إبراهيم بن حسين جستنيه

همسة استثمارية أزلية

القدرات البشرية المختلفة بكل وطن أو دولة هي الثروة الحقيقية والأساسية التي تستطيع تحقيق ذلك النمو في شتى المجالات، والتطور في مختلف التخصصات.

أما الثروات الطبيعية والإرث المادي فما هي إلا وسيلة لتحقيق الأهداف ونيل الطموحات والوصول للعالمية.

لذلك، توجهت الدولة بقوة فاعلة لتنمية المجتمع ومواكبة النمو الحضاري، فتم توسيع نشر الخدمات الأساسية التي كانت موجودة في منطقة الحجاز كالتعليم والصحة والبلديات والأمن في المدن، وتلاها نشر التعليم المجاني النظامي في المدارس والمعاهد في بقية مناطق المملكة، فالاتصالات والطرق والصناعة والزراعة، وتشجيع القطاع الخاص للنهوض والمشاركة في بناء الوطن حتى أضحى يشار له بالبنان.

توالت التطورات لتواكب منهج مسيرة التنمية المستدامة، فأخذت تهتم بمجال التنمية الاجتماعية والمجتمعية ومحاولة تحسين الرفاهية في المجتمع بعد تطبيق الأنظمة الضريبية وتغيير بعض مواد وفقرات بعض الأنظمة المدنية والأمنية والاقتصادية، وتتوسع في جميع المجالات والنشاطات الإنسانية والفكرية والتكنولوجية والاقتصادية، وفتحت أبواب الأنشطة الثقافية التي كانت مغلقة كالاحتفالات المحلية والدولية والمسارح والسينما والمناسبات الوطنية وغيرها، وتقوم بتقديم الدعم المادي والمعنوي لبعض منها.   

الأجيال السابقة أدت أدواراً جبارةً تشكر عليها، وقامت بمجهودات عظيمة رغم صعوبة الحياة التي كانوا يعيشونها، جعلها الله في ميزان حسناتها.

من أجل وأهم هذه الأدوار التي أَدَوها، هو تنشئة جيل قوي بالإيمان، فيه العالم والمتعلم وطالب العلم، فيه الباحث والمجتهد والعامل والزارع، فيه العديد من الصفات الحسنة والقدوة الصالحة، ولا يخلو من الشواذ.

لقد آن الأوان لهذا الجيل المعاصر بأن يأخذ بقيادة الدفة، وإدارة العجلة بمزيد من الحكمة حتى لا تخرج عن المنهج الإسلامي العام، ويركب قطار مسيرة التنمية المستدامة ويتجاوز العالمية، ويتغلب على كل الأفكار الهدامة، والمؤثرات السلبية التي تتسلل بلا هوادة ودون استئذان للبيوت والعقول والقلوب، وأن يتمكن أفراده من حسن اختيار الثمين ونبذ الغث الدفين، والحرص على المزيد من التعلم وحسن الفهم، وتنمية الروح الوطنية، ومواصلة نشر المزيد من عناصر المحبة والسلامة بين أفراد المجتمع.

إن أهم وأعظم مقومات هذه البلاد، هي المقومات الروحية المتمثلة في العناية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وبالشرف العظيم لخدمة ضيوف الرحمن، واللذين يعدَّان رصيداً أزلياً وكنزًا عظيمًا لا مثيل له، وله مكانة عالية في الدنيا، وتأثيرات فاعلة على جميع المستويات.

إذن، بناء الإنسان هو العنصر الأساسي في هذه الحياة، ولابد أن يكون قبل بناء المكان، فالإنسان هو الذي يمكنه بناء كل شيء -بقدرة الله تعالى-

لذلك، يهتم الإنسان النشيط بالعمل المناط به، والقليل مَن يحرص على تطوير إمكانياته وتحسين مستواه المادي والعلمي، والكثير من الناس لا يحب المجازفة ولا التعرض للمخاطر على اختلاف أنواعها ومستوياتها بالنسبة لمجال عمله ومسيرة حياته ويقبل بالواقع.

القليل من الأفراد الطموحين من يحب المغامرات والدخول في المنعطفات، والصعود لقمم الجبال بإرادة قوية وعزيمة صادقة متخطياً كل الاحتمالات مع أخذ الحذر والحيطة وتجنب الهَوْيَاتْ، بعد دراسة متأنية وتفكير عميق، يَجِد ويَجْتَهِد، يزداد علماً، ويتوسع تعليماً، ويستدرك فهماً، ويستنير معرفة، ويتطور فكريراً، ويتنور تفكيراً، مستثمراً في نفسه وفي علمه ومعلوماته وأعماله ومجتمعه، فيسهل عليه المساهمة في تطوير أسرته ومجتمعه ووطنه ومواكبة مسيرة الحياة والرفاهية المعتدلة، وهذا من أَجَلُّ وأفضلُ أنواع الاستثمار. 

فإن أردت يا أخي الكريم أن تبني أو تستثمر شيئاً قوياً يسري مفعوله، ويخلد أثره، ويجري أجره بلا انقطاع، فاستثمر في بناء ابنك وابنتك (وَرَثتك في الدنيا، ورصيدك للآخرة) بقوة العقيدة، وفهم العلم، والقناعة والرضا، وحب التعلم، والقدوة الحسنة، والقدرة على الحب والمحبة والتسامح وحسن التعامل مع الآخر، وصم الآذان عن النميمة، والبعد عن الغرور، وتجنب زارعي الفتن، ومروجي الأكاذيب.

لا تَبْنِ لهم بيوتاً دنيوية، ولا شركات وأرصدة بنكية يتنازعون عليها ويتخاصمون ويتفَرَقون بسببها بعد وفاتك.

هذا لا يعني أن تتركهم فقراء يتكففون الناس، بل ضع الأساس القوي، وكن حريصاً على الاستثمار الأمثل، تحصدهما معاً، والهداية من -الله سبحانه وتعالى.

إن من يستطع فعل ذلك الاستثمار الأمثل، يكون قد حقق الكثير للدنيا والآخرة، لأنك بذلك الرصيد الثمين الذي زَوَدْتَهُم به في حياتك، يستطيعون بناء السعادة، ونيل الطموح، وبقاء الأخوة، ونشر المحبة، والمحافظة على المودة، وحفظ الإرث أيا كان، وتطبيق ما فعلته معهم على ذرياتهم.

فاحرص يا أخي على الفوز بالاستثمار الأزلي قبل فوات الأوان، فلا تلهيك المنعطفات المزينة، ولا تتعثر في المطبات المتكررة، وتنبه قبل السقوط في فجواتها وحفرها المتنوعة.

لا تنساني من الدعاء. وفقنا الله جميعاً لما يحبه ويرضاه.               اللهم آمين

همسة “زمان”

حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، يشهد له رب العالمين في قوله تعالى {وإنك لعلا خلق عظيم} الآية (4) القلم.

