إبراهيم بن حسين جستنيه

همسة “في الأذن”

تعليقا على ما تكرر تداوله في بعض مواقع التواصل الاجتماعي، من قبل بعض الإخوة الكرام، عن ذكر بعض المعلومات أو المساوي أو عرض فيديو أو صور لأشخاص آخرين على اختلاف مستوياتهم العامة، سواءُ أكانوا في الدنيا، أم أنهم قد رحلوا عنها.

كنت أحذف هذه المعلومات دون أن أقراها لأن ذلك يعد هتكاً لستر الله تعالى عنهم، وتتبعا لعوراتهم.

[عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، أذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم[1]].  

[يا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخلْ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحُه في بيتِه[2]].

بعد فترة، كتبت تعليقا في أحد المواقع تذكيراً عاماً للجميع دون ذكر الاسماء والمواقع تلافيا للإحراج، أشرت فيه إلى أن:  

من أسماء -الله سبحانه وتعالى- الستار. ستره في الدنيا وهو أعلم به في الأخرة، فما جدوى نشر هذه المعلومات عنه!!

قد يكون الأجدر بنا أن نحافظ على أنفسنا من الخطأ واللغط، وأن نسال الله الستر في الدارين بدلا من أن ننقل أو نتناقل، أو أن نتحدث بمساوئ الأخرين ونشر صفحات عنهم، والتشهير بهم أياً كانت حالتهم أو جنسياتهم أو مناصبهم الدنيوية.

الله سبحانه وتعالى أعلم بهم منا، وهو الرحيم بنا وبهم. بغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، سبحانه هو الحكم العدل، وهو الرحمن الرحيم.

البعض منهم جزاه الله خيرا، توقف عن تكرار ذلك وأشكرهم على ذلك.

شخص وحيد، وبالرغم من علمه ومعلوماته وعلاقته الشخصية بي دون ذكر اسمه، اعترض على ذلك، وأرسل لي على موقعي الخاص بالواتس آب، قائلاً (المحاسبة أساس قوام الشأن العام).   

لم أرغب في فتح المجال للنقاش البيزنطي. كيف تحاسب من لقي ربه بكل ما فعله من صواب أو خطأ!

أما الموجود، فلست أنا ولا أنت الحَكَمُ أو القاضي، فلم التشهير إذن!

لم أرد عليه بشيء. واصل بعد ذلك بضع مرات، دون أن أعَلِّق بشيء، ثم توقف بعدها. الحمد لله- أنه رجع للحق، وأرجو أن يستمر على ذلك.

من منا يا ترى معصوم من الخطأ!! عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ][3]

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ][4].

لا يخلو أي عمل من الخطأ صغيراً كان أم كبيرا، وبقدر ما تكون مسؤولاً وعاملاً، تكون هناك أخطأ، والأخطاء دروس جديدة نتعلم منها كثيراً.

من يخطئ قد ينجح، وقد يفشل، وفي كلا الحالتين لن يسلم من الانتقاد. يكون له محبين ومغبطين، وكارهين وحاقدين وحاسدين، وهي أمر طبيعي.

المهم هو أن تعترف بخطئك وتتجنبه، وتستغفر الله- أو تطلب السماح عنه بحسب حاله وموقعه وفعله.

أتنمى على الجميع التمسك بذلك، وتَذَكُّر ما ورد في الكتاب الكريم والسنة والأحاديث النبوية، والذي لا ينطق عن الهوى، بعدم نقل أو تناقل، أو نشر أي معلومات شخصية مسيئة لأي شخص كان.

        أسال -الله سبحانه وتعالى- أن يعفو عنا جميعا، وأن يسامحنا على أخطائنا، وأن يكرمنا بما هو أهل له.

والحمد لله- والصلاة والسلام على رسوله الذي شهد له ربه بحسن الخلق في قوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ*} الآية (4) سورة القلم.


[1] روى أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي.

[2] الراوي، أبو برزة الأسلمي نضلة بن عبيد. المصدر: صحيح أبي داود. المرجع، موقع الدرر السنية.

[3]  أخرجه الترمذي وأحمد بن حنبل واللفظ لهما، وابن ماجه باختلاف يسير..

[4] صحيح مسلم. الدرر السنية.

همسة “اللقاء”

كانت الحياة بسيطة وسهلة، والمحبة منتشرة، والحنان متبادل، والعطف منتشر. كان اللقاء سهل وميسر، والابتسامة تكاد لا تفارق الوجيه رغم صعوة الحياة وقسوة المعيشة.  

كنا متجاورين، أو منازلنا متلاصقة، وقلوبنا متوافقة. أزقتنا متلاقية، وخطواتنا متتابعة. نتشوق للقاء بعضنا البعض، ونسعد بالقرب، ونتسابق بالمحبة.

كنا سعداء ومبسوطين جداً، نلتقي بشوق وكأننا لم نر بعضنا منذ فترة طويلة. نتبادل السلام والتحية، ونتجاذب أطراف الأحاديث المختلفة. نواسي بعضنا البعض، ونتعاون لتخفيف آلام بعضنا البعض. نتشارك في السراء والضراء.

نُعَلِّمُ بعضنا البعض كل مفيد. الكبير أب، قريباً كان أم بعيد. الكبير يرحم الصغير، والقوي يعطف على الضعيف. الغني يواسي الفقير، والشبعان يطعم الجيعان.

كنا نجلس من الجد حتى الحفيد حول مائدة واحدة والابتسامة لا تفارق محيانا. أصبحنا فراداً كل منا في طريق.

تباعدت بيوتنا، وابتعدت قلوبنا، وتناقصت محبتنا. تكاثرت مشاغلنا، وتوسعت مشاكلنا، وامتلأت حياتنا بالهموم والمنغصات. انتشرت البغضاء والضغينة، وكثر الحسد والنمية. اختلفت أساليب التربية، ووسمت القيم والعادات والتقاليد الحسنة بالرجعية، فازدادت صعوبة الحياة.

اختلفت الثقافات الفكرية، وتبددت الثقافات التفكيرية. تغيرت أساليب التعامل، وتبدلت طرق المعاملة. اختلطت المفاهيم، وتشتتت الأفكار، وتضاربت الفتوى. تحول الرأي الآخر لعداء شرس، وأصبح الصواب خطاً، والخطأ صواباً. خَفَّ التواصل تدريجياً، وتباعدت الأجساد رويداً رويدا، والتحقت بها القلوب، فتفرق الجمع.

تطورت مسيرة الحياة بطريقة عجيبة، خففت القليل من متاعب الدنيا، وأثقلت كاهلنا بالعديد من الهموم المختلفة والمسؤوليات المتشعبة، والأفكار المشوشة.

خرجت عن المألوف الكثير من الأمور، أضاعت الحياء، ونبذت التقاليد الحسنة، وذمت العادات الأصيلة، وتهكمت بالقيم الرفيعة.

الكثير منا سار مع الركب، وبعضنا تَحَفَّظْ، والقليل منا اتخذ جانب الأمان بالانعزال أو التقوقع تلافياً لشدة التيار الجارف وقوة المعيار.

ما عُدنا نلتقي إلا ما ندر، وإن حاولنا، نكون بأجسادنا فقط وعن مضض. لقاء بارد، وابتسامة صفراء باهتة، تُشعرك بمدى اليأس، وشدة العذاب.

لا قلب ولا إحساس ولا مشاعر. لا لطف ولا تعاطف ولا ترابط. الكل منغمس في شاشة جواله، أو مستمعاً لكلامه، أو مرسلاً بكلماته.

الضئيل من المحبة التي لا تعدوا أن تكون مجاملة، إلا ما ندر، ما لم تكن خلفها مصلحة نوعية.

نحرص على سرعة انتهاء هذا الكابوس، بعد ما كان اللقاء عنصر الحياة الاجتماعية والمجتمعية القديمة ذات البساطة السهلة الممتنعة. 

       لِمَ حولنا حياتنا من حال البساطة والسعادة لحالات الوحدة والأنانية! والتعقيد والشقاء! والعناء التراكمي!!

       مهما يفعل الإنسان في هذه الحياة، ومهما يجني من متع الدنيا، ومهما يخزن من أموال في البنوك فلن يحصل على كل ما يريده مهما طال به الزمان.

لن يأخذ إلا ما قَسَمَهُ له -سبحانه وتعالى- خلال ساعات حياته الدنيوية. سيترك كل شيء تَحَصَّل عليه للورثة ويغادر هذه الحياة الفانية بقطعة قماش بيضاء.

       أيام قليلة بعد رحيله، ويُنسى ذكره. لن يبقى له في الحياة إلا فعل الخير، والعلم النافع، والأثر الطيب، والولد الصالح، والذكرى الحسنة.

       ترى!! هل سنعتبر!!! نسأل الله ذلك.

همسة عن “العولمة والحرية الزائفة”

اطلقت الدول التي تدعي الحضارة والتقدم، وتنتهج مسلك الحرية المطلقة، والإباحية المتناهية، أطلقت عبارات “الحرية والمساواة” وأردفتها ب “العدالة”

       زعمت أن الدول التي تسميها “النامية” دول غير متحضرة وظالمة للمرأة خاصة وللمجتمع عامة، ولا يوجد فيها مبادي عادلة ولا حرية ولا مساواة.

