تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبراهيم بن حسين جستنيه

المرأة وحقوقها

وصلني فيديو من أحد الإخوة الكرام على الواتس آب لأحد المدرسين في المدرسة وهو يعرض صورة للسيدة صفية زغلول التي قادت مظاهرات نسائية ضد الاحتلال البريطاني في مصر عام 1919م، وللسيدة هدى شعراوي التي قادت مظاهرات أخرى في نفس الفترة، من أجل حقوق المرأة وحقها في التعليم وغير ذلك، وهو يتحامل عليهما، وما سببه ذلك من تفاعل شديد عبر وسائل التواصل، رغم أنه قد مر على عصرهما سنوات عديدة وتغيرات عريضة في جميع مناح الحياة. كان الحوار بيننا كما في الصور المرفقة.

أما تعليقي على ذلك وفاءً بوعدي، فأتذكر أنني كتبت عن موضوع الشباب من الذكور والإناث عدة مرات، وقدمت استبيانات متنوعة ومختلفة الأعمار، وعن المرأة بشكل خاص وانجرافها نحو الهاوية تحت دعوى “حرية المرأة، وحقوق المرأة، وظلم المرأة، وغيرها من العبارات الرنانة، والدعايات الكاذبة حتى أصبحت هي نفسها من تسعى للهاوية طائعة مختارة.

طرحت مجموعة من المقترحات منذ عام 1420هـ، تحت عنوان “رفقاً بالقوارير، وقدمت بعض الدراسات والبحوث الأولية، وكتبت بعض الهمسات، ورصدت القليل من الأفكار.

تطلعت بنظرة الواقع الممزوج بخبرات الماضي والمخطط للمستقبل، وكتبت الكثير، منها تحت عنوان دراسة “جوانب من المداخلات” بتاريخ04/06/1447هـ، 25/11/2025م، وستكون بمشيئة الله تعالى في مطبوعات مختلفة تبعاً لتصنيفها، وُسِمَ كل منها بمسمى خاص، وذلك بعد اكمال الإجراءات النظامية لطباعتها ونشرها، وهي ضمن مجلدات “مجموعة التراجم التحليلية التداخلية المشتركة” وفق المنهجية الخاصة بالتسلسل الرقمي الرئيسي والفرعي والمتفرع منها. 

تعلمت من الكتاب المبين، وأسندت ببعض الآيات الكريمة، وسلكت منهج النبي الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام، ووثقت ذلك بالأفعال النبوية، والهجرات الجهادية في العصر النبوي وعصر الخلفاء الأربعة.

فالعلوم الشرعية وملحقاتها طريق لعبادة الله وحده، ونظام عام للحياة والمجتمعات البشرية، وسجل وثائقي للتاريخ يواكب العصر، وأمانة تتوارثها الأجيال عن الأجداد تباعاً.

أما العلوم العامة الأخرى على اختلاف مجالاتها وتنوع تخصصاتها، فهي مقومات تكميلية، نتعلمها لبناء مجتمع صالح، يمتد أجيالاً متعاقبة، ويتمدد في أمن وأمان، بحلقات قوية ومحكمة، وعرى موثقة ببعضها البعض، ثابتة بالإسلام، مترابطة بالمحبة والإيمان، مجاهدة دافعاً عن الحق والوطن بالنفس والمال والولد.

وأما العلوم الخاصة المتشعبة، فهي تجاربنا العملية أو التطبيقية الحياتية المختلفة، حتى وإن تكرر شكلها الخارجي، أو اختلف شخصها، نكتسبها من أعملنا، أو من أفعال السابقين، أو نستفيد بها في حياتنا على اختلاف شخصياتنا.

       طوال هذه الفترة، وعلى مدى ما يقارب الثلاثين عاماً المنصرمة، وجدت أن القلة التي تفهم ما تقرأ لا تملك من الأمر شيئاً حتى على مستواها الخاص -أحياناً- وأن الأمور تسير في وادٍ بعيد عما يكتب وما يقترح، وأن هناك أموراً تسير وفق برامج ممنهجة ومخطط لها عالمياً لتكون في منئي عن التعاليم الإسلامية لأغراض خاصة وأهداف هدامة، وأن كثيراً منا يجري نحوها منبهراً بها، متفاخراً بشكلها، سعيداً بمخرجاتها.

       الموضوع باحتضار، الدين الإسلامي دين حق وعدل ومساواة وتآخي ومحبة ومودة، والظلم حرمه الله سبحانه وتعالى على نفسه.

       لكن الظلم من طبيعة البشر، والحقد والكراهية والحسد، وحب السيطرة سنة الحياة البشرية.

       لذلك كان حساب كل أمة من الأمم السابقة مختلف عن حساب أو معاقبة الأمة الأخرى لتكذيبها رسولها، رغم انهم جميعاً يُدْعَون لعبادة الله تعالى، وإن اختلفت السبل.

       خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان -الذكر والأنثى- وجعل كل شيء في الحياة مباحاً له، إلا ما نزل فيه التحريم نصناً في الكتاب المبين.