علم أسلافنا أشياء لا حصر لها، توارثوها أجيالاً متتالية يعلمونها لأبنائهم منذ الطفولة حتى ينشؤوا على المبادئ القيمة والقيم الحميدة والأخلاق الفاضلة، ولا يزال الكثير منا يطبقها عن حب وقناعة، منها حسن الخلق، وحُلْوَ التعبير، وبشاشة الوجه، وابتسامة القلب، ونشر السلام في كل مكان، والتسامح وتبادل المحبة، والمشاركة الوجدانية في السراء والضراء، والتأدب في الكلام، وتقدير الكبير واحترام القرين، والعطف على الصغير واحترام الرأي الآخر، وغيرها.

توارثناها أجيالاً متتالية أبناءً وأحفادا، فأصبحت لنا سمة جميلة ومبادئ قيمة، وقيم عظيمة، ولا تخلو أي قاعدة من الشواذ.

تعلمنا بالمحبة والحنان، بالأدب والاحترام، بالتآخي والتعاون المنتشر في غالبية المجتمع الحجازي القديم في ذلك الزمان.

لم يكن العقاب للانتقام، بل كان نوعاً من البيان، والحرص على معرفة الصواب وعدم تكرار الأخطاء، ولا أخاله إلا كذلك لمعظم السكان رغم مرور الأيام، واختلاف الأجيال والزمان، ولا يخلو من الشواذ.

هذا المجتمع الذي كنت أعيش فيه، وهذه البيئة التي نشأنا فيها، وهذه بعض من التقاليد الحسنة، والعادات المستحسنة، والمفاهيم الجميلة التي كانت ديدن الغالبية من طبقات أفراد ذلك المجمع الحجازي القديم على اختلاف جنسياته ولغاته وعاداته وتقاليده التي انصهرت في بوتقة واحدة، وأبرزت حياة المحبة المشتركة.

نشأت خلال تلك الأيام الخوالي بكل ما كان فيها من ذكريات جميلة، ومجتمع متكاتف، وحياة طبيعية. تعلمت الكثير من أجدادي ووالديَّ وأحبابهم وجيرانهم وأساتذتي وغيرهم، ولا أزال أحب أن أتعلم المزيد بنفس راضية وقناعة تامة.

الحمد لله- أحرص على تعليم تلك المبادئ والقيم لأبنائي ونقلها لأحفادي، وأتمنى أن نظل نحافظ على هذا الإرث الطاهر مهما واجهتنا الصعاب، أو قاومتنا وسائل التحضر الزائفة، أو عارضنا أعوانها، وأن يعود المبتعدون عنها إليها ليستطعموا لذة الحياة الحقيقية، ويحافظوا على متعة الآخرة، فزيف الحياة زائل مهما أحيط به من أنواع الزهور، أو فُرِشت أرضه بالورود.

ما أكتبه عن ذلك المجتمع الذي عشت في جزء منه، وتعايشت مع القليل منه بقدر ما تسمح بتدوينه الظروف، أُوثِقَه بصدق وأمانة -وأجزم بأن هناك الكثير مما نسيته، أو يعرفه غيري ولم يُدَوَّنْ- ما هو إلا جزء ضئيل من حقوقهم علينا، وقليل من ما يستحقونه من شكرنا لهم على ما بذلوه لنا وما ضحوا به من أجلنا.

أما ما يمكن توثيقه ولم يوثق، فأعتبره قصور منا وتقصير من بعضنا في حق أسلافنا والتاريخ القديم، والأجيال القادمة.

حبذا لو نستدرك ما فاتنا، ونصحح أخطاءنا، ونعود لوعينا، ونكف عن النواح، نفكر بعقولنا، ونُحلل بمنهجية شريعتنا، ونجمع بين العقل والمنطق والقلب قبل إصدار أحكامنا، ونتجاهل كل الدعايات الواهية، والأكاذيب المضللة، ونقيم كل المستجدات قبل أن نكون جزءً منها.    

ليس هذا التدوين بهدف الذم أو النقمة على عصر التكنولوجيا وأجياله، رغم كثرة سلبياته، وقلة الحيلة أمام تنوع مغرياته، وصعوبة التغلب على الكثير من عقباته، وإنما هو تذكيرٌ لبعضٍ من القيم والمبادئ العامة التي نتعلمها من أسلافنا، وننشأ عليها منذ الطفولة، نمارسها في حياتنا العامة والخاصة، نتوارثها أجيالاً متتالية، ونبذل قصارى جهدنا لتستمر، ولا يمنع ذلك من إضافة كل جديد حسن ومفيد لا يخل بأي حال من بنود المنهج الشرعي العام ليواكب الزمان والمكان، ويحق الأهداف المنشودة بصدق وأمان.

كم أتمنى أن نزداد ترابطاً وتطوراً لنواكب التطورات الزمانية والمكانية بما لا يُخِلُّ بالقواعد الرئيسية.

قد يذكرنا هذا التدوين أيضاً بالدعاء لأسلافنا على ما بذلوه من جهود مضنية، وحياة صعبة عاشوها لنتنعم بما نحن فيه في هذا العصر العجيب في كل شيء.

فشاركوني الدعاء لهم حتى نكسب الأجر معاً، ونحظى بالرضا من رب العالمين.

اللهم ارحمهم أجمعين، وارحمنا أحياً وأمواتا، وارزقنا الذرية الصالحة إلى يوم القيامة، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين والآل والصحب أجمعين.    اللهم آمين.

همسة “الصلاح” 

أعمال الخير لا تحصى ولا تعد، وسًعَها الله سبحانه وتعالى لعباده ليحصد كل منهم بقدر ما يستطيع، فيكون الأكثر فوزاً بنعيم الجنان، أقلها إماطة الأذى عن الطريق. من مراتبها العالية “بر الوالدين في طاعة الله سبحانه وتعالى”

سأل رجل أحد العلماء قائلاً “هل أنا من الصالحين”!

فأجابه العالم {إن كنت تدعو لوالديك فأنت منهم، لحديثٍ لرسول الله ﷺ يقول: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له} رواه مسلم. فإن كنت تنسى والديك، فلست منهم بقدر نسيانك لهم}.

وتذكروا معي قول الله تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. (الآية 24) سورة الإسراء.

الدعاء لهما وبرهما أحياءً وأمواتا فرصة ثمينة، والسعيد من يفوز بها، خاصة في شهر رمضان المبارك والأشهر الحُرُمْ، نتذكرهم بالدعاء ونحرص على رضاهم أحياءً، ونزورهم في القبور إن كانوا من أصحابها وندعو لهم، ولا ننقطع عن ذلك بقدر الإمكان، امتثلاً لأمر الله تعالى وتلبية لتوجيهاته ﷺ [كُنْتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها] رواه مسلم.

شكراً لله سبحانه وتعالى، وتقرباً إليه، وبراً بهما في الدارين.

نسأل الله باسمه الأعظم وكرمه وفضله أن يجمعنا بهما على الحوض، وأن نكون بصحبته ﷺ لرؤية ذا الجلال والإكرام.

