لأسلافنا -يرحمهم الله جميعا- كغيرهم من بقية البشر في أي مكان في العالم، عادات حسنة وجميلة كثيرة، يحرصوا على فعلها رغم الظروف المعيشية القاسية التي كانوا يعيشونها، والحياة الصعبة التي يمرون بها.
من تلك العادات، مناسبة دينية عظيمة، وهي الاحتفال لبزوغ هلال شهر المحرم الحرام وما يحمله من هبات إلهية عديدة لمن تحالفه النفحة الإلهية.
كان أهل الحجاز ينتهزون فرصة غرة اليوم الأول من كل عام هجري -استبشاراً به -من باب التفاؤل والذكرى التاريخية الجميلة، وليست عبادة ولا جهل- فيحرصوا على التجمع العائلي وصلة الأرحام، وعمل نوعية معينة من الطعام والقهوة الحلوة المخصصة لهذه المناسبة[1].
يعيشون يوماً كاملاً في سعادة وهناء، وتبادل الأحاديث والضحكات الصافية. يشربوا في الصباح حليب الغنم الطازج، ويأكلوا في الظهر إيدام الملوخية الخضرة باللحم الحري الطازج، والعيش البيتي الطازج، ويعملوا بعد العصر قهوة حلوة باللوز البجلي، وما ينسوا يرسلوا منها للجيران والحبايب.
وتتردد على أفواه الحضور كلمات جميلة، مثل، الله يجعله عام خير وبركة على الجميع، ويعيده على الجميع بالصحة وتمام العافية والرضا، ويجعلها بالصحة والعافية، وينشدوا معاً كلمات عامية جميلة، وعبارات تذكير لطيفة، ذكرى لتلك اللحظات الهنية، قائلين -وفق ذاكرتي، بعد التصرف والتنسيق:
لا تِنْسَ يا سيدي ويا ستي تشربوا حليب الصبحية
ويكــــــــون غــــــداكــــم أرز أبيـــض وملوخيــة
والعشــــا جبنـــــه بيضــــة وقشطـــــة ولبنيـــــة
والحـــــــــــــــــلا بس ساقدانة ومهلبيـــــــــة
وتوزعــــــــوا قهوة حلوة على الحبايب في العصرية
ولا تنســـــــــوا صيام يوم عاشـــورا ومقاضي العاشوريـة
ودجاج البر والمشبك والحلاوة اللدو والهريسة واللبنية
الله يجعلنا وإياكم من العائدين في سعادة هنية
وتتذكروا حبايبكم اللي رَحَلُوا من المعارف والجيران والأهلية
وأدعوا الكريم يرحمهم وأكْثِرُوا الصلاة على خير البرية
يكون دعاءكم لأهالي كـــم وحبايبكم أغلى هدية
وتنتهي تلك اللحظات السعيدة بالابتسامة العريضة والدعوات الخالصة، بالرجاء في -الله سبحانه وتعالى- وأمل كبير في العديد من اللقاءات المباركة القادمة -بمشيئته تعالى- واليقين في مستقبل ذاخر بالعطاء والطاعة وحسن الشكر.
يرحمهم الله جميعاً- نتذكرهم وندعو لهم، ونُرشد أبنائنا والأجيال القادمة منها لشيء من سِيَر أسلافهم، ونحرص على تعليمهم تلك العادات الحسنة والتقاليد المحبذة، والقيم الرفيعة، والأخلاق الحميدة.
الحمد لله- لا تزال بعض من العائلات الحجازية تتمتع بفعل هذه العادة الجميلة مع بعض المتغيرات لمواكبة مسيرة الحياة المعاصرة.
ونمى لعلمي، بأن بعضاً من أفراد عوائل معاصرة من تلك العائلات المتوارثة لتلك العادة مع جودة اتقانها للقهوة الحلوة وإيدام الملوخية[2] والمهلبية والساقودانة والعاشورية، تقوم بعملها في البيت وبيعها على المحبين والراغبين في مواصلة تلك العادة القديمة، كإرث تاريخي، وذكرى حسنة، ولحظات مودة.
أما دجاج البر والمشبك والحلاوة اللدو والهريسة واللبنية، فلم تنقطع من السوق الحجازي، مع اختلاف في الجودة بين المتخصصين في صناعتها، وتقدم بعض منها إلى جانب القهوة والتمر كضيافة أولية في المناسبات.
أدام الله على الجميع نعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وكل عام وأنتم في صفاء وحسن رجاء.
[1] مسماها قهوة، وهي في الحقيقة عبارة عن حليب طازج ودقيق رز وهيل وماء ورد ولوز بجلي وسكر أبيض. يسموها قهوة ستنا خديجة رضي الله عنها محبة فيها، اتقاء بسيد البشرية عليه أفضل الصلاة والسلام
[2] البعض حولها من إيدام لشربة الملوخية تؤكل بالعيش والرز الأبيض، ويعمل معها مدي لحمة أو دجاج.