جعل القوامة للرجل وفق ضوابط لحكمة لا يعلمها إلا من فتح الله له عنها. فصل الحقوق والواجبات، وبين المسؤوليات الأساسية لكل منهما، وترك الفرعية لتواكب كل زمان ومكان شريطة ألا تتجاوز الاطار المنهجي العام للدين الإسلامي الذي يواكب مسيرة التطورات الزمانية والمكانية حتى يوم القيامة.

لذلك، كل شيء داخل إطار المنهج الإسلامي في أي زمان ومكان، إما أمر إلهي واجب التنفيذ، أو ترغيب، أو تحبيذ، أو تحريم، أو نهي، أو ترهيب، وأي شيء أياً كان مصدره، يخالف ذلك المنهج الإسلامي فهو منبوذ.

أرى -والله أعلم- أن هذا زمن التحلي بالصبر، والعمل في هدوء وسكينة، والتركيز على الاستفادة من الخبرات، ومرافقة العقلاء، والاستعانة بحكمة العقل والمنطق، والمشاركة المجتمعية الهادفة، دون الدخول في جدل لا يبرح مكانه.

هذه وجهة نظري باختصار شديد، والفطين يستنتج، ويستوعب، ويدرك، ويطبق إن أراد، دون تكرار لما كُتب وما يُتداول أو يُقال، أو ما يُرسم.

أتمنى أن أكون قد وفيت وكفيت، وبينت واستوفيت، وأفدت واستفدت. وفوق كل ذي علم عليم.  

مقتطفات من الحياة

الحياة مدرسة كبيرة متشعبة الفروع ومختلفة الأقسام، ومتنوعة الفصول، ومتعددة السنوات، ومتتالية الأجيال، مواكبة الزمان والمكان.

           والإنسان مهما بلغ من الشجاعة والقدرة على الاستيعاب والفهم والتعلم، فلن ينال إلا القليل من علمها ومعلوماتها، ولن يعرف سوى البسيط من تجاربها.      

بفضل الله تعالى علينا، عاصرنا بعضاً من جدودنا وجداتنا ومن في طبقتهن، والوالد والوالدة وطبقتهما، والجيل الذي تلاهما -يرحمهم الله جميعا-                                                             

حضرنا مجالس العلماء والفقهاء، ورجال الأعمال في مجالات مختلفة، وجالسنا ذوي الحكمة والحنكة والخبرة، وتزودنا من أساتذتنا الأفاضل وبعضاً من أمثالهم -يرحمهم الله جميعاً- بشيء من العلم والمعرفة، تعلمنا منهم القراءة بالقلب، والفهم بالإحساس، ونقلنا عنهم، سمعنا بآذاننا، وأدركنا بقلوبنا، وفهمنا بعقولنا، وطبقنا بالشرع والعقل والمنطق والحكمة.  

    نحاول تلخيص شيء مما تعلمناه من الكتاب المبين، وفهمناه من واقع الحياة التي نعاصرها في هذه الحياة الفانية، والذكرى الحسنة الباقية، طمعاً في نيل الثواب العظيم، والذكرى للترحيم وقراءة الفاتحة، وتذكيراً لمن يقرأ هذا، أو يحرص على أن يتعلم من تجارب الآخرين.

لقد تعلمنا أن:

01- المجاملات الغير واقعية، أو التي ليست حقيقية لبعض من الأشخاص كثيراً من الأحيان ما تساهم في تقديم المتأخر، وتؤخر المتقدم.

02- الكفاءة غالباً ليست سبباً في الوصول للمستوى الحقيقي للشخص.

03- العلاقات الشخصية في معظم الحالات أسهل طريق للوصول للصف الأول والبقاء في المكان الغير مناسب للكفاءة، وأنها رأس الحربة في التواجد والانتشار، وتداول المديح. 

‏04- الصدفة، أو حسن الحظ -كما يقال- يكون له أحياناً فرصة أقوى من التخطيط السليم والمبادرة والابتكار في الوصول للمناصب والارتقاء نحو النجومية، أو الأبداع والابتكار.

‏05- العقلانية والاتزان والموضوعية مبادئ تجعلك -محلك سر بالعامية- لا تؤكل عيشاً وسط الصخب والضجيج والمجاملات الواهية.

‏06- تفوّق التلميذ على الأستاذ ليس بسبب الكفاءة والتمكين والقدرة والإمكانات، بل بسبب النفاق والمجاملات الواهية، وتبادل المنافع، وتسليك الأمور بالطرق الملتوية.

‏07- المظهر يتفوق على الجوهر في كثير من الأحيان.

08- تلعب المظاهر الخلابة دوراً كبيراً في الوصول لأماكن عليا ومناصب لا يستحقها شاغلها.

09- القدرة على عمل مسرحية تعجب صاحب المركز، يكون لها دور فاعل من الوقائع والحقائق.

‏10- الردح مذموم، لكنه هو السائد في معظم القضايا الجدلية.

11- من يلتزم الصمت، يتهم بالجبن أو الإمعاء.

12- من لا يصفق لكل ما يقال، يعتبر مخالفاً أو منبوذا.

13- من يحترم نفسه، ويبتعد، يتعرض للهجوم من السفهاء.

14- ‏من يحترم نفسه يصبح في مأمن من الغير محترمين.

15- التجارب لا تُقاس بطول مدّتها ولا بعدد سنواتها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار المؤثّر، وعلى التحديث الراقي دون أن تفقد معناها، أو تضل هدفها، أو تنحرف بوصلتها.