اللهم آمين عليه أفضل الصلاة والسلام. 

همسة “التواضع”

هذا درس عملي فريد، فبالرغم مما يحظى به والدي حسين جستنيه -يرحمه الله- من مكانة رفيعة في المجتمع ومنزلة عالية لدي الكثير من رجال الدولة، إلى جانب منصبه كمدير عام لوزارة المالية التي كانت الوزارة الوحيدة في الدولة آنذاك، ولديه صلاحية التوقيع عن وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان الوزير الأوحد في الدولة، إلا أنه كان يتمتع بنسبة عالية جداً من التواضع وكرم النفس.

كان يقوم بنفسه -يرحمه الله- بتأمين كل متطلباتنا ومتطلبات المنزل رغم وجود من يمكنه القيام بذلك من العاملين عندنا. أخذني معه ذات مرة للمنشية التي تحت عمارة المفتي تقاطع زقاق الحجر مع زقاق الصوغ بمكة المكرمة، لأتعلم كيف أقضي أو أشتري احتياجات البيت اليومية من متطلبات الطعام كاللحمة والخضار والفواكه والبقدونس والكزبرة والفلفل الأخضر الحار والليمون وبقية الأشياء.

كان عندنا عم يوسف دلول الفلسطيني يسوق السيارة. وصلنا سوق الليل عند السبعة آبار أمام الزقاق الواصل بين سوق الليل وامتداد زقاق الصوغ النافذ لشارع المدعى قبل مقراة الفاتحة ونزلنا من السيارة وأخرج عم يوسف الزنبيل الخصف[1] الذي كان يُسْتَخْدَمْ في ذلك الزمان لوضع المشتريات فيه. تناول الوالد الزنبيل من عم يوسف وسار به أمامي متجهاً للمنشية بينما عاد عم يوسف للسيارة لإيقافها في مكان جيد ويعود ليحمل الزنبيل عن والدي تأدباً منه بعد إلحاح شديد منه على الوالد.

هذا الزقاق يقع على جانبيه محلات تجارية مختلفة البضائع وجميع من بها يعرف الوالد، يطرح على كل منهم السلام وينزل بعضهم من دكانه للسلام ومصافحته والاطمئنان على صحته.

المفاجأة التي لم أكن أتوقعها أو أفهم معناها آنذاك، أن كل شخص من أصحاب هذه المحلات كان يحاول أخذ الزنبيل من الوالد وحمله نيابة عنه تقديراً لمكانته ورغبة في خدمته وتعجباً لتواضعه، لكنه يشكرهم ويعتذر منهم ولم يعطه لأحدهم رغم كل المحاولات حتى أن بعضاً منهم طلب من الوالد أن يرافقه ابنه ويحمل الزنبيل بدلاً عنه، إلا أنه لم يوافق ويتشكر منهم ويدعو لهم وهم في غاية السرور، كل منهم يتمنى أن يحظى بالموافقة على حمل الزنبيل الذي كنت أشاهد ما يحدث وأسمع ما يدور من حديث دون أن أحرك ساكناً. كنت صغير السن قليل الخبرة، معتزاً بنفسي ومتفاخراً بمكانة والدي ووضعنا العائلي، فكنت أستعلي نفسي على حمل الزنبيل والتنقل به بين المحلات التجارية لشراء الاحتياجات، لم أتعلم بعد من هؤلاء الناس.

تجولنا في المنشية والمشهد يتكرر وكل رجل منهم يصر أو يحلف طالباً من الوالد أن يسمح له أو لابنه بحمل الزنبيل نيابة عنه في حين أسير بجوار والدي ولا أحاول مثلهم أو على الأقل أكون الأولى بذلك، لكن مشهد تجمع ثلاثة أشخاص بأبنائهم الذين يكبرونني سناً وإصراهم على طلب السماح لأبنائهم على الأقل بحمل الزنبيل عن والدي ووصول عم يوسف الذي بادرهم بقولة، أنا أحق بذلك، نزع الأنفة التي كانت عندي فمددت يدى آخذ الزنبيل من يد والدي الذي تبسم وتركه قائلاً “لقد حل الموضوع إبراهيم شكراً لكم وجزاكم الله خيراً” نظر الجميع إلي في صمت وتعجب، لم أفهم معناه آنذاك ولم أدرك مقصده إلا بعد حين.

لم يحاول الوالد يرحمه الله أن يفرض علي حمل الزنبيل، أو يأمرني بحمله، ولم يسع لنهري أو تأنيبي للتقاعس عن حمله، بل جعل من تواضعه ومحبة الناس له موقفاً تاريخياً لن أنساه مدى الحياة، ومنهجاً تربوياً عظيماً لا أعتقد أنه موجود في عصر الحضارة والتكنولوجيا، وتدريبياً عملياً على التواضع والمحبة والتوقير بعيداً عن الأنفة أو التكبر والغرور.

منذ ذلك اليوم وأنا في المرحلة المتوسطة من تعليمي، بدأت مرحلة جديدة في حياتي العملية، وأخذت في تطوير أفكاري وتنمية مداركي، وتحسين طريقة تحليلي لمعاني الأحداث، وفهمي لواقع الحياة، أخذت تتطور مع كل درس جديد أتعلمه بأسلوب الترغيب والتهذيب والمشاعر الأبوية، وليس بنظام القوة والعصبية والأمر الواقع، ولا أزال أسعى لأن أكون كل يوم أفضل من اليوم السابق.

أوردت ما تذكرته من هذه الدروس والحكم والقيم في عدة مناسبات مع وبين شخصياتها، بين طيات مجلدات “مجموعة التراجم التحليلية التداخلية المشتركة” التي أقوم بمراجعة بعض أجزائها تمهيدها لفسحها للنشر، راجياً أن يستفيد منها الآخرون فأحظى بأجرين، ونتذكر معاً أسلافنا -يرحمهم الله جميعاً- فندعو لهم، وأكسب بذلك أجرين آخران.

ولنتذكر معاً شيئاً من آداب القرآن الكريم في قوله تعالى {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ*} الآية (18-19) سورة لقمان، وقوله تعالى {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} الآية (37) سورة الإسراء.


[1] الزنبيل الخصف مصنوع من شرائح زعف النخيل قبل أن يجف بطريقة الغزل التبادلي والعقدة بأحجام مختلفة على شكل شبه أسطواني مفتوح من أعلى وله يدين على شكل حرف U مغزولة أيضا في المحيط العلوي له أو من الحبل القوي ومدخلة مع نسيج غزل الزنبيل بالنسبة للحجم الكبير حتى لا ينقطع من وزن محتواه. الكبير منه يستخدمه الجزارة لوضع الأغنام بعد ذبحها وتنظيفها لنقلها من مكان لآخر.

