جملة “صنع في السعودية” على تلك المنتجات الصناعية النصف آلية والآلية أقرب للصواب من وضعها على المنتجات اليدوية والحرفية، والمنتجات الأسرية.

نرحب بتعليقاتكم الهادفة، ومقترحاتكم البناءة على جميع المقالات والأفكار التي نطرحها، راجين أن تكون مفيدة ومحققة للمزيد من الطموحات والأحلام.


[1]  تروي لنا رحلات الرحالة السابقين بالقوافل العديد من القصص والأحداث التي مرت بهم خلال مسيرتهم إلى الحجاز سواء أكانت للحج، أم للتجارة مع الشام.

[2]  الحرف اليدوية في مكة المكرمة، ج 1، ج2. 1414هـ، د. ثروت سيد حجازي. جامعة أم القرى.

[3] راجع كتاب “ نشئت الصناعة في المملكة”.

[4] راجع التفاصيل بصحيفة مكة تحت عنوان “صنع في مكة” مشروع متعثر منذ 5 أعوام، بتاريخ 8 فبراير 2018م.

[5] راجع التفاصيل في فصل “النشاط التجاري” من الباب الثاني من كتاب “رجل المهمات الصعبة” ط 1، 1439هـ، 2018م. “نشئت الغرف التجارية بالمملكة“.

[6] راجع المجلد الثاني، ص (126-145) من كتاب “التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم” الشيخ محمد طاهر الكردي المكي، بإشراف د. عبد الملك عبد الله بن دهيش، ط 3، 1425هـ، مكتبة الأسدي، مكة المكرمة، وفصل النشاط الصناعي وجداول الصناعات في كتاب “رجل المهمات الصعبة” ط 1، 1439هـ، وكتاب “نشئت الصناعة في المملكة“.

[7]  راجع هيئة تنمية الصادرات، تحت عنوان [“صُنع في مكة” و “صُنع في المدينة” خطوة لجعل المنتج الوطني الخيار المفضل للمستهلكين] بتاريخ 15 يناير 2023م، وصحيفة الرياض تحت عنوان (تحفيز الصناعات الوطنية بـ «صُنع في مكة» و «صُنع في المدينة») بتاريخ 21 رمضان 1444هـ، 12 إبريل 2023م. 

التهنئة بشهر شروق الإسلام

إخواني وأخواتي الأعزاء                           حفظكم الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يطيب لنا أن ننتهز قرب بزوغ هلال شهر رمضان المبارك للعام 1447هـ، شهر القرآن والمحبة والغفران، لنقدم لكم أسمى آيات التهاني وأطيب التمنيات، راجعين الكريم أن يعيننا على صيامه وقيامه على أكمل وجه، وأن يبارك لنا فيه، وأن يَمُنَّ علينا بالعفو والعافية وحسن الشكر والذرية الصالحة، وأن يعيده على الجميع في أمن وأمان وصحة وعافية وسلام، وأن ينصر المسلمين في كل مكان، بحق لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخوكم/إبراهيم بن حسين جستنيه