16- تتجنب النمام، وتبتعد عن الحسود، وتحذر الكذوب، وتهجر الخائن.

17- تصاحب الكتاب، وترافق الأمين، وخاوي المحب في الله تعالى، وتجالس العالم والفقيه، وتلازم الحكيم، وتصادق الخبير.

من العادات الحجازية القديمة

لأسلافنا -يرحمهم الله جميعا- كغيرهم من بقية البشر في أي مكان في العالم، عادات حسنة وجميلة كثيرة، يحرصوا على فعلها رغم الظروف المعيشية القاسية التي كانوا يعيشونها، والحياة الصعبة التي يمرون بها.

من تلك العادات، مناسبة دينية عظيمة، وهي الاحتفال لبزوغ هلال شهر المحرم الحرام وما يحمله من هبات إلهية عديدة لمن تحالفه النفحة الإلهية.

       كان أهل الحجاز ينتهزون فرصة غرة اليوم الأول من كل عام هجري -استبشاراً به -من باب التفاؤل والذكرى التاريخية الجميلة، وليست عبادة ولا جهل- فيحرصوا على التجمع العائلي وصلة الأرحام، وعمل نوعية معينة من الطعام والقهوة الحلوة المخصصة لهذه المناسبة[1].

يعيشون يوماً كاملاً في سعادة وهناء، وتبادل الأحاديث والضحكات الصافية. يشربوا في الصباح حليب الغنم الطازج، ويأكلوا في الظهر إيدام الملوخية الخضرة باللحم الحري الطازج، والعيش البيتي الطازج، ويعملوا بعد العصر قهوة حلوة باللوز البجلي، وما ينسوا يرسلوا منها للجيران والحبايب.

وتتردد على أفواه الحضور كلمات جميلة، مثل، الله يجعله عام خير وبركة على الجميع، ويعيده على الجميع بالصحة وتمام العافية والرضا، ويجعلها بالصحة والعافية، وينشدوا معاً كلمات عامية جميلة، وعبارات تذكير لطيفة، ذكرى لتلك اللحظات الهنية، قائلين -وفق ذاكرتي، بعد التصرف والتنسيق:

لا تِنْسَ يا سيدي ويا ستي           تشربوا حليب الصبحية

ويكــــــــون غــــــداكــــم           أرز أبيـــض وملوخيــة

والعشــــا جبنـــــه بيضــــة         وقشطـــــة ولبنيـــــة 

والحـــــــــــــــــلا بس              ساقدانة ومهلبيـــــــــة 

وتوزعــــــــوا قهوة حلوة           على الحبايب في العصرية

ولا تنســـــــــوا صيام يوم          عاشـــورا ومقاضي العاشوريـة

ودجاج البر والمشبك والحلاوة     اللدو والهريسة واللبنية

الله يجعلنا وإياكم من                 العائدين في سعادة هنية

وتتذكروا حبايبكم اللي رَحَلُوا       من المعارف والجيران والأهلية

وأدعوا الكريم يرحمهم وأكْثِرُوا    الصلاة على خير البرية

يكون دعاءكم لأهالي                كـــم وحبايبكم أغلى هدية

       وتنتهي تلك اللحظات السعيدة بالابتسامة العريضة والدعوات الخالصة، بالرجاء في -الله سبحانه وتعالى- وأمل كبير في العديد من اللقاءات المباركة القادمة -بمشيئته تعالى- واليقين في مستقبل ذاخر بالعطاء والطاعة وحسن الشكر.

يرحمهم الله جميعاً- نتذكرهم وندعو لهم، ونُرشد أبنائنا والأجيال القادمة منها لشيء من سِيَر أسلافهم، ونحرص على تعليمهم تلك العادات الحسنة والتقاليد المحبذة، والقيم الرفيعة، والأخلاق الحميدة.

       الحمد لله- لا تزال بعض من العائلات الحجازية تتمتع بفعل هذه العادة الجميلة مع بعض المتغيرات لمواكبة مسيرة الحياة المعاصرة.

ونمى لعلمي، بأن بعضاً من أفراد عوائل معاصرة من تلك العائلات المتوارثة لتلك العادة مع جودة اتقانها للقهوة الحلوة وإيدام الملوخية[2] والمهلبية والساقودانة والعاشورية، تقوم بعملها في البيت وبيعها على المحبين والراغبين في مواصلة تلك العادة القديمة، كإرث تاريخي، وذكرى حسنة، ولحظات مودة.  

أما دجاج البر والمشبك والحلاوة اللدو والهريسة واللبنية، فلم تنقطع من السوق الحجازي، مع اختلاف في الجودة بين المتخصصين في صناعتها، وتقدم بعض منها إلى جانب القهوة والتمر كضيافة أولية في المناسبات.  

أدام الله على الجميع نعمه التي لا تعد ولا تحصى.

وكل عام وأنتم في صفاء وحسن رجاء.


[1] مسماها قهوة، وهي في الحقيقة عبارة عن حليب طازج ودقيق رز وهيل وماء ورد ولوز بجلي وسكر أبيض. يسموها قهوة ستنا خديجة رضي الله عنها محبة فيها، اتقاء بسيد البشرية عليه أفضل الصلاة والسلام

[2]  البعض حولها من إيدام لشربة الملوخية تؤكل بالعيش والرز الأبيض، ويعمل معها مدي لحمة أو دجاج.