دراسة ميدانية في أنظمة الحيادي“N” والتأريض “E”

كان نظامي الحيادي والتأريض الفاعلان يستخدمان من قبل شركة الكهرباء، بدءً من محطاتها الفرعية ولوحاتها في جميع خطوط شبكاتها ذات الضغط المتوسط والمنخفض وصولاً للمستهلك، عندما كانت خاصة، وذلك لتحقيق الغاية التي أُنْشِئَا من أجلها، وليس مجرد نص مادة نظامية عمياء لا تحق الهدف.

القطب الحيادي (N):

هو نقطة توصيل الطرف الثاني من كل طور من الأطوار الثلاثة الكهربائية بالآخر في نظام التوصيل استار (Y) ويكون فيه الفولت أقرب ما يكون للصفر في الوضع الفني. يتم توصل “N” بالأرض الطبيعية بإحدى الطرق المناسبة لكل حالة [فولت عالي، متوسط، متوسط منخفض] وحسب المحطات (محطة رئيسية، فرعية رئيسية، فرعية مشتركة، لوحة توزيع).

علاقة القطب الحيادي: يرتبط بالتيار المتردد في نظام التوصيل (Y) فقط، ولابد أن يكون على توصيل ممتاز مع الأرض الطبيعية طبقاً للمواصفات والمقاييس الدولية والمحلية التوافقية، تأريض كامل مستقل وغير مرتبط بقطب التأريض.

1-    يعتبر تأريض القطب الحيادي N من مسؤوليات الجهة المزودة للطاقة الكهربائية (شركة الكهرباء). له عدة طرق لن نبحث فيها.

2-    من المفترض أن تُجرى عليه فحصوات دورية بحسب موقعه للتأكد من جدواه، ولضمان الأمن والسلامة على الأرواح والممتلكات.

3-    من الواجب أنها تقوم بتوصيله للمستهلك ضمن كيبل التيار الرئيسي مع الأطوار الثلاثة أو فولت الكهرباء (R,S,T) طبقاً للمواصفات والمقاييس والمعايير الدولية والمحلية التوافقية، بالإضافة إلى معاملات التصحيح العملية المتلائمة مع كل منطقة.

4-    من الأجدر أن يكون توصيل الحيادي عن طريق قاطع آلي حساس مستقل، أو مشترك، لضمان فعاليته الآلية عند الحاجة.

5-    القطب الحيادي الفاعل، يوفر الكثير من وسائل الأمن والسلامة التي تضمن عدم زيادة الفولت المرتجع عن (+10%) [حوالي 25 فولت] من الفولت المستخدم، وألا يزيد (+) أو ينقص (- الفولت الأساسي المستخدم عند المستهلك عن (5%) [حوالي 13 فولت].

 
 رسم توضيحي لقطبي الحيادي “N” في شبكة التيار المتردد، وقطب التأريض “E” في شبكات الكهرباء عامة.
 

قطب التأريض/الأرضي (E):

هو توصيل كهربائي لجميع الشبكات والتمديدات الكهربائية الممتدة والمستخدمة في أي مجال أو منشأة توصيلًا مباشرًا بالأرض عبر سلك نحاسي أو ألومينيوم، أو سبيكة منهما بمقطع يتلاءم مع حجم الطاقة المستخدمة في ذلك الموقع، ودون وجود قاطع تيار أو أجهزة حماية في هذا التوصيل.  

الهدف الرئيسي من عملية التأريض:

       هو حماية الأرواح والممتلكات على اختلاف أنواعها ومسمياتها وأحجامها من المخاطر الكهربائية الناتجة عن أي سبب متوقع.

أهمية التأريض:

للأرضي أهمية كبيرة ودور مهم جدا في توصيله بكل أنواع الكهرباء الإستاتيكية والمستمرة والمترددة، وذلك لتلافي الأخطار المتعددة الناشئة عن العديد من الأخطاء المشار إليها، وخصوصاً بالنسبة للأطفال وغيرهم، وجميع الأرواح والممتلكات.

يجب عمله وفقاً للمقاييس والمعايير العالمية والمحلية والتوافقية وتوصيله بجميع شبكات الكهرباء، وجميع الأجهزة المتصلة بالكهرباء، وجميع المنشآت[IJ1] ، ويفضل أن يكون بتأريض مستقل عن تأريض الشبكات والأجهزة.

استخدام نظام التأريض: 

لم يكن التأريض مستخدماً قديماً لدي المستهلكين بشكل عام، إلا ما ندر. تطورت مسيرة الحياة بشكل واسع، وتم توصيل الكهرباء بنظام التوصيل الثنائي للمستهلكين العاديين، ولبعض الصناعات الوطنية التي تم إنشائها في تلك المرحلة باستخدام النظام الخماسي[1].

بدأت تظهر العديد من المخاطر والصدمات الكهربائية نتيجة عدم التزام المستهلكين باستخدام نظام التأريض. أخذت العملية فترة طويلة لسنوات عديدة بدءً من فترة توصيل الكهرباء لتلك المصانع إلى أن أضيفت مادة نظامية بضرورة استخدام التأريض لدى المستهلكين. تم تغيير طريقة التمديدات الداخلية في المباني والمصانع (المستهلكين) لتشمل التأريض البسيط (الشكلي أو الوهمي)

تضاعف استخدام الطاقة، وتكاثرت الأيدي العاملة في مجال الكهرباء، منهم الفني البارع، ومنهم السطحي، ومنهم المجازف، ومنهم الجاهل ويدعي الفهم والمعرفة، فكانت النتائج سلبية وخطرة جداً.

توقفت شركة الكهرباء عن استخدام التأريض في شبكة الضغط المنخفض الممتدة بين محطاتها ولوحاتها ولوحات المستهلكين، فظهر العديد من المخاطر.

أنظمة التأريض

لكل قسم من أقسام التأريض نظام عام وأخر خاص به ويخضع لعدة عوامل ومتغيرات زمانية ومكانية وطبيعية، وله معامل تصحيح أيضاً يخضع لنفس العوامل، ويمكن ربطها في نقطة نهائية واحدة على أن تُرَاعى القواعد والفحوصات الدقيقة الخاصة بذلك.

كما وردت المتطلبات الكهربائية في كود البناء السعودي في الجزء برقم (401) لتوفير الأمان والسلامة ضد الصعقات الكهربائية وحماية الممتلكات من نشوب الحرائق.

يجري تطبيق بنود مواد النظام دون تطبيق روحه لجهل مميزاته وعدم توفر الرقابة لضمان فاعليته سواء لدى الشركة، أو لدى المستهلكين، إلا ما ندر.

أنواع التأريض:

01- تأريض المحطة الرئيسية لإنتاج الطاقة.

02- تأريض خطوط الضغط العالي الهوائية.

03- تأريض شبكة الضغط المتوسط.