       استطاعت هذه الدول استخدام نفوذها وسلطاتها لفرض السيطرة وسن القوانين التي تهدف لتفكيك مجتمعات تلك الدول، وتفريق أفراد أسرها المترابطة، ونبذ القيم الرفيعة، والتهاون في التقاليد العتيقة، والبعد عن العادات الحسنة.

ظلت تضغط بكل الوسائل بقيادتها لتغير مسارهم نحو تطبيق المبادئ التي تدعي أنها “الحضارة والتقدم والعدالة والمساواة والحرية“.    

شعارات طالما ترددت على أبواق عملائها، وفي الصحف والمجلات والإذاعات والتليفزيون وميادين وساحات الدول. حقيقة الأمر، تلك العبارة بريئة منها.  

بدأت بمشروع العولمة الاقتصادية “منظمة التجارة العالمية” وقد كُنْتُ أحد رجال الأعمال الألف في أكبر تجمع لمؤتمر رجال الأعمال السعوديين. عُقِد في الرياض عام 1415هـ -بحسب ذاكرتي- تمهيداً لانضمام المملكة[1] ل “منظمة التجارة العالمية“.

كُنْتُ ولا أزال من غير المقتنعين بمبادئها. كتبت همسة عن “منظمة التجارة العالمية” في 28/02/1440هـ، 06/11/2018م. لم تنشر في الصحف.  

أثبتت العقود المنصرمة أنها في منتهى الظلم، والبعد عن العدالة والمساواة التي تدعيها، حتى بين أفراد مجتمعها، وبين الدول الداعية لها، وبين بعضها البعض.

انكشفت حقيقتها، دعوات ظاهرها حرية وعدل ومساواة، وباطنها عبودية وإذلال، غدر وخيانة، هدم وضلال وتضليل.

 الله جل جلاله- لم يخلق شيئاً عبثاً، بَيَّنَ الفرق بين الحياتين، وفصل منهج طريق كل منهما. أسبغ العطاء للمهتدين، ووعد بالجزاء للمذنبين. وعد بالعفو والرحمة ومضاعفة الثواب لمن يريده ممن يناديه ويستغفره، فكن مِنْ مَنْ لا يَكِلِّ من طَرْقِ بابه.

نظم الحياة الدنيوية. وضع لكل شيء قوانين تنظيمية، ومواد نظامية رئيسية، وحدود بدائية ونهائية، وترك اللوائح التفصيلية للبشرية لتتلاءم مع كل عصر بزمانه ورجاله، وهذا أحد أسرار صلاحية هذا الدين في جميع الجوانب إلى يوم البعث.

الحرية هي حق الإنسان في اختيار ما يريد وفقاً لاقتناعه واعتقاده ضمن الضوابط العامة لمفهومها الحقيقي. هي مسؤوليته التامة عما يقول ويفعل دون أن يُلْحِقَ أي ضرر بغيره. بمعنى، كما يحب أن يكون له، يكون عليه، أو تنتهى حريته عندما تبدأ حرية الآخرين. هي ليست مطلقة دون قيود حتى لا يتأذى الآخرون من تصرفاته، لها بداية ونهاية، فلكل شيء في هذه الدنيا الفانية بداية ونهاية.

العدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه، قَلَّ أو كَثُرْ، وفقاً لما يستحقه، وليس تبعاً لمنزلته أو للمصالح الشخصية والأغراض الذاتية.

المساواة هي التوزيع في كل شيء بالتساوي للجميع دون عدل ولا إنصاف لمن يعمل ومن لا يعمل. الوزير والغفير في منزلة واحدة في كل شيء. وهذا من المبادئ الاشتراكية، في حين أن العولمة ظاهرياً تتدعي الحرية والعدل والمساواة، وهي بريئة منه، وواقعها يبتعد عن العدل ومفهومه.

العدل والمساواة مبدئين مختلفان كثيراً عن بعضهما البعض.

العدل يمكنه أن يحقق المساواة في الجوانب المرتبطة بالعدالة. يعطي كل ذي حقٍ حقه أياً كان مقامه، وفي جميع الأحوال والحالات دون شرط المساواة.

المساواة لا تحقق العدل ولا العدالة إلا فيما ندر من جوانبها. لأنها لا تُنصِف، تساوي بين الصالح والطالح، وهذا نوع من الظلم.

بعضنا يحفظ، وآخر يقرأُ، وثالث يتذكر العديد من الآيات القرآنية الواردة في ذلك وفي مثل هذه المواضيع. يمكننا الرجوع لها، لم أذكرها حتى لا أطيل المقال[2]

كثير منا منبهر بأضواء زائفة، وشعارات مضللة. ساروا في طريق طويل تضيئه الفتن، منبهرين بالجمال الزائف والمتعة المؤقتة، تصطف على جانبيه متع الحياة الزائلة. طريق متعرج مليء بالحفر، محفوف بالمخاطر.

تعثر البعض فيه، وكُبَّ البعضُ على وجوههم، وسقط آخرون في حُفَرِهِ، وهوى كثيرون لقاعه. ونجا القليل.

خسرنا الكثير، وتعلمنا دروساً كثيرة خلال تلك السنوات العجاف. عرفنا الصديق من العدو، فهمنا بعض أهداف الأعداء، وعرفنا منهج تخطيط الأبواق، وأدركنا حقائق كانت غافلة عن الكثير منا، أو يتغافل عنها الغالبية.

كنا جهلة فتعلمنا، أو متجاهلين فتأكدنا، منقادين فتحررنا.

اليوم أصبحنا -بفضل الله تعالى- ثم بالإدارة الحكيمة والهمة العظيمة مستقلين، قادرين على حماية أنفسنا وتحقيق مصالحنا الوطنية.

ازددنا تسلحاً بمواصلة تطبيق القرآن الكريم، والتَدَرُّعِ بالعلم، والتحصن بالمعلومات، والمبارزة في تنوع العالميات، والتعامل مع الآخرين تعامل الند بالند.

استوعبنا الحقائق فاستنرنا. حددنا أهدافنا وسرنا بعزيمة صادقة، وقلوب قانعة، وأيدٍ متماسكة فوصلنا. حققنا الريادة، وفزنا بالعديد من الاختراعات وحقوق الملكية الفكرية، ونافسنا على العالمية فكسبناها عن جدارة.

لا أود التعمق في التفاصيل المؤلمة التي تطفو على السطح، أو تختبئ خلف الستار في هذا العصر العصيب، المليء بالتطورات المخيفة التنوع، والأفكار المشوشة، السارة منها والضارة، المحبذة والمنبوذة.

أخالني أن الكثير منكم يفهم ما أرمي إليه، ويدرك ما أصبوا إليه، ويستوعب ما أهدف إليه. وخير الكلام ما قَلَّ وَدَلْ.

لذاً، أتمنى على الجميع أن يتفهم حقيقة الأبواق الداعية للحرية المطلقة، والمنادية بالعدالة المزعومة، والداعية للمساواة الزائفة، والداعمة للمثلية التي أخذت تنتشر في بعض دول العالم، وتوخي الحذر مما سيخرج من الجعبة المخفية من تخطيط هَدَّام، وأوهام خيالية ستطرح في الأيام القادمة.

أتمنى أن نظل محتكمين للكتاب المبين والسنة النبوية بعقولنا وأفئدتنا وأفعالنا، ونصحح مفاهيمنا، ونحسن إدراك ما يحاك حولنا.

أطمع في أن نرى بقلوبنا وليس بعيون غيرنا، وأن نكون يداً واحدة كالبنيان المرصوص في وجه كل هذه الدعوات المضللة، والأبواق الداعية للهدم والضياع، والعنصرية والقبلية والإرهاب.

أرجو أن نتذكر معاً شيئاً من الآيات الكريمة المعبرة عن تلك الحالات وأمثلتها، لتعيد الطمأنينة لنفوسنا، وتشد أزر الطموح في جميع أعملنا، وتساعدنا على تحقيق أهدافنا وبلوغ رؤيانا العاجلة منها والآجلة.

والله ولي التوفيق.


[1] تتوفر معلومات عن ذلك في أحد مجلدات “مجموعة التراجم التحليلية التداخلية المشتركة” التي أقوم بمراجعة بعضها تمهيدها لاتخاذ الإجراءات النظامية لطباعتها ونشرها.

[2] يمكن الرجوع لكتب التفسير وغيرها من الكتب المتخصصة، لمن يرغب في معرفة المزيد عن أوجه التفاوت بين العدل والحرية والمساواة، وكيف تُطَيَّق.

دراسة عن “جبل الكعبة”

أول من استوطن مكة المكرمة هما السيدة هاجر وابنها الرضيع سيدنا إسماعيل بن سيدنا إبراهيم الخليل صلى الله عليهما وسلم، بأمر إلهي.

قال تعالى {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ*} الآية (37) سورة إبراهيم. قصتهما معروفة.

