الحمد لله الذي يُعلِّمنا ما لا نعلم ويشرح صدورنا لما يحبه ويرضاه، وينير بصائرنا بهديه لنا لكل ما يرتضيه، والصلاة والسلام على خير عالِمٍ ومُعَلِّمٍ ومُرْشِدٍ للهدي والهداية حتى يرضى الله.
وردتني بعض المداخلات على ما كتبته ونُشِرَ في موقعي الإلكتروني https://ibrahimhj.com في 08/01/1447هـ، 03/07/2025م، تحت عنوان همسة “تاسوعاء وعاشوراء” وشيئاً من فضل الصيام التطوعي.
فُرِضت الصلاة قبل الهجرة النبوية بثلاث سنين، أي بعد سبع سنوات من نزول الوحي على سيد المرسلين بغار حراء (جبل النور بمكة المكرمة).
الصوم أحد أركان الإسلام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*} (183) سورة البقرة.
فرضت الزكاة والصيام في شعبان من السنة الثانية للهجرة النبوية، أي بعد اثنتي عشر سنة من نزول الوحي على المصطفى صلى الله عليه وسلم.
صام الرسول صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات إجمالًا منذ أن فُرِضَ الصوم حتى وفاته صلى الله عليه وسلم.
عمر دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للإسلام ثلاثٌ وعشرون عاماً منذ نزول الوحي عليه حتى وفاته صلى الله عليه وسلم، عن عمر بلغ ثلاثاً وستين سنة.
ذُكر لفظ (رمضان) في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ*} الآية (185) سورة البقرة، وهو فريضة على كل مسلم ومسلمة، بلغ الحُلُم وقادر على الصيام.
في الكتاب المبين، ورد لفظ الصوم ومشتقاته أَرْبَعَ عشرة مرة، بستة معانٍ مختلفة[1] تدور كلها حول وظيفة الصوم، وهي معانٍ متكاملة تربط الصوم بالعلاقة بين الخالق سبحانه وتعالى والتاريخ والشعوب التي توالت منذ نزول سيدنا آدم عليه السلام من الجنة للأرض، وصولاً لسيدنا محمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام.
كل العبادات لله سبحانه وتعالى، وللصوم خصوصية في العبادة، لا يُشْرِكُ فيها العبد أي مخلوق، فهو سر بين الخالق وعبده.
ورد في الحديث القدسي عن الصوم، قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ”، سواءٌ أكان فرضاً، أم تطوعاً وتقربا، لا أحد يعرف كمه ولا كيفيته إلا الله سبحانه وتعالى.
لذلك، فالصيام التطوعي من العبادات العظيمة، وفعله شكرٌ لله تعالى وأجر كبير. قال تعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ*} الآية (7) سورة إبراهيم، وقال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} سورة الذاريات
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وصحبه أجمعين، [لَيْسَ فِي الصِّيَامِ رِيَاءٌ][2]
هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة يرافقه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه للمدينة المنورة بعد عشر سنوات من بداية الدعوة، وكانت أول زيارة له لها.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ [قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عاشُوراءَ، فقالَ (ما هَذا؟) قالُوا (هَذا يَوْمٌ صالِحٌ[3]، هَذا يَوْمُ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصامَهُ مُوسَى. قالَ، فَأَنا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصامَهُ وَأَمَرَ بِصِيامِهِ].
وروي عن النبي ﷺ أنه قال [خالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله ويومًا بعده[4]، وفي رواية أخرى، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده.
وصح عنه ﷺ أنه سئل عن صوم عاشوراء فقال [يكفر الله به السنة التي قبله][5].
وثبت عنه ﷺ أنه كان يصوم يوم عاشوراء، ويُرغب الناس في صيامه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال “ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فَضَّلّه على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان”.
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على صيام يوم عاشوراء -اليوم العاشر من شهر المحرم الحرام- وأن على جميع المسلمين الاقتداء به، تطوعاً وشكرًا ومزيدا من التقرب لله عز وجل.
كما يستحب أن يصوم الإنسان قبله يومًا أو بعده يومًا، امتثالاً لهديه عليه أفضل الصلاة والسلام، مخالفة لطريقة صيام وأفعال اليهود وغيرهم، وإن صام الثلاثة جميعًا التاسع والعاشر والحادي عشر فلا بأس.