04- تأريض المحطات الفرعية للضغط العالي والمتوسط

05- تأريض لوحات التوزيع للضغط المنخفض

06- تأريض الشبكة الكهربائية الموصلة للمستهلك ولوحة تقديم الخدمة

07- تأريض شبكة الكهرباء أو التمديدات الداخلية والخارجية لدي جميع المستهلكين

08- تأريض جميع أنواع الأجهزة والآلات والمعدات التي تعمل بالطاقة الكهربائية

09- تأريض حديد التسليح في جميع المنشآت على اختلاف نوعية استخداماتها.

10- التأريض للوقاية من الصواعق  

مواد التأريض:

01- تختلف مواد أو متطلبات التأريض بحسب نوع الطاقة المستخدمة وحجمها أو             سعتها، ومكان استخدامها.

02- عمق البئر وحجم ونوعية المياه الموجودة به وكثافتها، ونسبة أنواع الأملاح بها.

03- الموقع أو التربة أو البيئة التي سيتم وضع مواد التأريض بها 

04- حجم وعمق الحفرة التي ستوضع فيها مواد التأريض وطريق التوصيل بين أقطابها

05- أعداد وأنواع وطريقة توصيل وتركيب مواد التأريض.

أبسط مواد التأريض هي:

تخضع هذه المواد لحجم أو سعة الطاقة المستخدمة المراد تأريضها، بالإضافة لنوع وحجم المنشأة الموجودة فيها، وأقلها أو أبسطتها هي:

  1. قضيب نحاسي قطر (16-30مم) أو حديدي مكسي بالنحاس الأحمر، طوله لا يقل عن (1م) قابل للتوصيل الجيد بواسطة صامولة نحاسية أو موصل نحاسي جيد مع مثله في حالة الحاجة لزيادة الطول. أو لوح من النحاس الأحمر لا تقل سماكته عن (4مم) ولا تقل مساحته عن (1م2)، ويزداد بزيادة سعة الطاقة المستخدمة
  2. سلك نحاسي أو ألومنيوم مكسي بالنحاس الأحمر بقطر يتناسب مع حجم الطاقة المستخدمة والمنشأة (16-95مم2) يفضل أن يكون معزول لتخفيف الآثار البيئية عليه، وبقاءه لأطول فترة ممكنة.
  3. كوسه نحاسية أو موصل نحاسي للتوصيل الجيد بين السلك والقضيب أو اللوح النحاسي بالعدد اللازم
  4. الموقع أو التربة أو الحفرة التي ستوضع بها مواد التأريض، لا يقل حجمها عن (1م3)، وتزداد بنسبة تتلاءم مع نوعية التربة، وحجم الطاقة المستخدمة، وحجم أو مساحة المنشأة المُسْتخدِمَة للطاقة.
  5. كمية مناسبة من الملح البحري[2] تكفي لتغطية مسطح الحفرة بسماكة (3سم).
  6. كمية كافة من الفحم النباتي الناعم بارتفاع حوالي (3سم)، وأفضل ذو القطع الكبيرة، تتناسب مع حجم الحفرة.
  7. العدة والأدوات اللازمة للقيام بأعمال الحفر والردم والتسوية والسلامة.

أهم شروط الأرضي أو التأريض الجيد، هي:

  1. أن تكون مقاومته أقل ما يمكن (1-5أوم) باستخدام البئر أو عدد كافٍ من الأقطاب أو القضبان الأرضية، أو هما معاً، أو زيادة مساحة اللوح النحاسي، أو تعميق الحفرة.
  2. بقاء التربة التي تحتضن مواد أو طريقة التأريض، رطبة بنسبة جيدة. بصفة مستمرة.
  3. تفعيل دور التأريض.
  4. تطبيق القاعدة التوافقية مع المواصفات القياسية

أيهما الأهم!!

       ليست عملية التأريض وحدها هي المُقَاوِمَة أو المُنْقِذَة من المخاطر والصدمات الكهربائية والحرائق، وإنما الأهم في ذلك كله هو أن تكون العملية صحيحة وفعالة بشكل دائم وفقاً للمعايير والمقاييس الدولية والمحلية والتوافقية، لأنها هي خط الدفاع الأول والرئيسي لحماية الأرواح والممتلكات من جميع الأخطار والمخاطر الكهربائية، حيث أن وجودها مع عدم فعاليتها لن يحق الغاية من وجودها، وهذا ما يجري على أرض الواقع للأسف الشديد. 

يوجد نظام إلزامي في الكود السعودي للبناء، لاستخدام التأريض كمبدئ عام أو فقرة نظامية مكتوبة، لكن ليس هذا المهم، بل الأهم من ذلك كله، هو ضرورة تطبيق روح النظام وليس فقراته لتحقيق الأهداف المنشودة من صدوره.

هذا ما تفتقر إليه جميع شكات الكهرباء تقريباً، بديل وجود الكثير من الأخطاء والمخاطر الكهربائية المحيطة بالأرواح والممتلكات، والتي أشرت إليها في دراسة ميدانية “الأرواح والممتلكات في خطر شديد” 


[1]راجع مبحث “دراسة في الكهرباء المترددة” لنفس الكاتب.

[2] لا أنصح باستخدام أي نوع من الملح لأنه يتفاعل ويضعف عملية التوصيل الجيد، ويؤدي لتآكل وتلف القضيب واللوح النحاسي، ولابد من مراعاة القاعة التوافقية.


 [IJ1]

همسة “ثقافية”

اختلفت وجهات النظر في التعريف لمعنى مفهوم الثقافة الفردية والاجتماعية والمجتمعية والجماعية، وهو شيء طبيعي في الكثير من الأمور.

       بشكل عام، هي جزء رئيسي من العمل السياسي والدبلوماسي، وخط الدفاع الداخلي الأول والأقوى، والجسر المجتمعي المترابط، والقاعدة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، والمنهج المجتمعي المتفرع لمسيرة الحياة في عمليات التشييد والبناء والتعاون، والطريق الآمن للتفاهم الجماعي للترويج والحوار بين الأفراد والشعوب والدول.

       قد تلتقي بعض معانيها في مواضع عدة لِتُقِيم قاعدة قوية في معرفة الآخر، والتعرف على قدراته ومدى استعداده وتحديد معالمه، وقد تساهم معانٍ أخرى منها في بناء العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمجتمعية المشتركة، وقد تعكس نمط الحياة والمستوى التعليمي والبيئي، وقد تشكّل استراتيجية هامة في صناعة قرارات وتوجّهات الدولة.

       تختلف الثقافات، وتتعدد المنابع والعادات، وتتغير التقاليد والقيم التي تتعامل بها الشعوب والمثقفون بينهم ومع الآخرين بحسب مصادر ثقافاتهم ومستوى فهم كل منهم لها، فلكل مجتمع ملامح ثقافية عامة وخاصة مختلفة عن الآخر.

       هذه المتغيرات الثقافة لها تأثيرات كبيرة على كل أنواع التطورات في أي بلد تتسرب إليه تلك المتغيرات بسلبياتها إيجابياتها، ما لم يكن الغالبية منهم محصن بالوعي وحسن الإدراك، والتمسك بالهوية الوطنية، وفهم الأهداف من تسلل تلك المتغيرات وتلافي السلبيات واكتساب الإيجابيات وتطويرها.