كذلك قصة السيدة هاجر وصعودها على جبلي الصفا والمروة سبع مرات معروفة. 

إذن، مكة المكرمة شرفها الله- وادٍ غير ذي زرع كما ورد في الآية الكريمة (37) في سورة إبراهيم. تحيط به العديد من الجبال المشهورة منذ القدم. تتوسطه الكعبة المشرفة ببنائها القديم، ويحيط بها المسجد الحرام.

قصة استيطان بعض القبائل العربية لمكة المكرمة، مجاورين للسيدة هاجر وابنها سيدنا إسماعيل، ومركز مكة التجاري العظيم في رحلتي الشتاء والصيف معروفة.

قال تعالى { لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ* (1) إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ* (2) فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ* (3) ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ* (4)} لا يجهلها جاهل.

بدأت تُبْنى الدور حول المطاف، وتوسعت واتسع المطاف تدريجياً بزيادة عدد الزائرين والحجاج.  

ظلت تحتضن المسجد الحرام البيوت والمحلات التجارية والحارات والأزقة القديمة وبعض الشوارع بسهولها وجبالها ومنحدراتها، وأهلها وسكانها وذكرياتها الجميلة.

تميزت مكة المكرمة بالكثير من المزايا والخصائص[1]، وتميزت خمس فئات خاصة من مستوطنيها، لكل فئة أو قبيلة ميزة خاصة ومسؤولية عظيمة.

لأهل مكة المكرمة وسكانها بصفة عامة خصائص وميزات لم تكن لأهل أي بلد آخر.   

كانت تغمرها المحبة المتبادلة، وتزينها مجالس العلماء، ودواوين المقتدرين، وبرزات العمد والمطوفين والمناسبات الدينية والوطنية العديدة التي توثق تجمعاتهم وتبرز تراحمهم.

نالت بعض من تلك الجبال شرف عظيم ومكانة رفيعة لا يزال الكثير منا يجهلها، ولا يعرفه أبنائنا ولا أحفادنا، إلا القليل منهم. يفقدها أغلبية الحجاج والمعتمرين.

يمكن لبعضها أن تكون ضمن خطة الآثار والمآثر التاريخية العتيقة بمكة المكرمة، وأحد الأماكن المتاحة للسياحة ضمن الرؤيا 2030م.

سأتطرق لبعضها في عجالة:  

جبل النور، نال شرف صعود أشرف الخلق عليه. فاز بوجود غار حراء الذي كان يتعبد فيه صلى الله عليه وسلم، ونزل عليه الوحي فيه بأول سورة في القرآن الكريم { {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*} الآية (1) سورة العلق، فكان بداية مهبط الرسالة.

جبل ثور، فاز بشرف الاختباء في غاره يوم رحيله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من مكة المكرمة في طريق هجرته للمدينة المنورة ومعه صاحبه سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه.

سبق أن طرحت أكثر من مرة دراسة مبدئية لمشروع إنشاء تلفريك للصعود إليهما، بخدماته اللازمة منذ أكثر من أربعين عاما. لم تنجح للأسف محاولاتي العديدة آنذاك.

الحمد لله- بدأت عمليات العناية بهما عام 1441هـ، 2020م، ضمن “مشروع تطوير غاري حراء وثور” تمهيداً لإحياء معالمه التاريخية، وجعله أحد الآثار والمآثر المفتوحة للسياحة طوال العام.

نأمل مراعاة العناية الفائقة بهما وبأحجارهما لما نالاهما من شرف عظيم، وأن تطبع لهما نشرات وثائقية يمكن توزيعها على الزوار.

هضبتي الصفا والمروة، قصتهما مع السيدة هاجر. نالتا شرف صعودها عليهما[2]. أصبح الصعود عليهما أو على أطرافهما جزءً من أداء نُسُكَيِ الحج والعمرة. تمت توسعتهما ضمن مشروع توسعة المسعي لعدة طوابق.

جبل أبي قبيس، وهو خلف هضبة أو جبل الصفا. حَظِيَ بشرف اطلاق أول أذان من فوقه. ظل سيدنا بلال رضي الله عنه، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن من فوقه في مكان بني فيه مسجداً صغيراً وسُمي ب “مسجد سيدنا بلال” ظل فترة طويله مهمل ثم أغلق. هُدِمَ ذلك المسجد التاريخي العريق.

للجبل اطلالة وعدة أزقة على حي القشاشية وشعب علي وأجياد. كان مكتظاً بالمساكن البسيطة ذات الدورين والثلاثة عبر أزقة ضيقة ومنحدرات وعرة ومنعطفات صعبة، ودرج أغلبها مكسرة، وخدمات صعبة. كانت توجد في مطلعه بعض البيوت ذات الطوابق الخمسة.

أزيل جزء كبير من جبل أبي قبيس ضمن مشروع القصور الملكية. أزيلت جميع المباني التي كانت عليه ضمن مشاريع التوسعة.

لا يَعرف عن كلاهما الكثير من الأجيال الحالية. ستجهله الأجيال القادمة والحجاج والمعتمرين، ما لم توثق معلوماته وإحداثياته وأحداثه.

فقده العالم كله، وفقد متعة الصلاة في ذلك المسجد الذي كان يذكرنا بشيء من الصعوبات التي واجهت الدعوة الإسلامية في بدايتها.

جبل الكعبة، يقع على بعد حوالي (2كم) غرب المسجد الحرام. هو أبعد الجبال المحيطة بالمسجد الحرام، وأقربها جبل الصفا وأبي قبيس.

يبدأ جبل الكعبة شمالاً من منطقة حارة الباب، يتجه جنوباً حتى طريق الحفائر، أو شارع أم القرى حاليا. يمتد غرباً حتى امتداد مخرج نفق الفلق-ريع الرسام نزولاً لموقع سيدي محمود نهاية ريع الرسام بداية التيسير وجرول.

الخرائط الجوية القديمة، وبعض من الصور القديمة لتلك الأحياء، موجودة في قوقل وأطلس مكة[3]، توضح مواقع تلك المعالم التاريخية العتيقة.

نال جبل الكعبة شرف كبير وميزة عظيمة، وهي تكليف سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل عليهما السلام بتقطيع أجزاء منه وتشكيلها ونقلها تلك المسافة الطويلة لتُكَوِّن جداراً للكعبة المشرفة.

قال تعالى {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* (129) سورة البقرة.

هو أحد الآثار الإسلامية العتيقة جداً. يمكن أن يضاف للمعالم السياحة بعد توثيق المعلومات الأثرية التاريخية والجيولوجية عنه وطباعتها في نشرات إرشادية. 

يعتبر جبل الكعبة من الجبال الصلبة جداً، القاسية التقطيع والتشكيل، خاصة في ذلك الزمان الذي لا تتوفر فيه إلا القليل جداً من العدد اليدوية البسيطة جداً، والمعدات البدائية الصعبة، والتي يعتمد استخدامها على قوة الرجل وصلابة قوامه وقدرة تحمله.

كانت مبنيه عليه كثير من المباني ذات الأدوار المتعددة بين أزقته المتعرجة ومنحدراته الطويلة، يسكنها كثير من أهل مكة المكرمة وسكانها ومطوفيها.

الكثير من الباحثين والدارسين والكُتاب، وملايين المخطوطات والمؤلفات الموجودة في العالم. التوسع التكنولوجي الكبير في شتى المجالات، وسهولة توفر المعلومات في هذا العصر. كل ما مكني -الله سبحانه وتعالى- من قراءته والاطلاع عليه حتى لحظات كتابة هذه الأسطر.

كل ذلك، لم يرشدني للحصول على أي كتاب يوثق تلك المعلومات عن الجبال التاريخية والمآثر العتيقة بمكة المكرمة. لم أجد ما يبين أو يفيد عن الحكمة من اختياره لينال ذلك الشرف العظيم والميزة المنفردة لبناء جدار الكعبة المشرفة.

أنا على يقين تام، وقناعة متناهية بأنه توجيه إلهي، وحكمة إلهية في الدرجة لأولى.

إلا أن ذلك لا يمنع العلم والتطورات التكنولوجية الحديثة، من البحث والتحليل والتفسير العلمي والمعلوماتي، والفحص المخبري، لِيُظهر لنا ولو القليل من تلك الفوائد التي ميزته عن غيره، حتى نزداد علماً وفهما، وقد يفيدنا في عدة مجالات أخرى.

حبذا، لو يحاول المختصون معرفة الحكمة من استخدام أحجاره في عملية البناء منذ ذلك الزمن، للاستفادة منها.

 قد تكون قوة تحملها لعوامل الطبيعة، وربما خصائص جيولوجية أخرى، إحدى أسباب اختياره.

هذا الجبل العظيم الشأن “جبل الكعبة” تمت للأسف الشديد إزالة جزء كبير منه، وإنشاء مبانٍ شاهقة على جزء آخر، وفتح طريق على جزء ثالث منه. ربما بقي منه جزء يسير على الطبيعة مجهول الهوية.

       حريٌ بنا أن نحافظ على ما بقي من هذا الجبل العظيم الشأن، وعلى ما يُسْتخرج من أحجاره، لشرف مكانته، ولإمكانية استخدام شيء منها مستقبلاً لإصلاح ما قد يُتْلِفُهُ الزمان من تصدعات أو تلفيات في جداد الكعبة المشرفة.

إذ يتعذر استخدام حجارة جبال أخرى امتثالا لمنهج سيدنا إبراهيم عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والسلام، فلو كان بالإمكان لما تحمل العناء والمشقة ولأخذ من الجبال القريبة من الحرم.

أطمع أن تقوم الجهات ذات العلاقة بتدوين وتوثيق المعلومات الخاصة ب “جبل الكعبة” والمحافظة على ما بقي منه.

كذلك الحال بالنسبة لبقية الجبال التاريخية في مكة المكرمة، توثيق معلوماتها وطباعتها في نشرات، حتى لا يُحَرِّفها البعض.

ستكون هذه الجبال والمعالم ضمن اهتمامات الجهات المعنية بالآثار والمآثر العريقة التاريخ، وهي كثيرة في مكة المكرمة وما حولها، كجبل قيقيعان وجبل السبع بنات وجبل الرحمة وغيرهم.

       لعل هذه الفكرة أو الدراسة البدائية السريعة عن “جبل الكعبة وبعض الجبال والآثار والمآثر الأخرى في مكة المكرمة” تصل للجهات المعنية.

أنا على يقين تام بأنها ستكون ضمن اهتماماتها وتحقيقها، تمشياً مع مسيرة التنمية المستدامة والرؤيا 2030م.

       وبالله التوفيق.


[1] راجع كتاب الجامع اللطيف في فضل أهل مكة وسكانها والبيت الشريف. الشيخ جمال الدين محمد جار الله بن محمد نور الدين بن ظهيرة. 1357هـ، 1938م.

[2] السيدة هاجر هي زوجة سيدنا إبراهيم ووالدة سيدنا إسماعيل عيهما أفضل الصلاة والتسليم.

[3] راجع الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة الرقمي، للدكتور معراج نواب مرزا والدكتور عبد الله صالح شاووس ومحمد معراج مرزا.، وأطلس خرائط مكة.

دراسة سريعة في “المستندات والتعاقدات البنكية”

استطاعت المملكة العربية السعودية التربع في قمه العشرين بعد كفاح مرير وجهود طويله. أثبتت للعالم أنها إحدى الدول الرئيسية الفعالة في اتخاذ القرارات العالمية.

النظام البنكي العالمي والمحلي، منذ سنوات طويلة وهو يتخذ جانب الدول الأجنبية ويراعى مصالح رجال أعمالها ويتجاهل حقوق رجال أعمال الدول المسماة بالنامية، منها السعودية.

طالبت بتحقيق مبدأ العدالة والمساواة بين جميع أطراف التعاقد البنكي منذ أكثر من عشرين عاما، في مذكرة رسمية، امتثالا لقوله تعالى في آية الدَّيْن { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ*} الآية (282) سورة البقرة.

أنموذج جميل للعدل والعدالة والمساواة بين أطراف التعاقد، حتى في حالة ضعف أو عدم أهلية أحد أطرافه. استنباط حكيم يطبق على كل ما في حكمه.

لا يُطبق على السعوديين لعدم وجود المساواة والعدالة الحقيقية في ظل قوانين العولمة ومنظمة التجارة العالمية (المتحيزة). كانت المطالبة بها تعد طامة كبرى.

بالأمس القريب، تطورت العديد من الأحداث، وظهرت الكثير من الحقائق.

بفضل الله سبحانه وتعالى- أصبحنا قادرين على حفظ حقوقنا، وتحقيق مصالحنا الوطنية، وإمكانية التعامل بالمثل، أو النِّد بالنِّد.

اليوم، أكرمنا -الله تعالى- فأصبحنا متساوين -إن لم نكن متفوقين- بعد أن تربعت المملكة في قمة العشرين، وقادت قمة أوبك بلص، وتصدرت قمة السبعة، واستضافت مؤتمرات دولية، وأصبحت عضواً في منظمة بريكس. 

أصبح من حق المملكة العربية السعودية أن تطالب بتحقيق العدالة والمساواة في جميع العقود والتعاقدات والتعاملات والمعاملات البنكية الدولية والمحلية، التي لا تزال تضمن كامل الحقوق لرجال الأعمال والشركات الأجنبية على حساب الوطن والمواطن السعودي، وتحميله كل الأضرار مهما كانت الأسباب.

اليوم، أجد أن الفرصة قد حانت لأجدد هذه المطالبة بتحقيق العدالة والمساواة في جميع التعاملات والمعاملات البنكية الداخلية والخارجية، وضمان حقوق الوطن والمواطن ورجل الأعمال السعودي، وسلامة الاقتصاد الوطني من الاحتيال والتزوير والبضائع الرديئة والمغشوشة.

لذلك أصبح من الضروري جداً أن يتم تطوير جميع العقود واشتراطات فتح الاعتمادات وغيرها من المستندات البنكية الحالية، المجانبة للصواب، والمتحيزة للأغراب ضد الأهل والأحباب.

إن حرص الدولة السعودية الشديد على توفير الحماية التامة، وفقاً للمصلحة الوطنية العامة، لجميع رجال الأعمال والمواطنين السعوديين، وضمان حقوقهم في حاله حدوث أي غش أو احتيال أو تزوير، أو مخالفه من قبل شركة التأمين، أو الجهة المصنعة، أو المصدرة، أو الشاحنة أو الناقلة للبضائع للدولة السعودية، أياً كان نوعها، عنصر أساسي في بنود هذه المستندات والتعاقدات البنكية.

رجال الأعمال السعوديون يعرفون الأنظمة والقوانين ذات العلاقة، للدول التي يتعاملون مع رجال أعمالها ويطبقونها.

لذلك يجب على كل رجال الأعمال في دول العالم، الراغبين في التعامل مع رجال الأعمال السعوديين أن يعرفوا الأنظمة والقوانين، والمواصفات القياسية، والاشتراطات الأخرى السارية المفعول، الخاصة بالمواد المراد تصديرها للسعودية، والالتزام بتطبيقها حتى لا يتعرض رجال الأعمال السعوديين لطائلة المصادرة أو الإعادة، أو المخالفات والإجراءات الأخرى التي تعطل أعمالهم أو تسيء لسمعتهم.

بذلك نحمي الوطن من الفساد، ومن المواد المخالفة للمواصفات والمقاييس السعودية والخليجية، ونحميه من المغشوشة والرديئة، ويضمن رجل الأعمال السعودي حقوقه القانونية الدولية، إذا وُجِدَ أي خلاف في المواد المستوردة مع الشروط والمواصفات القياسية السعودية، أو مع المتفق عليها، ولا يتحمل أعبائها ومخاطرها المختلفة، بل تعود تلك الأضرار على فاعلها.

لعل هذه الدعوة أو الفكرة أو الدراسة البسيطة تصل للجهات المعنية، في ظل هذه المستجدات العالمية، فتسارع في الدراسة المتعمقة الجذور حولها.

أنا على يقين تام بأنها ستصل لأفضل النتائج في أقرب وقت لتحقيق المزيد من العدالة والمساواة لحماية الوطن والمواطنين ورجال الأعمال السعوديين، وتوفير التكافؤ بين جميع اطراف التعاقد.

ترجلت عن جميع الأعمال الاقتصادية والهندسية والفنية العلمية والتطبيقية بعد مسيرة طويلة تقارب نصف قرنٍ عامرٍ بالعمل البناء، والتطور المتزامن.

عبرت الجسر السابع، وأحاسيسي لا تزال تعمل -بفضل الله تعالى- ومشاعري مرتبطة بوطني الغالي وأبناءه الكرام، وتفكيري منهمك في مراحل التطوير والاستدامة التنموية مع مسيرة الرؤيا 2030

هذه الفكرة أو الدراسة السريعة في [المستندات والتعاقدات البنكية] واحدة من تلك المراحل لا تزال تراودني منذ ما يقارب ربع قرن دون أن أيأس من تحقيقها يوماً ما.  وقد حان أوانها.

أملي كبير جداً في القيادة الرشيدة، بالدعم المعهود، لتحقيق ذلك دون تميز للدول الأجنبية.

أمل يستفيد منه الوطن والأجيال المعاصرة والقادمة.

دراسة تحليلية عن [الاستدامة الأسرية]

يتجاهل البعض، ويتشاغل آخرون، وينشغل قليل من أفراد المجتمع منذ فترة ليست بالقصيرة بالتحدث عن موضوع تعدد الزوجات وكثرة الطلاق، ليس في المملكة وحدها، بل على مستوى الدول العربية، بحسب ما قرأت.

نُشِرت العديد من المطبوعات والمقالات والمقترحات، وذُكِرَتْ بعض الأسباب والمسببات. تتوالى السلبيات، وتنحسر الإيجابيات حتى تاريخه -على ما يبدو-

تفاوتت وجهات النظر، وتضاربت بعض الفتاوى حول موضوعهما، ولا تزال المعركة حامية الوطيس بين الأطراف، وقضياهما متكاثرة في القضاء العام والخاص، والبعض للأسف الشديد استطاع التسلل والدخول من الثغرات، والخروج من الثقوب، مجانباً الصواب متباهياً بذلك، رغم ما يُظهره من ورع وتقوى.

       لست من المختصين في مثل هذه الدراسات، ولكن فضولي العلمي يصحبني لعشق التوسع في القراءة، ومحاولة التركيز وإجادة الفهم، ومتابعة الاطلاع، والمشاركة أحياناً.

تارة أكتب مداخلاتٍ، أو تعليقاً، واتناسى تارة أخرى، وأقوم بالتحليل في بعض الأحيان، والصمت في معظم الحالات تلافياً للاختلافات.

       تقدمت إحدى الدارسات لنيل شهادة الدكتوراة، والمشتركة في منصة [أكاديميون الثقافية] تطلب المساعدة في تعبئة الاستبانة الخاصة برسالتها للدكتوراه حول [مقياس الانفصال الأخلاقي والتنظيم الانفعالي والتوافق النفسي والزوجي]

       تناول البعض، جزاهم الله- خيراً الاستجابة السريعة بالتعليق والتذكير بالآيات الكريمة ذات العلاقة.

       مداخلتي كانت [قد  يكون من الأفود طرح هذه الاستبانة على الشباب من الجنسين وإضافة دوافع عدم الرغبة أو الاحجام عن الزواج. توجد لي مقالة سابقة في موقعي عن الشباب مصحوبة باستبانة. قد تفيدك في البحث.

الانفصال والتنظيم والتوافق، لكل منهم عوامل مستقلة وأسباب مختلفة، وقد تتداخل بعضها. تختلف تأثيراتها ومؤثراتها كثيراً من شخص لآخر، ويصعب وضع حلول أنموذجية] انتهت المداخلة.

لاحظت أن النقاش على المنصة يدور حول التشريعات الشرعية والقانونية والرضا بالمقسوم، وبعض النقاط الاجتماعية والاشارة لبعض الكتابات السابقة وما إلى ذلك بشكل عام، مشابه لما اطلعت عليه سابقاً.

الشريعة تشريعاتها المحرمة والممنوعة واضحة كالشمس في الظهيرة، وأحكامها الرئيسية ثابته لكل زمان ومكان حتى قيام الساعة. كل شيء لم يرد تحريمه بنص شرعيٍ فهو مباح.

نحن مسلمون، نتذكر قوله تعالى { [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ*] الآية (285) البقرة، وفي الآيات (46) سورة النساء، (7) سورة المائدة، (51) سورة النور، (101) سورة المائدة.

أي السمع والطاعة والاستسلام التام لكل ما نزل في القرآن الكريم، وما أمرنا به سيد المرسلين دون سؤال ولا طلبٍ للتبرير، والقناعة التامة بحكمته وعدله -سبحانه وتعالى-

المسلمون يواجهون تيارات معاكسة شديدة جداً وقوية، ولابد لهم من معاصرة مسيرة التطورات المتنوعة.

حفظ القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ومعرفة الأحكام والتشريعات وغيرها من الأمور الأساسية بالنسبة للكثير، أشبه بكمرة التصوير تنقل لك دون تحليل أو فهم.

القرآن لغة عربية فصحى، ويُقرأ بعدة طرق مختلفة في النطق والكتابة والتشكيل، وتفسير كلماتها بحسب حالتها وموقعها وزمانها ومكانها، باستثناء الثوابت.

لذلك تركت لنا الشريعة السمحاء فرصة سَنَّ القوانين الوضعية والأنظمة المدنية والاجتماعية وتطويرها بحسب معطيات الحياة، وتطورات الزمان، واختلاف المكان، وتوالي الأجيال، دون الخروج عن المبادئ الأساسية والأحكام التشريعية.

 وهذا أحد أسباب صلاحية هذه الشريعة حتى تقوم الساعة، ومن نتائجها اختلاف آراء الفقهاء والمفسرين السابقين.    

استناداً لهذا المنهج التشريعي، لابد لنا من إعادة الدراسات المتنوعة والدقيقة، والتحليل الكيفي والكمي، والفهم الدقيق، والإدراك الحسي، والإحساس الفعلي بمثل هذه القضايا الحساسة، المتشعبة المخاطر بما يتلاءم مع واقعنا المعاصر.

الكثير من القضايا والمنازعات والخلافات والمشاكل بين أفراد المجتمع المعاصر في أمس الحاجة لجمع الكثير من المعلومات والاحصائيات، وحصر المعطيات، وطرحها ضمن ندوات متوسعة، واستبياناتٍ متعددةٍ ومتنوعةٍ، وفي مناقشاتٍ هادفةٍ، مختلفةَ المجالاتْ والتخصصات والمستويات التعليمية والفقهية واللغوية والثقافية، وعمل دراسات تحليلية واسعة، اجتماعية ومجتمعية وثقافية وتثقيفية دقيقة، حتى نتمكن من الوصول لجذور المشكلة.

عندئذٍ، نضع برنامجاً أو منهجاً متدرجاً نقاوم به الأسباب، وندرأ به الدوافع، ونَذُرُّ الرماد في عيون الحساد، ونُخْرِسُ الأبواق المتصاعدة، ونقطع الألسن المتدلية، ونتغلب على تلك العقبات التي تزعجنا وتعكر صفو حياتنا، وتهدم الكثير من البيوت، وتُشَتِّتُ أفراد الأسرة، وتتسبب في نشر الفساد، وزرع الإرهاب وغيرها من الأضرار الجسيمة على الوطن والمواطن والمقيم.

دراستي أو فكرتي هذه المبدئية لهذا المشروع [دراسة تحليلية في الاستدامة الأسرية] بعناصره المبدئية {حفظ النسب، الأبوين، القدوة الحسنة، توضيح مفهوم الحرية، الهدف من الزواج، تعدد الزوجات، الطلاق، المطلقات، الخُلْع، العنوسة، المساواة في رعاية الذرية المختلفة الأم} هو مشروع وطني، بل إسلامي جسيم وعظيم وطموح جداً.

المشروع ليس بحث لنيل شهادة الدكتوراه أو غيرها من المواضيع والمشاريع العامة.

هذا مشروع مترابط العناصر، متداخل الفروع، متشابك الأطراف، حساس جداً، وهام للغاية، وأهدافه واسعة وبَنَّاءة، وطموحاته عالية وباهظة الثَّمَن.

يحتاج لدراسات متوسعة ومتنوعة ومتعمقة في عدة مجالات، ويتطلب دعم قوي جداً على كافة الأصعدة.  

عفواً، أيها القارئ، ما أدونه أعلاه ليس سوى مداخلة أو فكرة دراسة مبدئية متواضعة على قدر معلوماتي الضئيلة، وفهمي المحدود، وخبرتي العلمية والاقتصادية والهندسية والمهنية البسيطة.

إن أصبت في فكرتي التحليلية هذه، فلا تنساني من الدعاء، وإن أخطأت، فسامحني، وانس ما قرأت.

أطيب تمنياتي لكم بالتوفيق.

الفقير -لله تعالى- إبراهيم حسين جَسْتَنِيِّه

همسة “ما كان وما قد يكون”

يمر الإنسان بعدة مراحل خلال مسيرة حياته، تبدأ بالطفولة البريئة، وحياة الا مسؤولية، والشقاوة المقبولة، فالمراهقة، فبداية النضج، فالنضج المبدئي، وهو مختلف السِّن أو العُمْرِ من شخص لآخر، فالاستقلالية الفكرية أو العقلية أو العملية، فالحياة الزوجية والأسرية أو مرحلة الاستقرار الذاتي والتكوين الأسري الجديد، أو مرحلة الشباب والطموح والخيال عند البعض، أو التبعية واللا مبالاة عند المدللين، ثم بلوغ الأربعين حيث تبدأ مرحلة الخبرة والحكمة والمنطق حتى الستين تقريباً، ثم يبدأ العد التنازلي لمرحلة الشيب، فالشيخوخة، فالهرم.

لكل مرحلة منها أحداثها وتجاربها ومواقفها، تختلف من شخص لآخر، وتتباين بينهم بحسب شخصيته وطريقة تربيته أو نشئته أو معرفته وعلمه وطموحه، وقد تتغير من مرحلة لأخرى، أو في مرحلة لموقف معين يمكن أن يكون لها إيجابيات أو سلبيات قد تُحدث نوعا من التعديل أو التغيير على مسيرة حياته.

       أيام الطفولة التي مرت بكل فرد منا، ذكرياتها متنوعة ومواقفها مختلفة من شخص لآخر، تحمل الكثير من ملامح البراءة والجمال، وحرية الحركة، وعدم التفكير، والخيال والأوهام، والجِدْ والهَزَلْ.