الهدف الأساسي من صوم عاشوراء هو العبادة وتقديم الشكر لله سبحانه وتعالى لنجاة سيدنا موسى عليه السلام.
أما صومِ يومٍ قبله أو بعده أو هم معاً، فهو أيضاً عبادة خالصة، ومخالفة لليهود وغيرهم في تخصيص يوم عاشوراء منفرداً بالصيام، أو ببعض الأعمال أو الطقوس التي يؤدونها، والإسلام بريء منها.
وثبت عنه ﷺ أنه رغب في صيام يوم الإثنين والخميس وقال [إنهما يومان تُعرض فيهما الأعمال على الله، وأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم][6].
والنبي ﷺ أوصى أبا هريرة وأوصى أبا الدَّرداء بصيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ، ولم يقل لهما البيض، وقال لعبد الله ابن عمر [صم من الشهر ثلاثة أيام].
كما حث عبد الله بن عمرو وأبا هريرة وأبا الدرداء وغيرهم على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، سواءٌ أكانت الأيام البيض (13، 14، 15) وهي الأفضل لأنها في وسط الشهر، وسميت بذلك لأن ليلها أبيض بنور القمر، ونهارها أبيض بضوء الشمس، أم غيرها من الأيام.
تلك الأيام مصادر أخرى لكسب المزيد من الأجر والثواب خلال هذا الشهر الحرام لما فيه من ميزات خاصة، فمثلاً صيام يومي الإثنين والخميس -إن توافقت- قبل صيام هذه الأيام الثلاثة (9، 10، 11) وإلحاقها بالأيام البيض (13، 14، 15).
الدين الإسلامي خاتم الأديان، ونزل باللغة العربية الفصحى، والرسول صلى الله عليه وسلم عربي وأفصح البشر قاطبة وأبلغهم فهماً وأدركهم علماً وأعلاهم منزلة، وحاشاه أو يغفل عن صحة شرعية صوم عاشوراء.
جميع الكتب السماوية السابقة ألغاها نزول القرآن الكريم بقوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ*} (19) آل عمران، وقوله تعالى {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ*} (85) سورة آل عمران.
إضافة لما حل بتلك الكتب السماوية من تغيرات نصية وتحريف لفظي ومعنوي واختلاف في الطبعات، ومتغيرات فيها بين كنيسة وأخرى.
لذلك، لا يصح للمسلم الاستشهاد بما يخالف القرآن، ولا المقارنة بينه وبين أي دين أو مصدر آخر نسخه أو حرَّمه الدين الإسلامي.
الرسول صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء وأمر بصيامه، ولم يرد أي حديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قد تخلى أو أمر، أو وجه بالتخلي عن صيام يوم عاشور خاصة، والاكتفاء بصوم يوم قبله أو بعده أو هما معاً دون عاشوراء.
ولو كان هناك أي مانع شرعي، أو دليل على عدم صيام عاشوراء بذاته لمخالفة اليهود وغيرهم، لبين ذلك النبي صلى الله عليه، ولحرص الخلفاء الراشدين والتابعين على عدم صيامه والاكتفاء بصيام (9، 11).
لذلك سار الخلفاء الأربعة ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍ رضي الله عنهم أجمعين، ومن عاصرهم وتلاهم من الصحابة والتابعين، على صومه وصوم يوم قبله أو بعده، والبعض يصوم الأيام الثلاثة معاً مزيداً من التقرب لله سبحانه وتعالى إلى أن تقوم الساعة.
وفي جميع حالات الصيام الثلاث، فهي مُخَالِفَةً تماماً لصيام اليهود وغيرهم من المسلمين وبعض الأديان المنسوخة الذين يفعلون أموراً كثيرة مختلفة، الإسلام بريء منها، ولا يصح أن ننسبها، أو نقارنها بما ورد من أفعال الحبيب عليه الصلاة والسلام.
المقصود من يومٍ قبله أو يومٍ بعده، تعني لغة -وفق مفهومي اللغوي للغة العربية الواسعة- بعد عودتي لما بقي في الذاكرة من الدراسة الابتدائية لقواعد النحو والصرف والإعراب، أي اسبقوا صيام عاشور بيوم أو أتبعوه بيوم، أو صوموا الأيام (9، 10، 11) شكرا وتقرباً لله سبحانه وتعالى.