       لذا، تكون الثقافة بمعانيها المتغيرة، ومفاهيمها المتعددة من أهم مشاريع تكوين المجتمع في أي دولة، فهي تحرص على تحصين شعبها من كل أنواع المتغيرات الغير ملائمة، لا سيما وأنّ التطورات التكنولوجية المتسارعة بشكل عجيب خلال السنوات الخمسة عشر الأخيرة تقريباً، قد ساهمت بقدر كبير في انهيار معظم السدود الوقائية، وأزاحت الكثير من الحواجز الدفاعية، وفتحت الحدود الزمانية، وأخفت المواقع المكانية، وادخلت البشرية في مغامرات معرفية عميقة وغير مسبوقة في التاريخ، فتدفقت سيول المعلومات الغثة والثمينة، الصالحة والطالحة، وهنا تظهر الحكمة في حسن التمييز واخيار المفيد. 

       هذه القفزة التكنولوجية الكبيرة في هذه الفترة الزمنية القصيرة مقارنة بسابقاتها، تدفعنا بقوة شديدة وسرعة عالية لضرورة مراجعة كل استراتيجياتنا السابقة والحالية وما يربطهما بتنشئة الأجيال المعاصرة والقادمة، لدمج ومواءمة الثقافة بكل معانيها ومفاهيمها وقيمها الحسنة بالتعليم والأخلاق الحميدة وحسن القدوة من خلال برامج منهجية تعليمية وتثقيفية لمختلف الأعمار، تشرح المعنى الحقيقي لمفهوم الحرية، وترتقي بالفكر، وتنير العقل، وتُنمي الوعي، وتقوي الشخصية، وتصحح السلوك المنحرف، وتكف عن الوصاية الغير شرعية، وتحافظ على العادات الحسنة، والتقاليد المحبذة، والقيم الفاضلة، لضمان حصانة الفرد والمجتمع من الانفتاح الغير محدود، والحرية الزائفة، والأفكار الهدامة.

       الثقافة ليست شعاراً يرفرف في الهواء، ولا كلمات سطحية تطلق في العراء، ولا شهادة ورقية خاوية المضمون، ولا نمط شكلي خالي من المفهوم، ولا هيكل مغرور بنفسه، أو يتباهي بكتابه أسماء ومراجع أجنبية ويتناسي ما قدمه أسلافه لينعم بما هو فيه.

       من وجهة نظري، عند التعريف الشامل للثقافة، أنها اعتراف بالشكر -لله سبحانه وتعالى- أولاً وآخراً، على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ثم للآخرين مهما قَلَ جميلهم أو تضاءل صنيعهم، ولكل من يُعًلِم أو يساهم في التعليم والتثقيف القويم على اختلاف مجالاته وتخصصاته.

       هي تواضع أخلاقي، وقراءة عميقة بفم، ودراسات مكثفة لما تقرأ، وتحليل دقيق لما تتعلمه منها، وعلم حقيقي، ومعلومات موثقة، وفهم تطبيقي، وإدراك بالعقل، وإحساس واقعي، وتركيز شديد فيما تراه وتسمعه، ودقة فيما تستوعبه بعقلك وتدركه بقلبك، وأحاسيس ملموسة، وحسن المعاملة والتعامل مع الآخر، بمشاعر تفاعلية، وأسلوب مهذب، وعبارات رنانة، وجُمَل بليغة، وكلمات عربية فصيحة.

       قد تثمر عنها الكتابة بإحساس رقيق، ومشاعر شفافة، ومزيج من الواقع والخيال البعيد التصور القريب التخيل، والتفاعل اللا شعوري بين المشاعر والأحاسيس، والتدوين بصدق وأمانة بكلمات عربية فصيحة، وعبارات طبيعية متسلسلة فياضة بعيدة عن التصنع والتزلق والتحيز.

       وقد تشمل القدرة على توصيل الفكرة للطرف الآخر على اختلاف المستويات الثقافية والتعليمية بأسلوب يتلاءم مع كل موقف، ويعكس المستوى الثقافي المجتمعي والجماعي.

       هي حصادٌ لمرحلةٍ متطورة جداً من العلم والمعلومات المتنوعة والخبرات الجيدة في مجالات متعددة، واجادة العادات الحسنة، والتمسك بالتقاليد المحبذة، وتطبيق القيم الرفيعة المتأصلة، والمنعوت بها يوسم ب “المثقف” 

       لست بالقارئ المطلع على الكثير من الثقافات المتنوعة، ولا بالمثقف الطليع في بحور العلم والمعلومات والثقافة، ولا بذاك الكاتب الذي لا يُكسر له قلم، ولا بالرامي الذي لا يخطئ له سهم، وإنما أنا طالب علم، أو باحث مبتدئ، أو كاتب غير محترف، أُبْحِرُ بين الحين والآخر في بحور العلم والمعرفة لأصطاد ما يقدره -الله سبحانه وتعالى- لي منها، قوتاً لعقلي وقلبي، وروحي وفكري، ومشاعري وأحاسيسي، أحاول تدوين شيءٍ مما ينضج منها خلال مسيرة حياتي، فقد يكون فيه ما يفيد غيري، فأنال الأجر والثواب المضاعف، وإن لم، فسأحصل على أجر الاجتهاد، وكرم الله سبحانه وتعالى أوسع من أن يحدد.

دراسة ميدانية: الأرواح والممتلكات في خطر شديد.

هذه معلومات عامة يجب على كل فرد ذكراً كان أم أنثى، أن يعرفها ويجيد التعامل معها حفاظاً على سلامته وسلامة ممتلكاته.

هذه الدراسة، خلاصة لسنوات طويلة من البحث والتحليل والخبرة، أكثر من نصف قرن، اتركها أمانة في عنق كل من يستطيع إيصالها للمسؤولين، أو يستطيع أن يساهم في التغلب على هذه المخاطر الجسيمة. في هذا الدراسة الميدانية، سأبين لكم الأخطاء والمخاطر الكهربائية المنتشرة والسائدة في الكثير من الأعمال الكهربائية القائمة والتي تحت الإنشاء على اختلاف أماكن تواجدها، ولو لم تكن هناك مخاطر جمة على الأرواح والممتلكات، تهدد الأمان والأمن والسلامة للمواطنين والمقيمين في المملكة، والكثير يتجاهلها أو يجهلها، لما أجهدت نفسي، وأتعبت فكري، وبذلت وقتي، ولا أزال أحاول توصيلها للجهات المعنية لتقييمها والوصول لنتائج آمنة، إما بصحتها والمسارعة على تلافيها، وضمان عدم تكرارها، وإما بعدم صلاحيتها وطيها.

