إبراهيم بن حسين جستنيه

الطاقة في المباني

اطلعت على مقال في صحيفة مكة تحت عنوان [ترقية كفاءة الطاقة في المباني] بتاريخ 10/11/1447هـ، 27/04/2026م.

من الملاحظ أن الكثير من الكتاب يلجؤون في معظم مقارناتهم وأمثلتهم للتقارير والإحصائيات الأجنبية، دون محاولة أن تكون المقارنة والأمثلة من واقع الطبيعة الوطنية للاختلاف الكبير بينهما من عدة جوانب بيئية واجتماعية ومجتمعية، وهي معلومات أولية جداً، ومن الصعوبة التصديق بعدم معرفتهم لها، وإلا فستكون كارثة عظيمة.

وكمعلومة أخرى، لا أعتقد بأن من سافر لأي دولة من الدول الأوربية يجهلها، ألا وهي أن بناء البيوت في المدن الكبيرة التي لا تتجاوز الثلاثة أدوار، غالباً ما تكون بالخشب المعزول بمواد مخصصة من مخرجات البيئة بعد معالجتها، والقليل من الطوب المعزول وفق بيئة كل مدينة أو قرية.

أما البيوت الكثيرة الأدوار والأبراج، فتوجد في المدن الكبيرة، وتبنى بالأسمنت المسلح، أو بالمقاطع الحديدية وتكسى بالصفائح المعدنية أو الزجاجية، أو البلاستيكية المزدوجة المخصصة والمعزولة بطريقة تتلاءم مع كل حالة وموقع، مع القليل من الطوب المعزول أحياناً.

أتذكر أن بيوتنا القديمة كانت تبنى بالحجارة المستخرجة من الجبال، وأسقف من المقاطع الخشبية الطولية والعرضية، وأرضية ترابية مغطاه بخلطة النورة. وتكسى الحوائط بطين السيل المعجون بطريق فنية عجيبة لا تتأثر بالعوامل الطبيعية لسنوات طويلة، أو بمادة النورة البلدي المطفية، ورغم ذلك كانت تنعم بجوٍ معتدل صيفاً وشتاءً، دون وجود أجهزة كييف ولا تدفئة.

كان البيت القديم يضم عائلة كاملة من أب وأبناءه وأحفاده، أو إخوة بعائلاتهم، والكل تجمعهم سفرة واحدة، وتحكمهم كلمة الأكبر سناً.

تلك أجيال تمكنت من التعايش مع ظروفها، كافحت كثيراً، وعانت الأمرين، وحاولت أن تفتح لنا طرقاً عديدة لنعيش حياة أكثر سعادة، وأقل مرارة، ومع ذلك، يتنكر لها الجاحدون، ويلومها الحاقدون، ويصفوهم بالبسطاء أو الجاهلون.

صورة رقم (00) منقولة. مقر أمانة العاصمة بالغزة عام 1371هـ.

أما عصر التكنولوجيا، فيوفر معلومات في بعض من التقارير عن الكهرباء، ويبين مدى التقدم الذي حصلت عليه شركة الكهرباء في توفير كمية جيدة من الطاقة الكهربائية من المصادر النظيفة، أدمجتها مع الطاقة المنتجة من الوقود الأحفوري، وتضخهما معاً للمستهلكين، وهي خطوة ممتازة مدعومة من وزارة الطاقة. 

وبالرجوع للتقرير السنوي لشركة الكهرباء، يتبين أن التوزيع القطاعي للطاقة عام (2023م) بالمملكة نسبته المئوية في القطاع السكني (47% تيرا واط/ساعة[1])، الصناعي (60.53 تيرا واط/ساعة)، التجاري (59.13 تيرا واط/ساعة

وباستخدام الذكاء الاصطناعي، بين أن توزيع استهلاك الكهرباء حسب القطاعات خلا ل عام (2024-2025م) حافظ فيه القطاع السكني على الصدارة كأكبر مستهلك للكهرباء في المملكة، وجاء التوزيع كالتالي:

القطاع السكني (47.4%): بلغ استهلاكه حوالي (161.2 تيرا واط/ساع).

القطاع الصناعي (18.6%): بإجمالي استهلاك (63.4 تيرا واط/ساعة).

القطاع التجاري (17.3%): باستهلاك تقريبي (58.8 تيرا واط/ساعة).