القراءة الواسعة والمتنوعة مع التركيز شيء جميل جداً ومحبذ على ألا ينحرف مسار القارئ لاتجاه التضارب الفكري والتشويش الذهني، والابتعاد الروحي، واخفاق البصيرة، والتحدث بلغة الحرية المطلقة، والانجراف مع عالم العولمة الزائفة، فتلتبس عليه الأمور، فيستشهد بالمنسوخ، ويقع في الخطأ، ويخرج عن الصواب.
أحياناً الفرد منا يقرأ أو يعمل أو ينظر لشيء أو على شيءٍ ما في عُجالة، أو من زاوية قريبة، فلا يستوعب المعاني الحقيقية، أو لا يستدرك الأهداف السامية المنشودة مما أمامه، وخاصة إذا سبق له أن قرأ أو سمع شيئاً مخالفاً لما بين يديه.
وهذا شيء طبيعي، لكن عندما يتروى قليلاً، ويعيد القراءة مرة أو أكثر، ويُمْعِنْ النظر بهدوء وسكينة، ويتمعن في الأهداف، ويراجع الأسس، ويستوعب المفاهيم، سيصل بكل تأكيد لنتيجة ممتازة، وقناعة صائبة تامة.
والخلاصة، أن كل من يُكرمه الله تعالى بصيام تلك الأيام أو بغيرها، أو بهم معاً خلال بقية أيام السنة، فقد فاز بالأجر والثواب، وتقديم الشكر لله تعالى، ومن لم يصم تلك الأيام، أو شيءٍ منها، أو غيرها فليس عليه إثم ولا يعاقب ولا يُعزَّرْ، ولكنه خسر الأجر والثواب وتقاعس عن تقديم منزلة عظيمة من الشكر لله تعالى.
وأخيرا، فكل من يساهم في نشر هذه المعلومات يكون له نصيب من الأجر والثواب، دون أن ينقص ذلك من أجر من سبقوه، ولا تنسونا من الدعاء.
اللهم أرنا الحق حقاً وأرزفنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وجنبنا طريقه، وتجاوز عن خطايانا برحمتك التي وسعت كل شيء.
هذا ما تعلمته من الكتاب المبين {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ*} الآية (76) سورة يوسف، وما فهمته واستوعبته من نص الحديث القدسي، ونصوص الأحاديث النبوية، فإن أصبت فالحمد لله على كل شيء، وإن أخطأت، أسأله العفو والغفران، والله أعلم بكل شيء.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنام حتى يرضى رب العباد.
[1] اختلاف معاني لفظ الصوم بستة معانٍ، سُنة عن الأمم السابقة، الوم ركن من أركان الإسلام، الصوم صمت كأحد مظاهر العبادة، الصوم فريضة على البالغين القادرين من الجنسين، ما لم يوجد عذر شرعي، الصيام لا يحول دون المعاشرة الشرعية إلا في ظروف مبينة في القرآن، الصوم تكفير عن الذنوب وتطهير للنفس من الخطايا. هذه خلاصة، ولمعرفة الآيات الكريمة وتفسيرها الرجوع لكتب التفسير، أو بعض العلماء المختصين.
[2] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان. كما ورد العديد من الأحاديث النبوية عن فضل الصيام المفروض والتطوعي يمكن الرجوع لها في “باب الصوم/ الصيام)
[3]رواه أحمد في (مسند بني هاشم) بداية مسند عبدالله بن العباس برقم 2155، ورواه البيهقي في (السنن الكبرى) باب صوم قبل يوم عاشوراء برقم 4315.
[4] رواه الهيثمي في (مجمع الزوائد) باب الصوم قبل يوم عاشوراء برقم 4315.
[5] رواه الترمذي في (الصوم) باب ما جاء في الحث على صوم يوم عاشوراء برقم 752، وأبو داود في (الصوم) باب صوم الدهر تطوعًا برقم 2425، وابن ماجه في (الصيام) باب صيام يوم عاشوراء برقم 1738
[6] عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا