لوحظ أن هناك التباس كبير، وخلط واسع بين معنى ومفهوم الحرفة والحرفي، والصناعة والتصنيع، على وسائل التواصل الحديثة، حيث أصبحت الكتابة والنشر سبيلاً للجميع وبدون تحديد.
الحرفة اليدوية هي الصنعة أو المهنة أو النشاط الذي يعتمد على المهارة اليدوية والإبداع الشخصي الذي يقوم به أو ينفذه شخص معين بيده باستخدام خامات البيئة المحلية، أو خامات أولية لتحويلها إلى منتجات أخرى ذات قيمة نفعية وجمالية وحسية، مستخدماً بعض الأدوات والعدد الكهربائية الصغيرة، أو اليدوية العادية أو التي يشكلها هو أو من يمتهن القدرة على فعلها لتساعده في انجاز عمله اليدوي، دون الاعتماد على الآلات المتخصصة أو الحديثة، ما يجعل كل منتجٍ منها فريدًا بطابعه الإنساني واحساسه الوجداني الخاص.
الحرف اليدوية كثيرة التنوعات ومختلفة المجالات، ومتنوعة الأذواق، ومتعددة المشاعر، وقد كانت منتشرة باحترافية عالية في منطقة الحجاز بالذات لتلبية احتياجات الحجاج وقافلات التجارة والحج منذ العصر الجاهلي[1]، وتطورت وفق متطلبات الزمان والمكان.
وتعتبر كسوة الكعبة المشرفة وسترة الحجرة الشريفة في خطها ونسجها ودقة حياكتها وألوانها وطريقة تنسيقها ومقاومة موادها لكل العوامل الطبيعية لفترة زمنية طويلة ذروة الحرف اليدوية الإسلامية ورمزها الروحي الأسمى.
نماذج من الحرف اليدوية التي بمنطقة الحجاز[2]:
الخراز، البنا، المجلد، الحداد، الحجار، السباك، القراري، الخطاط، الكتبجي، الصباغ، الخياط، الدهان، السقا، وغيرهم، وقد لُقِّبت بعض الأسر الحجازية بالحرفة التي كانوا يتقنونها ويزاولونها.
الحرفي: هو الشخص الذي يقوم بأداء عمل خاص يحتاج لمهارة فنية ودقة حسية، ومشاعر تفاعلية تختلف بين الأشخاص، ويستخدم أدوات وعدد يدوية بسيطة تساعده في انجاز عمله.
وتعتبر أمانة العاصمة (البلدية) هي الجهة المسؤولة عن الإشراف والتنظيم الخاص بالمهن الحرفية وممتهنيها، ولكل مهنة منها شيخ مرتبط بأمانة العاصمة وفق اللوائح والأنظمة الخاصة بذلك.
كان يتعذر على أي شخص مزاولة أي مهنة من تلك المهن الحرفية دون حصوله على إذن أو ترخيص موثق من شيخ تلك المهنة.
الأسر المنتجة، لم تكن في السابق من الأشياء النادرة، أو المخفية، بل كانت شيئاً يُفتخر به، وقلما تخلو عائلة مكية -وفق علمي- من ذلك.
إذ منذ طفولتي وأنا اعاصر الكثير من تلك العائلات العريقة والمنتجة في الحجاز، وخاصة في مكة المكرمة، ليس بالضرورة للاستعانة بها على الظروف المعيشية، وإنما هي مهارة خاصة وذوق رفيع لدى الكثير من سيدات ذلك المجتمع القديم السنين، المتطور بالعقل، المستنير بالحكمة[3].
كانت بعض الأسر تساهم في الدعم الاقتصادي وتوفير نماذج من الملابس للمناسبات والأعياد، وبعضها يشتريها الحجاج اعجاباً أو تبركاً، تباع في محلات أزواجهم او أبنائهم التجارية، وكان لها تجار معروفين وخاصة في مكة المكرمة، قبل أن يُفْتَحَ باب استيراد الملابس الجاهزة على مصراعيه.
