إبراهيم بن حسين جستنيه

همسة “التقليد الأعمى”

اطلت على مقالة في جريدة عكاظ بتاريخ 13/01/1447هـ، 08/07/2025م تحت عنوان “ضرورة الانتباه” للأستاذ عبده خال.

تحدث فيها عن قضية (الخُلْع) إحدى أكبر المشاكل الاجتماعية -من وجهة نظري- وأشار لتقرير الهيئة العامة للإحصاء حول ارتفاع نسبة العنوسة وعزوف الشباب والفتيات عن الزواج دون توضيح الأسباب والمسببات، ولم يتطرق لارتفاع نسبة الطلاق التي تفاقمت بشكل مخيف في المجتمع السعودي، مما ينذر بما لا تحمد عقباه.

هذه إحدى أهم المشاكل الاجتماعية والمجتمعية بالمملكة، والتي أخذ يتسع انتشارها في اتجاهات مختلفة ومتنوعة، ومبررات تافهة، وتوجهات مخالفة للقواعد الشرعية والأخلاق الحميدة تقليداً أعمى خلف الدعايات المسمومة، وانجرافاً خلف بعض الأنظمة العالمية الزائفة، والعولمة الكاذبة ذات المعايير المتغيرة، سعياً خلف مصالح معينة وأغراض دفينة، ظاهرها حضارة وتقدم، وباطنها أسوء استغلال للمرأة من جميع الاتجاهات، وهدم الأسرة، ودمار المجتمع، وانهيار للقيم، والابتعاد عن المبادئ الشرعية، مما دفع بعض الدول بإعادة النظر وسرعة البحث عن مخرج سليم من شباكها.

       قد تكون هذه الظاهرة التي أخذت في الانتشار كالنار في الهشيم من أهم عقبات مواصلة مسيرة البناء الراسخ، والتشييد القويم في المجتمع المعاصر وفق الرؤيا والخطة المرسومة للوصول للعالمية دون التنازل عن مبادئنا، أو التخلي عن قيمنا الراسخة، وتقاليدنا المحبذة، وعاداتنا الحسنة.

      أذكر أن آخر مقال كتبته عن بعضاً من الجوانب السلبية لهذه الظاهرة السيئة والمسيئة للأسرة وللمجتمع وللوطن (العقاب بلا ذنب) نشرت في موقعي الإلكتروني بتاريخ 11/06/1446هـ، 12/12/2024م، ولم يظهر حتى تاريخه وجود أي دراسات أو أبحاث تحليلية للوصول لحل أو حلول مناسبة، أو قاطعة تحمي الأطفال من التشرد والضياع، وتصون الأسر من التفكك، وتقفد سدا منيعا لحماية الوطن من هذه الآفة الفتاكة التي أخذت تتفشى بكل سهولة في المجتمع والوطن السعودي العزيز. 

      الحرية حق شرعي لكل فرد ضمن أطر معينة، شأنها شأن أي شيء في الوجود، ليست مطلقة العنان كما ينادي به أولئك النفر.

قال تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور}ِ الآية (46) سورة الحج.

وأكبر دليل على الحرية الشرعية قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الآية(256) سورة البقرة.

إساءة العديد من الناس للمعني الحقيقي لمفهوم الحرية الشرعية، وسوء استغلال الكثير من الجنسين لذلك المفهوم، أو التحايل عليه لا يعني أنها ظالمة، أو متحيزة، أو غير مواكبة لمسيرة الحضارة والتنمية على مر العصور والأزمان.

قال تعالى {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ* أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ* أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ*} الآيات (78-80) سورة الزُّمُر.

وقال تعالى {مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ*} الآية (39) سورة الدخان.

-الله سبحانه وتعالى- عادل ويحب العدل والمساواة والإنصاف، دون تفريق في الجنسيات ولا في الألوان ولا في المعتقدات والأديان، قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} الآية (58) سورة النساء.

ووفق ما نعاصره من مجريات الأحداث الواقعية والمقروءة والمسموعة، وما تتداوله وسائل التواصل الاجتماعي، فقد لعبت الدعايات المغرضة والتخطيط الجيد خلف ستار (الحرية المطلقة، والعولمة الكاذبة) دوراً كبيراً في سلوك الكثير من أولئك الناس لتسلك راضية مرضية هذا السبيل الحالك الظلمة، خلف أضواءٍ براقة، وألوان جذابة، وعبارات منمقة.

وعليه، يكون من الواجب سرعة توضيح المعنى الحقيقي للحرية الإسلامية، وتِبْيَان مفهوم معنى الحضارة والتقدم، وتصحيح مسار المنحرفين، وردع كل من يسيء استغلال المعنى أو المفهوم، وهذا أحد أساليب المعالجة -وفق علمي البسيط ومعلوماتي الضئيلة-

      ومن المؤكد أن هناك العديد من أساليب المعالجة لدي الجهات المعنية والمختصين ستظهر لهم بعد عملية الدراسات التحليلية المستفيضة لأساس المشكلة بشكل عام من جميع الجوانب، ومحاولة سد الثغرات، وردم الفجوات، للوصول لحل ناجع، إذ لم يعد بإمكان رب الأسرة ضبط الأمور في ظل هذا التقليد الأعمى والتأويل المقصود لمعنى الحرية ومفهوم الحضارة، ما لم يتم تدارك الأمور، والتضامن المتكامل بين الأطراف المعنية والمختصين ومراحل التعليم وغيرها وبين أرباب الأسر.

      عسى أن نسارع في ذلك ونبذل قصارى جهودنا للوصول لحل أو حلول جذرية، وليست مؤقته قبل أن يطفح الكيل، وتتسع الفجوة، أو يتعذر التحكم فيها، فنضرب كف على كف، ونقول يا ليت!!!

وهي كما يقال (كلمة يا ليت، عُمْرَها ما كانت تُعَمِّر بيت) أي أنها غير مُجْدِيَة، بل حسرة وندامة حين لا ينفع الندم.  

4 ردود على “همسة “التقليد الأعمى””

    1. جزاكم الله خير والله كلام صحيح بارك الله فيك عمه إبراهيم

  1. صح لسانك ودام ابداعك ونور الله وجوهكم ورزقكم الله الجنة باشمهندس ابراهيم جستنية وموضوع فعلا يستحق التقدير لانه يخدم كثير من الناس في مجتمعنا

التعليقات مغلقة.