جانب من المخاطر الكهربائية:

لا أود الدخول في التفاصيل والقوانين والمصطلحات الهندسية والفنية حتى لا أرهق فكر القارئ، سأذكرها باختصار لمعرفة معناها وشدة خطورتها من قبل المتخصصين، ومنها:

01- عدم استخدام نظام التوصيل الخماسي في الشبكة.

02- عدم وجود التأريض المستمر في الشبكة العمومية بين المحطات الفرعية طبلونات الشركة، وبينهما وبين المستهلك

03- عدم فاعلية خط الشركة الحيادي عند المستهلك.

04- تذبذب فرق الجهد في الأطوار الثلاثة.

05- تذبذب معامل القدرة، أو انخفاضه عن (99%)

06- عدم وجود خط التأريض من قبل الشركة عند بعض من المستهلكين.

07- عدم توازن ضبط توزيع الأحمال.

08- توصيل الخط الحيادي خارج الدائرة الكهربائية.

09- استخدام نظام التوصيل دلتا (Δ) مباشرة للمستهلك، مع عدم وجود قطب التأريض.

10- ندرة استخدام القاطع الآلي الحساس طبقاً للمقاييس والمعايير التوافقية.

11- استخدام القاطع الثلاثي الأطوار.، وغالباً الغير مطابق للمعايير التوافقية.

12- الاكتفاء بتنفيذ تركيب طريقة خط التأريض دون النظر لفاعليته.

13- توصيل قطب الحيادي مع الأرضي أو التأريض في نقطة واحدة.

14- عدم وجود شبكة تأريض في الكثير من المواقع والمنشآت، أو ندرت تفعيل دوره.

15- نُدْرَت استخدام مقاطع الأسلاك والكوابل المناسبة لشدة الأحمال.

16- عدم الانتظام في استخدام ألوان موحدة لكل طور رئيسي وللفرعي.

17- التباطؤ في اصلاح أعطال الأطوار أو إهمالها وإضافة أحمالها على طور آخر.

18- سوء التوصيل وعدم استخدام الموصلات الجيدة بين نقاط التوصيل.

19- استخدام مواد رديئة لرخص ثمنها وتواجدها بكثرة في الأسواق المحلية.

20- كثير من العاملين في مجال الكهرباء غير مؤهلين، أو غير أكفاء.

لكل بند من بنود هذه المخاطر أضرار جسيمة مختلفة ومشتركة تراكمية، ومخاطر جمة تصاعدية، في المرتبة الأولى على الشبكة العمومية وأجزائها ومكوناتها وما ينتج عنها، ثم على الأرواح والممتلكات.

لست طامعاً في مادة مقابل هذه الدراسة، ولا راغباً في الحصول على حق الاستشارات، ولا أهدف لنيل التعاقد لحل هذه المعضلات، وليس لي مأرب شخصي من تكرار الكتابة في نفس الموضوع والإلحاح الشديد لاستدراك المخاطر قبل وقوعها، وإنما أنا مواطن من هذه البلد المحرمة، متطوع أقدم خلاصة دسمة وثمينة جداً، ونصيحة أخوية وطنية، ومشورة مجانية، بعد سنوات طويلة من العمل التطبيقي والخبرة الفنية، خوفاً على الأرواح والممتلكات، ووفاء لوطني وأهلي.   

هذه الدراسات العلمية والميدانية التي أنشرها على موقعي الخاص، أَوْقِفُها لوجه الله تعالى في سبيل وطني، وأجرها هدية متواضعة لوالديَ -يرحمهما الله- ولأبنائي وزوجتي، سائلاً الله العلي القدير أن يثيبني عليها، وأن يعفو عني إن أخطأت في تدوينها وتوثيقها وبثها.

أتركها أمانة في عنق الناظر الشرعي عليها[1] لتحقيق تنفيذها ومتابعته خطواتها، ومواصلة تتبعها، والمحافظة على استمراريتها لتحقيق الأهداف المنشودة منها، ووفقاً للمقاييس القياسية والمعايير العالمية والتوافقية، وليس لتطبيق القواعد النظامية الصماء، والتعليمات الورقية العمياء، يُسْئَلُ عنها يوم القيامة.

وبالله التوفيق                                                       (يتبع)


[1] الجهات المعنية بتقويم وتصحيح وتلافي المخاطر الكهربائية عن الأرواح والممتلكات

دراسة ميدانية سريعة لمخاطر الكهرباء

المستشار والمحكم الدولي/إبراهيم بن حسين بن محمد سعيد جستنيه، تخصصي العلمي هندسة كهربائية (قسم قوى) من جامعة الرياض (1392هـ، 1971م).

واصلت تعليمي العلمي والهندسي والفني والمهني، وتنمية معلوماتي المهنية، وزيادة ثقافتي العامة، وتوسيع مجالات خبرتي في العديد من التخصصات.

الحمد لله- تحصلت على العديد من الشهادات وحضرت الكثير من المؤتمرات والندوات والمعارض الدولية والخليجية والمحلية، العلمية والهندسية والثقافية وغيرها.

كنت المقاول المسؤول عن صيانة وتشغيل شبكة إنارة الشوارع والحواري والأزقة والجبال، ونفقي المعابدة، والنوافير بميادين مكة المكرمة، وأول من تشرف بإضاءة جبل الرحمة وما حوله، ومشعر مني، ثم أبراج المشاعر المقدسة، وطريق المشاة من مشعر عرفات حتى مشعر منى، وإضاءة وصيانة وتشغيل منطقة الشميسي القديم، وبعض شوارع جدة، وبعض شوارع ينبع، وصيانة وتشغيل شبكة إنارة مدينة الطائف، وطريق الشفا، ونفق قصر الملك فيصل بالطائف، ومنطقة الهدا مع محطات الضغط المتوسط، وبعض القصور، ومدينة أبها، ولعد سنوات.

عضو سابق متطوع ومنتخب في لجنه التدقيق لمراجعه إعداد المواصفات القياسية السعودية والخليجية بالرياض لعدة سنوات، والخاصة بالمواصفات القياسية لوحدات الإنارة الداخلية والخارجية، ولوحات التوزيع والأفياش والكابلات وأسلاك التمديدات الداخلية، وأعمدة الإنارة وملحقاتها، وهي إحدى لجان إعداد مواصفات ومقاييس سعودية وخليجية من قبل الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والمعايير.

أحد المقاولين الذين ساهموا بنصيب وافر في تنفيذ العديد من مشاريع البنية التحتية في عدة مدن بالمملكة، كالإنارة، وتوريد وتركيب أبراج في عرفات، والعديد من شوارع وحارات وجبال مكة المكرمة وجدة والطائف وينبع والجموم وغيرها، ونفق تصريف السيول بمكة المكرمة، والسفلتة والأرصفة وغيرها، ولسنوات عديدة زادتني خبرة وعلم ومعرفة ومعلومات قيمة، وبينت لي الكثير من الأخطاء المرتكبة والتي تحدث بشكل مستمر. أغلبها عن جهل، وبعضها عن استهتار أو عدم الشعور بالمسؤولية.