موسم خاص

سبحانه وتعالى غنيٌ عنا، رحيم بنا، كريم علينا، نعمه علينا تفوق الخيال، متواصلة على كل من يشكره وهو الكبير المتعال.

يمنحنا العديد من الفرص لنتقرب إليه، ويؤخر الحساب والعقاب، لإعطائنا فرصة التوبة وطلب الغفران.

بِضْعُ عَشْرِ ساعات ويُطِلُّ علينا هلال شهر ذي الحجة الحرام بلياليه العشرة الحسان، وثوابها المتميز الأركان، وفضلها العجيب في الإحسان.

أيامٌ وليالٍ أقسم -الله سبحانه وتعالى- بها في كتابه الكريم في سورة الفجر، ورفع شأنها فوق سائر الأيام، وتَوَّجَتها السنة النبوية المشرفة.

فعَنْ أَنَسٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مَنْ رَحِمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ] رواه الطبراني.

وفي مسند الإمام أحمد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم، قَالَ [مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ وَلاَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ].

وعن أبي جرير، أن سعيد بن جبير قال [‌لا ‌تطفئوا ‌سرجكم ليالي العشر، تعجبه العبادة] ويقول [أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة] حلية الأولياء.

فطوبى لمن عرف قدرها، وأحسن استقبالها، وعمرها بالطاعة والإنابة والعمل الصالح.

وكل عام وأنتم في أتم الصحة والعافية والسلامة من كل سوء.

فضلا لا تنسونا من الدعاء الخاص ومع المسلمين والأبوين أجمعين.

همسة “سؤال تعجب!!”

وصلني أكثر من مرة على الواتس آب، وشاهدته في بعض مجموعاته، مقطع فيديو للشيخ رمضان عبد الرزاق في أجابته على سؤال الدكتور عمرو، (الرسول صلى الله عليه وسلم، أعظم عند الله من جبريل ومن إبراهيم الخليل ومن موسى كليم الله، كيف تدلل على ذلك!!) أ. هـ.

اِسْتَمعت لما ذكره من الدلائل القاطعة على مدى محبته -جل جلاله- لمصطفاة سيد البشرية، وتفاعلت معه محبتي للحبيب صلى الله عليه وسلم، وتوافقت مع مشاعري الدفينة نحوه، عليه أفضل الصلاة والسلام.

أغلقت الفيديو بعد الانتهاء من الصلاة والسلام عليه.

تكرار وصول هذا الفيديو لي، والتأثير اللا شعوري، والتفاعل اللا إرادي، جعلني أرسله على الخاص لبعض الأحباب ليشاركوني ذلك الإحساس وتلك المشاعر الخاصة بمحبته صلى الله عليه وسلم.

فوجئت على الخاص بالتعليق التالي من أحد الأحباب قائلاً: [الحمد لله ربّ العالمين. قدر الرسول عليه الصلاة والسلام- لا يدانيه قدر، ومنزلته في قلوب المسلمين عظيمة، بل أن محبته أكثر مما يحب المسلم نفسه من الإيمان.

ولكن، ما المقصود بهذه المقارنات بينه عليه الصلاة والسلام- ببقية الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام- هل هي من باب التعبد لله تعالى- هل للحط من قدر البعض منهم -لا سمح الله- لان العوام قد يتخيلون ذلك. أم هي لإثارة النزعات الفكرية؟ أم هل نسي الرسول صلى الله عليه وسلم- أن يذكر هذا التفاضل بينه وبين بقية الأنبياء؟ لم أجد جواب مقنع. والله المستعان] (أ. هـ).

أعتبر أن هذا سؤال تعجب من أخ فاضل -وفق فهمي وإحساسي- أحاول التوضيح وفق علمي القليل، ومعلوماتي البسيطة.

في الحقيقة، لم يخطر ببالي أي احتمالية سوء، لا من السائل، ولا من السؤال ولا لهدفه، ولا من المجيب.

غالباٍ ما يسهو علينا فهم واستدراك المعاني القرآنية في كثير من الحالات، ويغفل بعضنا على استيعاب الأهداف الحقيقية، ويحتاج البعض منا لمن يستطيع أن يبسط لهم شرح كثير من الأمور المختلفة والمواضيع المتغيرة، ويبين له المعنى المقصود بالدلائل القاطعة.

والبعض الآخر، قد يكون أكثر حاجة لمن يمكنه من الوصول لأفكارهم، والدخول لعقلياتهم لتحريرها من المعلومات المتضاربة والملابسات المتراكمة، والدعايات الكاذبة، وهي سنة الحياة، قال تعالى {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ*} الأية(76) سورة يوسف،

كُلُّ رسولٍ من الرسل السابقين لسيد المرسلين، يدين بالإسلام، ولكن رسالته محدودة، بُعث لقومه فقط لإرشاده ودعوته لعبادة الله وحده سبحانه لا إله سواه، إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فقد بعثه الله سبحانه وتعالى لجميع الإنس والجن برسالة عامة وشاملة، وغير قابلة للتحريف ولا التأويل، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ*} الآية (9) سورة الحجر، وصالحة لكل زمان ومكان  لقوله تعالى { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ* فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ*} الآيات (19-20) سورة آل عمران،  ولا يقبل سواه، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ*} الآية(85) سورة آل عمران، وبلغة القرآن الكريم [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*] الآية (2) سورة يوسف، وقوله تعالى [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ] الأية (195) سورة الشعراء.

نحن أمة آخر الأنبياء وسيد المرسلين، نؤمن بجميع الرسل السابقين، نحبهم ونصلي ونسلم عليهم لقوله تعالى {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ*} الأية (285) البقرة، وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا*} الآية(136) سورة النساء، وقوله تعالى {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ*} الآية (194) سورة آل عمران.

أسماؤه عليه أفضل الصلاة والسلام بِضْعُ مئات، وفضائله عديدة، ومتنوعة، منها ما ورد في قوله تعالى {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ* وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ* وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ* فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ* بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ*} الآيات (1-6) سورة القلم.

لذا، أجد[1] أن هذا الشرح والتوضيح من فضيلة الشيخ رمضان عبد الرزاق[2]، ما هو إلا تذكير بطريقة مختلفة -وفق فهمي- بالدليل القاطع المثبت بالكتاب المبين في العديد من الآيات القرآنية مثل قوله تعالى {[فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا*] الآية (41) سورة النساء، وهذه الآية دليل واضح على أن أول خلق الله سبحانه وتعالى في علم الغيب عنده، هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكتب الشهادتين على كرسي عرشه، وإلا فكيف يكون شهيداً على كل من كان قبله من الأنبياء والرسل!! وهو آخرهم في الدنيا!! وألهم سيدنا آدم السؤال به[3]، وقوله تعالى {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ*} الآية (23) سورة الأعراف، وقوله تعالى [وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا*] الآية (55) سورة الإسراء، وتفاصيل أحداث ليلة الإسراء والمعراج، وغيرها كُثْرٌ[4]، ما هي إلا القليل من الهبات الخاصة من الكريم، يُنْعِمُ بها على من يشاء من عباده، دون حسيب، ودلالة قاطعة على اختصاصه صلى الله عليه وسلم وتميزه بفضائل وصفات من العاطي -سبحانه وتعالى- لم ولن تكن لسواه من بقية الأنبياء والمرسلين، ولا لغيرهم من المخلوقات جمعاء، وأنه ليس ذماً فيهم، ولا انقاصاً من منزلتهم -أعوذ بالله- ولا فكرة لإثارة النزاعات الفكرية ولا العقائدية ولا الطائفية.

وحاشاه صلى الله عليه وسلم، من أن يتفاضل أو يتكبر. خالقه وخليله وخالق كل شيء هو الذي يُنْزِلُ كل إنسان منزلته، ويهبه ما يشاء من نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وله في ذلك حِكَمٌ نجهلها، نفهما جيداً ولا نناقشها.

أسأل -الله سبحانه وتعالى- أن أكون قد وفقت في هذا التوضيح -وفق معلوماتي وفهمي-

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام عليه حتى يرضى الله.


[1]  هذه وجهة نظري الشخصية -وفق علمي وفهمي-، قد تكون صائبة، وقد تحتاج لمزيد من التحليل والمناقشة.

[2]  وقد يكون لدي المجيب المزيد من التوضيح

[3]  راجع الأحاديث القدسية

[4]  كمثال على ذلك، راجع مقالتي همسة “للتذكير” نشرت بالموقع في 26/08/1446هـ، 16/01/2025م،

همسة “هدية ختم رمضان”

خص الله سبحانه وتعالى بعض الليالي والأيام بمزيد من الفضل والبركة، تشجيعًا للعباد على الطاعة، وتكرماً منه ليتقرب العبد له وهو في غنى عنه، يستحب إحياؤها بالعبادات وفعل الخيرات لمن يهديه الله تعالى لها، وقد نص العلماء على هذه الليالي.

لذلك، نهديكم هذا الحديث النبوي الشريف. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتطبيق أهدافة، وأن يعيننا على مواصلة أعمال الخير والطاعة التي وفقنا القيام بها خلال شهر رمضان المبارك.

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب][1].

       فقوموا الليل ولو ركعتان، وسجدة شكر لله عز وجل، وصلاة على حبيبه عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم ارفعوا أكف الضرارة للباري عز وجل، بأن يفرج الكرب وينصر المسلمين في كل مكان، ويصد كيد الكائدين، وأن يشغلهم بأنفسهم، وثقوا بأنه لن يخيب رجاء السائلين، وإن طال الانتظار.

لا تنسونا من دعواتكم. وكل عام وأنتم بخير.


[1] رواه الطبراني، وأَبِي الدَّرْدَاءِ، وأبي أمامة، وابن ماجه.

همسة “القبول”

الحمد والشكر لله سبحانه وتعالى، والصلاة والسلام على رسوله الأمين إلى يوم الديم.

نحن على يقين تام بمغفرته سبحانه وتعالى، وقبوله لصالح أعمالنا، وعتق رقابنا ورقاب أمهاتنا وآبائنا ومشايخنا وأحبابنا ومحبينا من النار في هذا الشهر الفضيل، كرمناً منه ورأفة بنا، لقوله تعالى {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا*} الأية (147) سورة النساء.