القطاع الحكومي (11.0%): بلغ استهلاكه 37.5 تيرا واط/ساعة.

قطاعات أخرى (5.7%): تشمل الزراعة والمرافق العامة وأخرى.

وتصدرت منطقة الرياض استهلاك الطاقة في المملكة بنسبة (25.7%) تلتها المنطقة الشرقية بنسبة (24.5%) ثم منطقة مكة المكرمة بنسبة (22.7%)

كان من المفترض -وفق علمي المتواضع ومعلوماتي البسيطة- أن تدفعنا هذه النتائج لإجراء دراسات متنوعة، وأبحاث مختلفة ومتعمقة، لما لها من مؤثرات عديدة ومتغيرة على جودة الحياة في السعودية، وعلى منهج الرؤيا 2030م، وعلى برنامج المسيرة التنموية المستقبلية للمملكة. 

نظام البناء القديم -وفق معلوماتي- كان يتمتع بطريقة بارعة في عملية البناء لتوفير الجو المناسب للظروف المعيشية في كل مبنى، رغم قلة المعلومات الهندسية، وندرة المؤهلات التعليمية العالية في ذلك الزمان.

أما الواقع، فاليوم تتوفر الكثير من المعلومات، وتُبنى القصور والبيوت والأبراج بالخرسانة المسلحة، أو بالمقاطع الحديدية، وتحاط بأنواع مختلفة من الطوب أو المواد الصناعية، بعد تطوير مواصفاتها القياسية، أو بألواح زجاجية أو معدنية مخصصة، ورغم ذلك نحتاج للكثير من الطاقة الكهربائية.     

هنا، يلعب اختلاف الظروف البيئية والاجتماعية والمجتمعية، والمسيرة التنموية أدواراً فعالة، تحكمها منهجية جودة الحياة، والرؤيا المستقبلية، والطموحات الخيالية.

لذلك، نجد أنفسنا في أمس الحاجة لتوفير المزيد من الطاقة بأقل التكاليف وأسرع الطرق، خاصة وقد أصبحت العنصر الثاني الأساسي لبقاء الحياة البشرية.

لذلك أرى، أن وجود فريق أكاديمي، وفريق ميدان عملي، وثالث مخضرم متنوع التخصصات من المهندسين والفنيين، يتفرغ لدراسة تلك الطريقة القديمة لعملية تهوية أو تبريد المباني والقصور القديمة، يكون خطوة إيجابية جيدة نحو الوصول لفكرة، أو طريقة علمية وهندسية، قد تساهم في ابتكار مشروع جديد لتخفيف حجم الطلب على الطاقة التي يحتاجها البيت أو المنزل العصري، أو الأبراج الشاهقة بنسبة (5-15%) كخطوة أولى لأن الشقق مشتركة في المباني، وليست كالفلل والقصور الخاصة، ومواصلة تطويرها، للتغلب تدريجيا على مشكلة الزيادة من الطلب على الطاقة، أو الحَدِّ منها.

والفريق رابع تابع لهيئة التراث والآثار، لتبادل المعلومات وتوثيقها.

صورة رقم (3) أبراج الوقف أمام باب الملك عبد العزيز بأجياد

هذا المشروع يحتاج لإشراف ودعم رئيسي كبير من وزارة الطاقة، ومشاركة بقية القطاعات ذات العلاقة، وضرورة تطوير نظام المباني في البلديات، (والمواصفات القياسية للأسلاك والكيبلات الكهربائية، ونظام التوصيل الخماسي، والحماية الوقائية والسلامة)[2] حتى لا تكون عقبة رئيسية أمام نجاح المشروع

علنا نستعجل الخطى، ونسابق الزمن لإنجاح هذا المشروع، كما فعلنا في غيرها كثير، وفزنا فيها عن جدارة، قبل أن تسبقنا الأيام، فنتحسر ونندم ونقول (ليتنا فعلنا). 

أطيب تمنياتي.


[1] 1 تيرا واط ساعة (TWh1) أو تريليون واط ساعة، وهو إحدى وحدات القياس للطاقة الكهربائية، وتكتب (10)12، واحد وأمامه (12) صفر..(1,000,000,000,000)  

[2] سبق الإشارة إليه في بخث نشر في الموقع بتاريخ 09/11/1447هـ، 26/04/2026م، معطوف على بحوث ودراسات سابقة.