-بفضل الله تعالى- تمكنت من استخلاص معلومات قيمة، واكتساب خبرة علمية ومهنية واسعة، فوضعت منهجية خاصة ومعاملات توافقية لتصحيح الأرقام القياسية لتتناسب مع الظروف البيئية للأحياء والمناطق المختلفة.

حاولت إصلاح وتصحيح الكثير من تلك الأخطاء والمخاطر الكهربائية الشائعة بصلاحيات منتزعة، أو بتعاون ودعم بعض المسؤولين خلال تلك الفترة.

عجزت بكل الوسائل التي سلكتها عن إكمال المهمة، لكن اليأس ليس في قاموس حياتي، فعاودت المحاولات للتصحيح الحقيقي من المصادر المسؤولة حتى تكون قاعدة تطبيقية ومنهجية توافقية أساسية تحافظ على الأرواح والممتلكات بطرق علمية تطبيقية وفنية وآلية ونظامية، وتساهم في تخفيض التكاليف الإنشائية العامة مع المحافظة على الجودة العالية، لكن المفاجأة كانت مذهلة!!!

ما أدونه بين طياته، معلومات ناتجة عن خبرة طويلة، وكفاح مرير، وتجارب عملية كثيرة وخطرة، أقدمها للمواطنين ولذوي المسؤولية، وأصحاب القرار الصائب، بدلاً من تكليف جهة استشارية تتقاضى الملايين، وتقضي السنوات الطوال، وقد تصل لنتيجة مشابهة، أو قريبة، وقد لا تصل لشيء، حسب خبرة وكفاءة الجهاز المستخدم.

أطمع في أن تُؤخذ فكرة هذه الدراسة بعين الاعتبار من قبل الجهات المعنية أولاً، وثانياً، من قبل كل مستهلك للطاقة الكهربائية حفاظاً على سلامة الأرواح والممتلكات، خاصة بعد أن بذلت الكثير من الجهد والعناء، وتحملت الأعباء النفسية والمالية متطوعاً، وحضرت اللقاءات والمناقشات العلمية والهندسية والفنية مع مهندسين مختصين، في إحدى الجهات المعنية، لكنها للأسف الشديد، فاجأتني بعد كل ذلك، ب (الاعتذار لعدم الاختصاص).    

لم أعد استطع تحمل هذه الأمانة منفرداً، رغم كل المحاولات والمجهودات التي أشرت لها، ولم يبق لدي سوى محاولة التدوين والتوثيق وبثها في أجزاء عبر وسائل التواصل الحديثة، فلعلها تصل لذوي الاختصاص، وقد تحظى بالاهتمام والبحث والتحري، ومن ثم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان سلامة الأرواح والممتلكات من مخاطر الكهرباء.       

همسة “ذاك هو الإنسان”!!

في فصل الربيع، تزدهر الأشجار وتتفتح الزهور ويفوح عبقها فتنتعش النفس بعطرها، وتبتسم الروح بجمال ألوانها، وتعلو الشفاه ابتسامات عريضة لرؤيتها متفتحة.

كذلك حال الإنسان في ربيع عمره، تكثر عنده الأمنيات، وتتوالد لديه الطموحات، وتتوالى عليه المغامرات، ويتسع مجال خياله، وتكثر تخيلاته.

في شتاء عمره يخلد لشيء من الهدوء والسكينة، أو الاستجمام والراحة النفسية، وتبدأ مرحلة الطمأنينة، أو محاولة التركيز على القراءة والكتابة والتدوين إن كان من عشاقها، أو لإحدى الهوايات الأخرى التي يحبها، أو يفقد وقته أمام شاشة التليفزيون يتجول بين قنواته، أو يستسلم للزمن في حزن وألم في انتظار لحظة الرحيل، وهذا شيء مؤلم ومؤسف للغاية.

في خريف عمره تطفو عليه الذكريات وتتوالى التنهيدات، ويسرح الفكر في خيال التصورات. في بعض الحالات يستطيع الجمع بين الربيع والخريف والاستنباط من جمالهما جمالا خاصاً يواكب حالته، يتمتع به كلما طرق باب قلبه الحنين لتلك اللحظات الجميلة التي قضاها، وفاحت أزاهيرها بعبيق الشوق، وتوالت في ذاكرته لقطات من الأحداث المتنوعة، منها الجميل والممتع والمضحك، ومنها الحزين والبائس والمُبْكِي، ومنها الأليم والجارح، وغير ذلك مما يجري على الإنسان في معترك الحياة من متناقضات لا مناص منها.

هي أشياء طبيعية تجري في فصول عمر الإنسان، وتخيلات خيالية للغني والفقير، للذكر والأنثى، للكبير والصغير.

ذكريات متنوعة لا تلبث أن تراوح الفكر، أو تزور العقل، أو تظهر أمام العين الخيالية، يشاهدها أمام ناظريه، تعرض عليه نتيجةً لحدث مشابهه، أو كلمة عابرة تُذَكِرُه بها، أو شبيهة لها قالها أحدهم، تظهر من شريط سنيمائي تصوري خاص بين الحين والآخر والمرء يجلس في سكون تام، وتفاعل عجيب وكأنه يعيش إحدى تلك الأحداث.

فجأة تزول سحابة خياله، وينجلي ظلام ليليه، ويفوق من لحظات غفوته بتنهيدة عميقة، أو ذكر -سبحان الله- وقد تصاحبها ابتسامة عريضة، أو حركات لا شعورية، أو دمعة حزينة، أو أنين داخلي، حسب الموقف الذي كان سارحاً به خياله، أو استرجعه من ماضيه في تلك اللحظات.

يعود لوعيه ليجد نفسه في الحاضر بحاله، فيتحرك في مضض، ويتمتم في ضجر، وقد يكون العكس. يقوم من مكانه باحثاً عما يشغله عما كان سابحاً فيه.

تلك اللحظات التي قد تبدو له أحياناً ساعات وهي لحظات، وقد تصل لبضع دقائق، لها آثار دفينة في الأعماق، متعددة الإيجابيات، ومختلفة السلبيات، تَعَلَّقت ذِكرياتها في ذاكرته، وجال بها خياله لآفاق بعيدة، وحياة ماضية تنشر ظلالها على حاضره، وربما على مستقبله بين الحين والآخر.

ذاك هو الإنسان بشكل عام، عقل وقلب، إحساس ومشاعر، شعور واستشعار، سكينة وضجر، ألم وسعادة، ابتسامة وتقطيب حاجب.

كُنْ على يقين -بالله سبحانه وتعالى- وتأكد بأنك لن تأخذ من الحياة إلا ما كتبه -الله عز وجل- لك مهما فعلت، فاحرص على أن تكون قانعاً بقسمته، راضياً بقضائه وقدره، مصلياً على حبيبه عليه أفضل الصلاة والسلام، ودوداً متسامحاً، دائم الابتسامة في هذه الحياة، لتجد السعادة الحقيقية حتى وإن طال بك المطاف.