سويعات قليلة ويطوي شهر رمضان المبارك 1447هـ، شهر الرحمة والغفران صحائفنا، نختمها بقوله تعالى {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*} الآية (10) سورة يونس.

نسأله تعالى أن يعيننا على مواصلة ما قدمناه من أعمال ترضيه، وأن يُبعدنا عن كل عمل لا يرضيه، وأن يبارك لنا جميعاً في ذرياتنا وزوجاتنا، وأن يزيدنا من نعمه مع حسن شكره. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على حبيبنا خاتم الأنبياء والمرسلين.

وكل عام وأنتم في أتم الصحة والعافية والسعادة لأعياد متتالية.

همسة “الحمد”

الحمد لله الذي بلغنا شهر الرحمة والقرآن في صحة وعافية وأمن وسلام، شهر أيامه معدودة، ولياليه قصيرة، ولحظاته ثمينة، ونفخاته عظيمة، وأجره مفتوح لكرم الله تعالى.

اللهم كما بلغتنا هذه الليالي السعيدة في حضرتك، ومتعتنا بمناجاتك، فتقبل منا الصيام والقيام، وأسعدنا بالمزيد من المناجاة، وسامحنا على التقصير، واعف عنا في الخطأ، وتجاوز عنا في النسيان.

اللهم بكرمك بلغنا ليلة القدر، وتجاوز عن المقصرين منا، ولا تؤاخذنا بما يفعل المخطئون منا، وانصر أمة حبيبك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، على عدوك وعدوهم، فهم في كريب عظيم لا يكشفه سواك، تفضلاً ورحمة منك بهم يا الله. والحمد والشكر لك حتى ترضى.

همسة امتداد “صنع في مكة المكرمة”

لوحظ أن هناك التباس كبير، وخلط واسع بين معنى ومفهوم الحرفة والحرفي، والصناعة والتصنيع، على وسائل التواصل الحديثة، حيث أصبحت الكتابة والنشر سبيلاً للجميع وبدون تحديد.

الحرفة اليدوية هي الصنعة أو المهنة أو النشاط الذي يعتمد على المهارة اليدوية والإبداع الشخصي الذي يقوم به أو ينفذه شخص معين بيده باستخدام خامات البيئة المحلية، أو خامات أولية لتحويلها إلى منتجات أخرى ذات قيمة نفعية وجمالية وحسية، مستخدماً بعض الأدوات والعدد الكهربائية الصغيرة، أو اليدوية العادية أو التي يشكلها هو أو من يمتهن القدرة على فعلها لتساعده في انجاز عمله اليدوي، دون الاعتماد على الآلات المتخصصة أو الحديثة، ما يجعل كل منتجٍ منها فريدًا بطابعه الإنساني واحساسه الوجداني الخاص.

الحرف اليدوية كثيرة التنوعات ومختلفة المجالات، ومتنوعة الأذواق، ومتعددة المشاعر، وقد كانت منتشرة باحترافية عالية في منطقة الحجاز بالذات لتلبية احتياجات الحجاج وقافلات التجارة والحج منذ العصر الجاهلي[1]، وتطورت وفق متطلبات الزمان والمكان.

وتعتبر كسوة الكعبة المشرفة وسترة الحجرة الشريفة في خطها ونسجها ودقة حياكتها وألوانها وطريقة تنسيقها ومقاومة موادها لكل العوامل الطبيعية لفترة زمنية طويلة ذروة الحرف اليدوية الإسلامية ورمزها الروحي الأسمى.  

نماذج من الحرف اليدوية التي بمنطقة الحجاز[2]:

الخراز، البنا، المجلد، الحداد، الحجار، السباك، القراري، الخطاط، الكتبجي، الصباغ، الخياط، الدهان، السقا، وغيرهم، وقد لُقِّبت بعض الأسر الحجازية بالحرفة التي كانوا يتقنونها ويزاولونها.

الحرفي: هو الشخص الذي يقوم بأداء عمل خاص يحتاج لمهارة فنية ودقة حسية، ومشاعر تفاعلية تختلف بين الأشخاص، ويستخدم أدوات وعدد يدوية بسيطة تساعده في انجاز عمله.

وتعتبر أمانة العاصمة (البلدية) هي الجهة المسؤولة عن الإشراف والتنظيم الخاص بالمهن الحرفية وممتهنيها، ولكل مهنة منها شيخ مرتبط بأمانة العاصمة وفق اللوائح والأنظمة الخاصة بذلك.

كان يتعذر على أي شخص مزاولة أي مهنة من تلك المهن الحرفية دون حصوله على إذن أو ترخيص موثق من شيخ تلك المهنة.

الأسر المنتجة، لم تكن في السابق من الأشياء النادرة، أو المخفية، بل كانت شيئاً يُفتخر به، وقلما تخلو عائلة مكية -وفق علمي- من ذلك.

إذ منذ طفولتي وأنا اعاصر الكثير من تلك العائلات العريقة والمنتجة في الحجاز، وخاصة في مكة المكرمة، ليس بالضرورة للاستعانة بها على الظروف المعيشية، وإنما هي مهارة خاصة وذوق رفيع لدى الكثير من سيدات ذلك المجتمع القديم السنين، المتطور بالعقل، المستنير بالحكمة[3].