لو تَرَيَّثْتَ قليلاً عند بوابة تلك الحياة، وتسللت لبعضٍ من غرفها المختلفة الموقع والحجم، وفتحت إحدى نوافذها لرأيت ما بقي بداخلها من تلك الذكريات العتيقة، وبعضاً من المذكرات البالية أو الدفينة في باطن العقل والخيال، وستجد بينها وريقات اِصْفَرَّ لونها وبَهت لون حبر كلماتها، لا تزال موجودة على طاولة صغيرة من الخشب العتيق، أو على أحد الصناديق التي استخدمت كبديلة عن الطاولة، وأوراق أخرى بين أرفف الدواليب الخشبية القديمة ذات الدرف المخلوعة أو المكسورة أو المفقودة، وثالثة لا تزال على حافة الدرج وقد غطتها طبقات من التراب الناعم، تنتظر لحظة إزاحته عنها واللقاء بكاتبها بابتسامة شوق وحنين شديدين، بعد أن جار عليها الزمان، وغاب عنها ضوء المكان، وحجبت عنها الشمس، وانتشرت في كل مكان رائحة الغبار الرطب الممزوج برائحة الورق القديم والخشب العتيق.

تقف ناظراً إليها في سعادة وشوق، وتتنهد في مرارة مرات عديدة من الأعماق في تعجب مصحوب بالدهشة وعلامات الاستفهام.

تحتار! بأيهم تأخذ!، ومن أين تبدأ! وكيف! تقلب تلك الوريقات التي تآكل أطراف بعضٍ منها، أو طَمَسَ الزمان بعضاً من كلمات بعضها، أو غير الظلام لون أحبارها، تقلبها وكأنك تداعب رضيعاً خوفاً عليها من الضرر. تجد بينها أو بين صفحاتها صوراً عديدة وألوانا دفينة زاهية رغم عبور الزمن عليها، تجد شيئاً منها قاتم، وترى بعضاً منها متجهمة الوجه أو مقطبة الحواجب، وقد ترى قطرات دموع عتاب بعضها سعادة بعودتك، أو حزنا على فراقك.

قد تجد بينها وريقات أخرى تتخللها بعض الأحداث الجميلة والابتسامات العريضة والنظرات البريئة، وقد تجد أشياء لا تتوقعها.  

تُواصل تقليب تلك الصفحات وأنت تسترجع معها شيئاً من الماضي وكأنها شريط سينمائي يدور كعجلة مكنة سينما ذلك الزمان أمام ناظريك وفي خيالك، وداخل مشاعرك الدفينة، وفي أعماق أحاسيسك الجياشة.

تدور بك عجلة الحياة، لا تدرى للوهلة الأولى أهي حقيقة مضت بكل ما كان فيها، أم أنها مجرد خيال يسيطر على مشاعرك، وحنين عميق لماضٍ سحيق! أم أنها أوهام تجول بخاطرك، أو خواطر عابرة طرأت على بالك تجعلك تتعايش معها لحظات، تشعر خلالها بأحاسيس مختلفة ومتضاربة بين المتعة والسعادة وراحة النفس، وبين الحزن العميق لهذا للهجر الطويل والفراق القاسي.

فجأة تستيقظ من تلك الخواطر الخيالية وتعود لذاكرتك الواقعية، أو ذكرياتك الماضية مرة أخرى عبر تلك الفترة الزمنية المنقضية من حياتك، بتنهيدة عميقة، أو دمعة حزينة، أو ابتسامة عريضة، أو حركة غريبة، تفيق من غفلة التخيلات البعيدة لتجد نفسك في الحاضر بحالته.

يا ترى حُلُم! أم حقيقة! خيال! أم أوهام! شك! أم يقين! احتمالات عديدة وأفكار غير متجانسة.

الغالب منا تمر به لحظات مثلها يحاول تحجيمها أو تحجيم شيءٍ منها، أو عدم الإفصاح عنها حتى لا يُوصف بالرجعية، أو يُرمى بالهلوسة، أو يُنسب إليه الجنون، أو يُقْذَفَ بالوهم، أو يُنْعت بالتخيل! لكنها الحقيقة التي لا تُنسى وإن حاول أحد تناسيها بعض الشيء، حتى لا يتحسر على ما كان في ذلك الزمان من المتعة المتجانسة، والجمال الطبيعي، والحياء الحقيقي، والاستحياء البديهي، والحياة المجتمعية المترابطة الأطراف، المتماسكة الأيدي في السراء والضراء.

كم تسترجع الذاكرة صور بعض زملاء الطفولة، أو زملاء الحارة، أو جلساء مقاعد الدراسة في مراحلها الأربعة! وقد تجد صوراً فوتوغرافية لبعضهم، جار عليها الزمان، وبَهُت لونها من شدة الظلام لما يقارب الستين عاما.

آه! آه! آه يا زمن! ترى أين هم هؤلاء الزملاء أو الأصدقاء الآن! يا هل ترى، من منهم لا يزال على قيد الحياة بعد مرور أكثر من نصف قرن على الفراق! وإلى أين وصلوا، وكيف أصبحوا!

قد تتذكر أن أحدهم أصبح مسؤولاً في جهة ما، وآخر رجل أعمال أو خلافه، وثالث صاحب مهنة، ورابع تقاعد وبصحة جيدة، وخامس وسادس.

قد يكون أحدهم على تواصل معك بإحدى وسائل التواصل الحديثة، أو وصلتك أخبار عنه عن طريق صديق آخر، وقد يكون أحدهم يقاوم المرض، أو يتصارع مع الحياة، وقد يكون أحدهم في -رحمة الله سبحانه وتعالى-

أسئلة كثيرة تراود الخاطر وتناجي الفكر في هدوء وسكينة حتى يُسْدِلَ عليها الفجر ستاره الأبيض، أو يخيم عليها ظلام الليل وغياب البدر، فيحيطها بسكونه الهادئ.

تختبئ تلك المشاعر خافضة الرأس، وتذوب الأحاسيس منكسرة الجناح خائفة مرتعدة مختبئة بين أضلعنا، سائرة في عروقنا لتحتمي في أعماق قلوبنا المملوءة بالحنين، العامرة بالأشواق.

تعود كلما اشتاق الفؤاد لشيء من الماضي -رغم الفارق الكبير بينه وبين الحاضر- أو جَرَتْ أحداث في الحياة الحاضرة، أو حلت به حالة سبق ما يشابهها، أو حَنَّ القلب لحالة تملؤها البراءة في لحظات غمرتها السعادة النفسية، وأوقات خلت منها المسؤولية وعم فيها السرور، وامتلأت نسماتها بعبير الزهور فاتسعت الابتسامة وتقاطرت دمعات السعادة.

تلك الحياة النقية العطرة نسبة لظروفها، ترى!! هل تعود يوماً ما! وكيف يمكن ذلك! وهل لو عادت نكررها كما كانت، أم نطورها بحسب زمان وجودها! وهل يمكن للزمن أن يدور عكس عقارب الساعة يوماً ما كما نفعل بها عند إعادة ضبطها! وهل نستطيع اختيار اليوم والساعة التي نريدها منها كما نفعل بعقاربها!

هيهات! هيهات! أن يتكرر أو يتشابه شيءٌ مما فات!!! إنما هي أفكار كثيرة تتصارع داخل العقل الباطني، وتخيلات تتسابق في حُجُرَاتُ التفكير ألا إرادي.

خلجات متنوعة تتوالى على القلب، ونظراتٌ بعيدةٌ تبدو قريبةً من الفؤاد، تَحِنُّ وتَئِن بين دورة الزمان واختلاف المجتمعات، وتغير العادات، وتجاهل التقاليد، واحتمالات عديدة متوقعة لمستقبل في علم الغيب، وبين قلم حائر بين كلمات التدوين وعبارات أمانة التوثيق، عاجزاً عن إجادة وصف المشاعر، ورسم حقيقة الأحاسيس.

تظل الحقيقة التي لا مناص منها، أنه لا عودة لما مضى بما كان، ولا بأفضل مما كان، وأن الأهم الآن، هو أن نفكر دائما في مواكبة العصر، والنظر للمستقبل بأفضل مما هو عليه الآن، وأخذ العبر من الماضي، وتجاوز عثرات حاضر الزمان، ومستقبل الأيام، والكف عن النواح لما كان أو يجري أو ما قد يكون! وأن ننظر بعمق على مد البصر بعيون ثاقبة، ونفس هادئة، وقلوب مطمئنة.

نزرع الأمل في كل مكان، ونبني مستقبلاً يذخر بالأخلاق الحميدة والقيم السديدة، والتقاليد المجيدة والعادات الحسنة. يمتلئ بالسعادة النفسية، والطمأنينة القلبية، والمحبة الجماعية، والعلاقات المجتمعية الوطيدة.

نُقوي عُرا الأمن والأمان لنا ولأجيالنا القادمة، ونُوَثِّقَ عراقة تاريخ أسلافنا، ونَدْعُوَ لهم على ما قدموه لنا رغم صعوبة معيشتهم، ونُحْيِ تراثنا القديم، ونعلمه لأجيالنا ليكون لهم قاعدة قوية ودافعاً رئيسياً للمجد والعلا، وننشر أمجادنا للعالم حتى يفهمها الجاهلون بها، ونحافظ على الجديد.

نكون قدوة حسنة لأجيالنا، متمسكين بتعاليم ديننا الحنيف، ومتعلقين باليقين برب العالمين، وبمحبة نبيه الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم. 

       أستودعكم الله تعالى حتى لقاء آخر بإذنه تعالى.

دراسة “عملية الانتماء”

قد تكون عملية الانتماء عنصراً رئيسياً في تحديد العديد من النقاط الهامة في جميع شؤون الحياة.

فالانتماء للحارة أو الحي جزء مهم جداً من عملية الانتماء الوطني لقوة الترابط الشديد بينهما بحسب ما يظهر لِيِ من خلال دراساتي وقراءاتي المتنوعة المجالات.

قد تعتبر هذه دراسة تحليلية أو بحث اجتماعي ومجتمعي وثقافي ذا أهمية عالية في تصنيف العديد من الأحداث.

لم استطيع تحديد الحارة التي قد أنتمي لها، مع مراعاة أن عائلتي -ما شاء الله- كبيرة “آل جستنيه” وموزعة في مجموعات أسرية بِعِدَّة الحارات لقديمة التي كانت في مكة المكرمة[1]، بيت عريق وله تاريخ طويل، معروف بالعلم وإصلاح ذات البين والتجارة في مجالات مختلفة، ومشهورة في المملكة.

لم أعثر على قواعد معينة أو نقاط محددة تبين تفاصيل توثيق “عملية الانتماء” خلال عملية بحثي الطويل وقراءاتي المتنوعة على مدى سنوات عديدة، يُمَكِّنُها من الإجابة على الكثير من الأسئلة التي تدور في رأسي، ومنها ما هو في الاستبانة المرفقة لتسهيل عملية المشاركة لمن يرغب مشكوراً. 

لقد ظهرت لي هذه الفكرة خلال عمليات التدوين والتوثيق التي أقوم بها في (مجموعة التراجم التحليلية التداخلية المشتركة) منذ عام 1439هـ، 2018م، بعد صدور الطبعة الأولى للمجلد الأول من هذه المجموعة “رجل المهمات الصعبة” ولم أستطع الإجابة على الكثير من تلك التساؤلات التي دارت بخاطري.

طرحت بعض من تلك الأسئلة كمداخلة في بعض من مجموعات الواتس آب المُشْتَرِكْ فيها، ولم أجد إجابة شافية.

كما طرحت فكرة ترقيم تسلسلي للحارات التي كانت تحتضن المسجد الحرام حتى عام 1374هـ، على كروكي يتضمنها بحسب الأولوية أو المكانة التاريخية لها، مع ذكر أسباب المسميات في ملحق خاص، وتقسيمها وتوزيعها على أساس مسمياتها، لأنه يحكي واقع ذلك الزمان ورجاله، وليس على أساس الوضع الحالي كما قد يرى البعض، لوجود اختلاف كبير بين الحالتين.

كان ذلك الطرح خلال عملية قيام بعض من الإخوة والأخوات الكرام بجهود تطوعية منظمة ومشكورة لتوثيق معلومات تخص تلك الأحياء وسكانها، والتي كانت تحتضن المسجد الحرام. لا أعلم ماذا تم بعد ذلك. 

الدراسات والأبحاث والتحليلات في جميع دول العالم في كل المجالات والتخصصات لا تقتصر على الأكاديميين وحدهم، بل هناك المفكرين والمتعمقين في القراءة وعاشقي العِلْم والتَّعَلُّم، والمبدعين والمبتكرين وغيرهم، لهم مساهمات ممتازة وادوار فاعلة، ونتائج رائعة.

لذا، أطرح هذه الموضوع أو الفكرة أو المبحث (عملية الانتماء) للدراسة والتحليل والنقاش الثري المستفيض لكل من يرغب في المشاركة من ذوي الفكر والاختصاص، امتثالا لقوله تعالى { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ*} الآية (76) سورة يوسف، وقوله تعالى { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا*} الآية (85) سورة الإسراء، وبهدف الوصول لتوثيق المبادئ والأسس والقواعد الرئيسية لهما على قواعد ثابته، ومعرفة مدى العلاقة التي تربطهما، وكيفية تطبيقها وتطويرها لتواكب العصور والأجيال.

لا تزال تلك الأسئلة مطروحة للدراسة والتحليل للوصول لوضع أسس وقواعد وثائقية عامة ل “عملية الانتماء” يمكن تطبيقها دون مؤثرات سلبية حتى تكتمل عملية الانتماء الوثائقي.

أتمنى أن يهتم المختصون والعاملين في هذا المجال الوثائقي الرائع بمواصلة الدراسة والتحليل، والتكرم بتدوين ما لديهم من معلومات عنه للوصول للنتائج الإيجابية المثمرة، ووضع الأسس والقواعد التي تحدد تلك الهوية.   

ملاحظات:

1-    فضلاً، تتم المراسلة والمناقشة على الخاص حتى لا نزعج الآخرين، ما لم يوافق     الموقع عليها من خلاله لتتم المنفعة وتزداد الفائدة.

2-    التكرم بإرسال أسماء المراجع، وصور لصفحاتها -إن أمكن-

3-    التكرم بتعبئة الاستبانة.

4-    تدوين الاسم ورقم الهاتف والمعلومات الشخصية اختياري.

5-    جزيل شكري وتقديري لكل من يساهم بأي معلومات حول هذا المبحث، ولكل من     يقوم بنشره في المجموعات الأخرى لتزداد المشاركة وتتسع المنفعة.

“استبانة عملية الانتماء”

تاريخ تعبئة الاستبانة: 00/00/0000هـ                           00/00/0000م

الاسم الثلاثي أو الرباعي: 000000000000000000000000000000000

المهنة/ الوظيفة/ 000000000000000000000000000000000000000

رقم الجوال:

تدوين المعلومات الشخصية اختياري.

01- كيف تكون عملية الانتماء للحارة!

02- بالولادة فقط!

03- بسنوات معينة بعدها!

04- بسنوات المعيشة فيها!

05- كم عدد سنوات المعيشة المطلوبة!

06- ما هو الحد الأدنى لسنوت المعيشة لينتمي الشخص لها!

07- كيف، ومن الذي يحد هذه السنوات!

08- ما هو المنهج المتبع لتحديد هذه السنوات!

09- هل توجد قواعد معينة متعارف عليها!

10- إن وجدت، فما هي!

11- لأيهم الأولوية إذا تنقل المرؤ لعدة حارات!

12- ما مدى تأثير ذلك على تفرع العائلة في أكثر من حارة!

13- هل سيكون الانتماء لكل فرع بحسب الحارة التي يعيش فيها!

14- أم للحارة التي يقطنها كبير تلك العائلة! وما هو المبرر!

15- هل توجد معلومات عن ذلك من أسلافنا!

16- إن وجدت، فما هي!

17- ما مدى ملاءمتها للعصر الحاضر!    

18- هل اطلعت على مراجع في هذا الشأن!

19- إن كان كذلك، فضلاً ذِكْرَها.

20- هل لك وجهة نظر معينه حول هذا المبحث!

21- إن كان كذلك، فضلاً تدوينها. 

مع جزيل الشكر.

المحكم الدولي المستشار/إبراهيم بن حسين جَسْتَنِيِّة


[1] توجد بعض الإيضاحات في كتاب “آل جستنيه وإخوتهم” لنفس المؤلف، لكن أعمال هدميات الأحياء المحيطة بالمسجد الحرام غيرت الكثير من مواقع سكن المجموعات وتفرقها لأسر صغيرة بدلاً عن أسرة كبيرة، مما يُصَعِّبُ عملية الانتماء للحارة. 

همسة ” حُقْباَتُ التَنْشِئَة”

الجزء 5/5

بعد مغادرتنا مقاعد الجامعة تطورت الحالة وأصبح كل طالب يجلس على كرسي مريح مستقل بطاولة لها دُرج أو مكان لوضع الكتب والأدوات.

في هذا الزمن، تمادينا كثيراً في تدليل الأبناء والبنات، وازداد دلال الطالب وحَظِيَ بنعم كثيرة ومميزات عديدة، القليل منهم يعرف قيمتها المعنوية والمادية، والبعض منهم في مدارس خاصة، والبعض الآخر لا يعي مدى العناء الذي تتكبده الدولة، أو ولي أمره ليهيئ له هذا الجو التعليمي ليجعل منه رجل المستقبل وأمل الوطن.

كلما تطورت حياة الترف الغير منضبط، ونال الطفل كل ما يطلبه دون عناء، أو بِسَكْبِ قليلٍ من الدموع الزائفة، أو العديد من الصرخات الكاذبة والحركات المزعجة دون أن يُرْدّعْ، كلما نقصت قيمة الشيء المقدم له، وفقد خاصيته، وضاعت أهميته فتضيع القناعة، وتذهب المصداقية، ويكثر الملل، ويطلب المزيد باستمرار مهما كان الثمن الذي سيدفعه غيره، المهم أن يحصل هو على ما يريده وفي أي وقت يريده.

وهذا أسوء أساليب التربية -من وجهة نظري- وهم أكثر أطفال هذه الأيام عقبة في مسيرة التطوير الاجتماعي والمجتمعي والعلمي والثقافي، وأصْعَبِهِم تكيفاً مع مسيرة التنمية المستدامة. 

أُهْمِلَ العقل تماماً مع وصول التكنولوجيا الحديثة وتطوراتها، والذكاء الاصطناعي سيزيد الطِّينَة بَلَّة.

تَسَارَعَ الزمن، وتَقَارَب العالم، وكَثُرَتْ المشاغل، وصُمَّتْ الآذان، وامتلأت القلوب بالهموم والأحزان، والحقد والحسد، والغِلِّ الدفين عند الكثير.

تحولت العقول لآلات وأجهزة صامطة جامدة تحركها بأصبعك لتنقلك من عالم لآخر، ومن حسبة بسيطة للبورصة العالمية وغيرها.

وبالرغم من كل تلك السلبيات الظاهرة، إلا أنه برز العديد من النوابغ من الجنسين، وظهر الكثير من المبتكرين والمبدعين، ولا يزال هناك الكثير لم يظهر بعد.

نقلة نوعية سريعة وعجيبة، تترك آثاراً سلبية عديدة لا تزال الكثير منها مخفية، وهي تنتشر كالنار في الهشيم.

لست ضد الحضارة، ولست متحاملاً على المسيرة التنموية، بل أسعى لأكون أحد عناصرها، لكنني قد أجد أن هذه النقلة النوعية السريعة في أمس الحاجة لدراسات عميقة، وتحليلات دقيقة من قبل فرق متخصصة للتخلص من سلبياتها المتنوعة، واستنباط الإيجابيات وتطبيقها، والبحث عن التطورات وتتبعها حتى تكون الفائدة أضعاف مضاعفة. 

 الحمد لله- أحرص على تعليم تلك المبادئ والقيم والعادات والتقاليد التي تعلمناها من أسلافنا، لأبنائي ونقلها لأحفادي وأحفاد أبنائي بأسلوب تربوي يتلاءم مع زمانهم، وأتمنى أن نظل نحافظ على هذا الإرث الطاهر مهما واجهتنا الصعاب، أو قاومتنا وسائل التحضر الزائفة.

كم أزداد غِبْطَةً وفخراً أنني من ذلك الجيل الذي له مشاركات عديدة، وأدوار فَعَّالَه كثيره فيما تراه من هذه الحضارة التي يعيشها من تلانا من الأجيال.

ذلك الجيل الذي ساهم في وضع الاسس والقواعد الصحيحة لمسيرة التنمية المستدامة، وله دور فاعل في الكثير من التطورات الحالية والرؤيا المستقبلية.

لقد كانت حياة من سبقنا وحياة جيلنا حياة محبة وتكافل، واحترام وتقدير، ومشاركة وجدانية بكل المعاني، ونوع من التعاطف المشترك في مسيرة الحياة.

إنما أكتبه عن ذلك المجتمع الذي عشت في جزء منه، وتعايشت مع القليل من أفراده، وما أعاصره بقدر ما تسمح به الظروف أن أدونه وأُوثِّقَه بصدق وأمانة، ما هو إلا قلقة القليل من الحقائق والوقائع عن ذلك الجيل المكافح، وأجزم بأن هناك الكثير مما نسيته، أو قد أتناساه، أو يعرفه غيري ولم يُدَوَّنْه.

قد يكون قصورٌ منا في حق أسلافنا، وتقصيرٌ من بعضنا في حق التاريخ القديم ورجاله، وخطأ جسيم في حق أبنائنا وأحفادنا لجهلهم بأمجاد أسلافهم.

تاريخ عريق، وعلم ومعلومات قيمة، وحقائق مجهولة بالنسبة للعالم، آن لها أن تظهر كالشمس الساطعة حتى يَكُفَّ الآخرون عن نعتنا بالعَالَمْ الثالث.

كَثِيرٌ من أبناء الجيل المعاصر يتجاهلون فَضَائِلَ وفَضْلَ أجيال أسلافهم، بعد فضل -الله سبحانه وتعالى علينا جميعاً- أو لا يفقهون عنه شيئا، مع أنهم السبب الرئيسي في كل ما يتنعمون به من نعم -الله سبحانه وتعالى- وهذا قصور واسع في حق أسلافنا، وتقصير كبير في توثيق عراقة تاريخنا وأصالة أمجادنا.

لذلك، من الواجب علينا أن نُدَوَّنْ أفعال أسلافنا، ونسطر تضحياتهم العديدة، وتُخَطُ محاسنهم بماء الذهب، ويُحْفَظُ تاريخهم في الصدور قبل السطور والكتب، وألا ننساهم من الدعاء وتقديم الشكر الجزيل لكل أفراده الذين شاركوا في تلك الأعمال الجليلة التي خلفوها لنا، أو وضعوا أسسها وبَنَوْ قواعدها لتكون لنا مرشداً لمستقبلنا، ومنهجاً لخططنا.

لا شك أن هناك مستويات اجتماعية ومجتمعية مختلفة عما عاصرته، أو نشأتُ بينه، لا أعرف عنها لأنني لم أعش بينها لأدون عنها، وأطمع أن يكون هناك عدة فِرَقْ عمل متكاملة من الجنسين، مخضرمة ومعاصرة متطوعة، وتتمتع بروح التعاون والمحبة، والحوار البناء، حباً في الله تعالى وتقديساً لمكة المكرمة، وتخليداً لذكرى السلف، وتذكيراً بتاريخنا العريق، تستفيد من التطورات التقنية الحديثة للتدوين والتوثيق والنشر والإعلام، وراحة بال، وإجابة على سؤال لأستاذنا الفاضل الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان -يرحمه الله- والذي قال يوماً ما [عرفنا تاريخنا القديم من الأزرقي وبعض الرحالة وغيرهم، فمن يا ترى سيكتب تاريخنا لأحفادنا]!! انتهي.

ليطمئن أستاذنا الفاضل الدكتور عبد الوهاب -يرحمه الله- وأبشره بأن عشاق مكة المكرمة ومحبوها وأبنائه وتلاميذه -بمشيئة الله تعالى- سينالون هذا الشرف العظيم بتوثيق كل ما يمكن تدوينه عن تاريخ أهالي مكة وسكانها وحاراتها وبرحاتها وأزقتها التي كانت تحتضن المسجد الحرام قبل مشاريع التوسعة -جزاهم الله خير الجزاء- وتحضيرها لعرضها وإخراجها طبقاً للأسس النظامية والقواعد التنظيمية والقوانين المنظمة لذلك.

لَعَلّه يكون لمؤسسة الفرقان التي أنشأها الشيخ أحمد زكي حسن يماني -يرحمه الله- وجعل لها وقفاً يُنْفِقُ عليها، وأسس لها مجلس إدارة، ولجان متخصصة لتدقيق جميع المعلومات ورصدها وطباعتها، لعله يكون لها دور فاعل في المساهمة بدعم هذا المشروع التوثيقي الوطني بكل ما يحتاجه لإخراجه بالكيف والكم الذي يليق بمقامه.

كذلك أناشد إخواني وأخواتي من أهل المدينة المنورة وسكانها، والمحبين للمصطفى صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا نفس الشيء بالنسبة للمنطقة التي كانت تحيط بالمسجد النبوي الشريف قبل مشاريع التوسعة السعودية.

كم أتمنى أن تحظى هذين المشروعان الوطنية القيم، العريقة التاريخ، بالدعم الكامل من قبل [كرسي الملك سلمان لمركز تاريخ مكة المكرمة بجامعة أم القرى، ثم الدارة لاعتماده ومنحه الرقم الدولي (ردمك)] بعد توثيق حقوق الملكية الفكرية، ومن ثم تبني نشره وتوزيعه، أو بيع مطبوعاته بأسعار رمزية على الحجاج والمعتمرين ليدركوا مدى الجهود الجبارة التي تبذلها الدولة بمشاريع التوسعة لتحقيق الراحة والطمأنينة لهم، ويتعرفوا على شيء من التاريخ العتيق للبلد الحرام والمسجد النبوي الشريف خلال العصر السعودي.

وأكثر ما أتمناه هو أن نزداد علماً وتعلماً، وأن تتضاعف معلوماتنا، وتتنوع ثقافاتنا، ويتسع نطاقها، ويتحسن مفهومها، وأن نكون أكثر ترابطاً اجتماعياً ومجتمعياً، وأقرب مودة وأخوية، وأكثر تطوراً عقلياً وفكرياً، وتمسكاً بالأخلاق الفاضلة، تلبية لأوامر -الله تعالى- ونداء البشير عليه أفضل الصلاة والتسليم، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمر، وأن نواكب مسيرة التطورات الزمانية والمكانية المختلفة بما لا يُخِلُّ بالقواعد الرئيسية، والمبادئ الأساسية.

نسأل الله تعالى- لنا ولكم جميعا الأجر والثواب.

       نستودعكم الله حتى نلتقي في مقال آخر.