كانت بعض الأسر تساهم في الدعم الاقتصادي وتوفير نماذج من الملابس للمناسبات والأعياد، وبعضها يشتريها الحجاج اعجاباً أو تبركاً، تباع في محلات أزواجهم او أبنائهم التجارية، وكان لها تجار معروفين وخاصة في مكة المكرمة، قبل أن يُفْتَحَ باب استيراد الملابس الجاهزة على مصراعيه.

لم يكن يُذكر دور المرأة أو مساهمتها صراحة، بل كانت تعمل خلف الكواليس في صمت، وتُعَرَّفْ دائما ب (الجندي المجهول، أو كما نُقِلَ عن الشاعر حافظ إبراهيم:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها              #     أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا          #     بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ

الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُُلى            #     شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ

لذلك لم يرد في السابق لتضحياتها ولا لأعمالها ومجهوداتها الرائعة ذكر واسع -وفق معلوماتي- بين الأفكار والأعمال المستحدثة، مما سهل على المغرضين اشعال نار الفتنة بين الذكر والأنثى في العصر الحاضر. 

أخذ بعض من أبناء وأحفاد ذلك السلف من مكة المكرمة في غرفتها التجارية الصناعية عام (1432هـ، 2013م) التي لا تزال المنبع الرئيسي للعديد من الابتكارات والافتخار بالاقتباس من ابداعات أسلافهم، بإعادة طرح فكرة مشروع (صنع في مكة المكرمة) مرة أخرى، تبناها الأمير خالد الفيصل في حفل افتتاح مبنى الغرفة التجارية الجديد بحي الزايدي (التخصصي)[4].

التعاون المشترك بين غرفتي مكة المكرمة وجدة منذ عام 1357هـ[5]، خُصص هذه المرة للحرف المهنية والإنتاج الأسري ليبين مدى قوة علاقة الحرف ومساهمة المرأة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، بعد أن أخذ الإنتاج الأسري يطفو على الساحة المعاصرة بشكل يشرح الصدر ويريح النفس، ويجزم بالقدرة الفائقة، والجودة العالية، وذلك ليحظى بالمزيد من الدعم الرسمي كما حدث للصناعات الآلية الأخرى بعد أول نشئة لها في المملكة بمكة المكرمة[6]، وخاصة بعد أن غابت معظم الحرف المهنية والأسرية في مكة عن الحياة المعاصرة فترة طويلة، كاد ينقرض بعضها برحيل معظم المتقنين لها، وتفرق الكثير منهم بعيداً عن المحيط الاجتماعي والاقتصادي، على أثر إزالة المنطقة بمشاريع توسعة المسجد الحرام والساحة المحيطة به، وتَوَجُّه معظم أبنائهم نحو حياة اجتماعية جديدة تواكب مسيرة التطورات الزمانية والمكانية لأجيالهم.

هذا الدعم الجديد لمشروع “صنع في مكة المكرمة” كان شعاراً لمبادرات قديمة بدأت عام (1369هـ، 1949م) تهدف لدعم المنتجات المحلية النصف آلية والآلية الكاملة في المجال الصناعي الحقيقي- وليست الأعمال الحرفية اليدوية والمنتجات الأسرية، وفق المفهوم الحالي المطروح في تجديد الدعوة التي تحول مفهومها لإبراز إبداعات الأسر المنتجة والحرفيين في شتى المجالات اليدوية والفكرية والحسية بالمنطقة.

تطورت هذه الدعوة الجديدة المباركة (صنع في مكة المكرمة) بمفهومها الجديد لدعوة وطنية واحدة لتشمل التعاون والتنسيق مع غرفة المدينة المنورة أيضاً[7]، وأخذت في التوسع والانتشار في بقية مدن وبعض من قرى السعودية، ووجدت متسعاً كبيراً من الرعاية في معرض الجنادرية السنوي بالرياض، ثم انطلقت بسرعة هائلة لتواكب مسيرة التنمية المستدامة، ومراحل الرؤيا 2030م.

وهكذا، انبثقت فكرة “صنع في السعودية” مع تطورات برنامج الرؤيا 2030م، من الفكرة الأساسية التي ابتدعها أساساً أفراد من رجال أعمال مكة المكرمة بالتعاون مع رجال أعمال من جدة، ثم خرجت من مفهوم الصناعة النصف ألية والآلية الكاملة لمعني الحرفة، ولبست ثوب الصناعة اليدوية والمنتجات الأسرية، وانطلقت لتدخل معظم مدن وقرى المملكة بثوب وطني، وتخطيط عام ومتنوع وفق حال كل مدينة بها.

فحازت على دعم حكومي في الكثير من المناسبات المماثلة، وتشجيع متواصل في معارض، وتخصيص ندوات وغيرها، كعلامات صناعية تنطلق بهما لتثري تجربة ضيوف الرحمن، وتعزز نفاذ المنتجات الوطنية إلى مختلف أقطار العالم، انطلاقًا من مبدأ اعتزاز زوار مكة المكرمة والمدينة المنورة بمكانتهما الدينية والاقتصادية، إلى جانب رغبة هيئة تنمية الصادرات لإظهار واقع السعودية المتميز بالعديد من المنتجات الحرفية والأسرية الوطنية، ما يعكس الهوية الحرفية والبراعة الذاتية، والذوق الراقي، والاتقان المتناهي للمنتجات اليدوية والخدمات الحرفية والمهنية في مكة المكرمة والمدينة المنورة لعددٍ من المعايير العالية الواجب استيفاؤها، ولتسهم في ترجمة رؤية السعودية 2030م، ولتشمل معظم مدن المملكة.

لقد تحولت بعض “الحرف اليدوية” في المملكة لفنون عريقة في مجال اقتصادي متشعب، وثقافي عتيق وناجز ومتميز، وبرزت العديد من المتاحف المختلفة المحتوى والمتنوعة الحرف، ساهمت في إحياء بعضٍ منها جهات من القطاعين العام والخاص بمبادرات تشجيعية داعمة ومتنوعة، نافست به في المحافل الدولية، وحاز البعض من المشاركين فيها على العديد من المراكز والميداليات المختلفة في عدة مجالات منها.  

لذلك، قد يكون من الأنسب أن تخصص مثلاً، جملة “منتج بأيدٍ سعودية” لتلك المنتجات الأسرية والحرفية اليدوية على اختلاف أنواعها وتعدد تخصصاتها، وأن تكون مثلاً، عبارة “منتج بأيد مكية” أو “منتج بأيدٍ مدنية” وغيرها من المسميات -نسبة لجهة الإنتاج- لأن العنصر الأساسي المُنْتِج له بمعايير ومواصفات وجودة يدٍ مكية أو مدنية أو غيرها، ولها ردود فعل نفسية وروحانية خاصة مرتبطة بمشاعر وجدانية نحو الحرمين الشريفين، وهي تنتج وتدار وتُشْتَغَل بأيديهم، حتى وإن استخدموا بعض العمالة المستقدمة للمساعدة والتحضير الأولي، أو لرفع الطاقة الإنتاجية لتلبية الطلب.

أما الصناعة فهي عملية تحويل المادة الخام الأساسية منفردة أو مشتركة لمنتج جديد بمواصفات قياسية ومعايير محلية أو دولية لتسهيل عملية التصدير، وذلك عبر ألات وخطوط إنتاج آلية، بنظام خاص يرتبط بوزارة الصناعة أو الزراعة أو التعدين وغيرها وفق نوعية المنتج، مثل منتجات الأدوية والألبان والمياه الغازية والمواد الغذائية والبلاستيكية والمعدنية والإسمنت والتنقيب وقطع الغيار، وصناعة السيارات قريبا -بمشيئة الله تعالى- وغيرها، أو من إعادة تدوير المخلفات، أو بإنتاج مادة جديدة من عملية التدوير، حتى وأن كانت تلك المصانع تقوم بتشغيلها وإدارتها، أو إدارة بعضها في الغالب عمالة أجنبية.

لذا، قد يكون وضع جملة “صنع في السعودية” على تلك المنتجات الصناعية النصف آلية والآلية أقرب للصواب من وضعها على المنتجات اليدوية والحرفية، والمنتجات الأسرية.

نرحب بتعليقاتكم الهادفة، ومقترحاتكم البناءة على جميع المقالات والأفكار التي نطرحها، راجين أن تكون مفيدة ومحققة للمزيد من الطموحات والأحلام.


[1]  تروي لنا رحلات الرحالة السابقين بالقوافل العديد من القصص والأحداث التي مرت بهم خلال مسيرتهم إلى الحجاز سواء أكانت للحج، أم للتجارة مع الشام.

[2]  الحرف اليدوية في مكة المكرمة، ج 1، ج2. 1414هـ، د. ثروت سيد حجازي. جامعة أم القرى.

[3] راجع كتاب “ نشئت الصناعة في المملكة”.

[4] راجع التفاصيل بصحيفة مكة تحت عنوان “صنع في مكة” مشروع متعثر منذ 5 أعوام، بتاريخ 8 فبراير 2018م.

[5] راجع التفاصيل في فصل “النشاط التجاري” من الباب الثاني من كتاب “رجل المهمات الصعبة” ط 1، 1439هـ، 2018م. “نشئت الغرف التجارية بالمملكة“.

[6] راجع المجلد الثاني، ص (126-145) من كتاب “التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم” الشيخ محمد طاهر الكردي المكي، بإشراف د. عبد الملك عبد الله بن دهيش، ط 3، 1425هـ، مكتبة الأسدي، مكة المكرمة، وفصل النشاط الصناعي وجداول الصناعات في كتاب “رجل المهمات الصعبة” ط 1، 1439هـ، وكتاب “نشئت الصناعة في المملكة“.

[7]  راجع هيئة تنمية الصادرات، تحت عنوان [“صُنع في مكة” و “صُنع في المدينة” خطوة لجعل المنتج الوطني الخيار المفضل للمستهلكين] بتاريخ 15 يناير 2023م، وصحيفة الرياض تحت عنوان (تحفيز الصناعات الوطنية بـ «صُنع في مكة» و «صُنع في المدينة») بتاريخ 21 رمضان 1444هـ، 12 إبريل 2023م.