لم يكن يُذكر دور المرأة أو مساهمتها صراحة، بل كانت تعمل خلف الكواليس في صمت، وتُعَرَّفْ دائما ب (الجندي المجهول، أو كما نُقِلَ عن الشاعر حافظ إبراهيم:
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها # أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ
الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا # بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ
الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُُلى # شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ
لذلك لم يرد في السابق لتضحياتها ولا لأعمالها ومجهوداتها الرائعة ذكر واسع -وفق معلوماتي- بين الأفكار والأعمال المستحدثة، مما سهل على المغرضين اشعال نار الفتنة بين الذكر والأنثى في العصر الحاضر.
أخذ بعض من أبناء وأحفاد ذلك السلف من مكة المكرمة في غرفتها التجارية الصناعية عام (1432هـ، 2013م) التي لا تزال المنبع الرئيسي للعديد من الابتكارات والافتخار بالاقتباس من ابداعات أسلافهم، بإعادة طرح فكرة مشروع (صنع في مكة المكرمة) مرة أخرى، تبناها الأمير خالد الفيصل في حفل افتتاح مبنى الغرفة التجارية الجديد بحي الزايدي (التخصصي)[4].
التعاون المشترك بين غرفتي مكة المكرمة وجدة منذ عام 1357هـ[5]، خُصص هذه المرة للحرف المهنية والإنتاج الأسري ليبين مدى قوة علاقة الحرف ومساهمة المرأة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، بعد أن أخذ الإنتاج الأسري يطفو على الساحة المعاصرة بشكل يشرح الصدر ويريح النفس، ويجزم بالقدرة الفائقة، والجودة العالية، وذلك ليحظى بالمزيد من الدعم الرسمي كما حدث للصناعات الآلية الأخرى بعد أول نشئة لها في المملكة بمكة المكرمة[6]، وخاصة بعد أن غابت معظم الحرف المهنية والأسرية في مكة عن الحياة المعاصرة فترة طويلة، كاد ينقرض بعضها برحيل معظم المتقنين لها، وتفرق الكثير منهم بعيداً عن المحيط الاجتماعي والاقتصادي، على أثر إزالة المنطقة بمشاريع توسعة المسجد الحرام والساحة المحيطة به، وتَوَجُّه معظم أبنائهم نحو حياة اجتماعية جديدة تواكب مسيرة التطورات الزمانية والمكانية لأجيالهم.
هذا الدعم الجديد لمشروع “صنع في مكة المكرمة” كان شعاراً لمبادرات قديمة بدأت عام (1369هـ، 1949م) تهدف لدعم المنتجات المحلية النصف آلية والآلية الكاملة في المجال الصناعي الحقيقي- وليست الأعمال الحرفية اليدوية والمنتجات الأسرية، وفق المفهوم الحالي المطروح في تجديد الدعوة التي تحول مفهومها لإبراز إبداعات الأسر المنتجة والحرفيين في شتى المجالات اليدوية والفكرية والحسية بالمنطقة.
تطورت هذه الدعوة الجديدة المباركة (صنع في مكة المكرمة) بمفهومها الجديد لدعوة وطنية واحدة لتشمل التعاون والتنسيق مع غرفة المدينة المنورة أيضاً[7]، وأخذت في التوسع والانتشار في بقية مدن وبعض من قرى السعودية، ووجدت متسعاً كبيراً من الرعاية في معرض الجنادرية السنوي بالرياض، ثم انطلقت بسرعة هائلة لتواكب مسيرة التنمية المستدامة، ومراحل الرؤيا 2030م.
وهكذا، انبثقت فكرة “صنع في السعودية” مع تطورات برنامج الرؤيا 2030م، من الفكرة الأساسية التي ابتدعها أساساً أفراد من رجال أعمال مكة المكرمة بالتعاون مع رجال أعمال من جدة، ثم خرجت من مفهوم الصناعة النصف ألية والآلية الكاملة لمعني الحرفة، ولبست ثوب الصناعة اليدوية والمنتجات الأسرية، وانطلقت لتدخل معظم مدن وقرى المملكة بثوب وطني، وتخطيط عام ومتنوع وفق حال كل مدينة بها.
فحازت على دعم حكومي في الكثير من المناسبات المماثلة، وتشجيع متواصل في معارض، وتخصيص ندوات وغيرها، كعلامات صناعية تنطلق بهما لتثري تجربة ضيوف الرحمن، وتعزز نفاذ المنتجات الوطنية إلى مختلف أقطار العالم، انطلاقًا من مبدأ اعتزاز زوار مكة المكرمة والمدينة المنورة بمكانتهما الدينية والاقتصادية، إلى جانب رغبة هيئة تنمية الصادرات لإظهار واقع السعودية المتميز بالعديد من المنتجات الحرفية والأسرية الوطنية، ما يعكس الهوية الحرفية والبراعة الذاتية، والذوق الراقي، والاتقان المتناهي للمنتجات اليدوية والخدمات الحرفية والمهنية في مكة المكرمة والمدينة المنورة لعددٍ من المعايير العالية الواجب استيفاؤها، ولتسهم في ترجمة رؤية السعودية 2030م، ولتشمل معظم مدن المملكة.
لقد تحولت بعض “الحرف اليدوية” في المملكة لفنون عريقة في مجال اقتصادي متشعب، وثقافي عتيق وناجز ومتميز، وبرزت العديد من المتاحف المختلفة المحتوى والمتنوعة الحرف، ساهمت في إحياء بعضٍ منها جهات من القطاعين العام والخاص بمبادرات تشجيعية داعمة ومتنوعة، نافست به في المحافل الدولية، وحاز البعض من المشاركين فيها على العديد من المراكز والميداليات المختلفة في عدة مجالات منها.
لذلك، قد يكون من الأنسب أن تخصص مثلاً، جملة “منتج بأيدٍ سعودية” لتلك المنتجات الأسرية والحرفية اليدوية على اختلاف أنواعها وتعدد تخصصاتها، وأن تكون مثلاً، عبارة “منتج بأيد مكية” أو “منتج بأيدٍ مدنية” وغيرها من المسميات -نسبة لجهة الإنتاج- لأن العنصر الأساسي المُنْتِج له بمعايير ومواصفات وجودة يدٍ مكية أو مدنية أو غيرها، ولها ردود فعل نفسية وروحانية خاصة مرتبطة بمشاعر وجدانية نحو الحرمين الشريفين، وهي تنتج وتدار وتُشْتَغَل بأيديهم، حتى وإن استخدموا بعض العمالة المستقدمة للمساعدة والتحضير الأولي، أو لرفع الطاقة الإنتاجية لتلبية الطلب.
أما الصناعة فهي عملية تحويل المادة الخام الأساسية منفردة أو مشتركة لمنتج جديد بمواصفات قياسية ومعايير محلية أو دولية لتسهيل عملية التصدير، وذلك عبر ألات وخطوط إنتاج آلية، بنظام خاص يرتبط بوزارة الصناعة أو الزراعة أو التعدين وغيرها وفق نوعية المنتج، مثل منتجات الأدوية والألبان والمياه الغازية والمواد الغذائية والبلاستيكية والمعدنية والإسمنت والتنقيب وقطع الغيار، وصناعة السيارات قريبا -بمشيئة الله تعالى- وغيرها، أو من إعادة تدوير المخلفات، أو بإنتاج مادة جديدة من عملية التدوير، حتى وأن كانت تلك المصانع تقوم بتشغيلها وإدارتها، أو إدارة بعضها في الغالب عمالة أجنبية.
لذا، قد يكون وضع جملة “صنع في السعودية” على تلك المنتجات الصناعية النصف آلية والآلية أقرب للصواب من وضعها على المنتجات اليدوية والحرفية، والمنتجات الأسرية.
نرحب بتعليقاتكم الهادفة، ومقترحاتكم البناءة على جميع المقالات والأفكار التي نطرحها، راجين أن تكون مفيدة ومحققة للمزيد من الطموحات والأحلام.
[1] تروي لنا رحلات الرحالة السابقين بالقوافل العديد من القصص والأحداث التي مرت بهم خلال مسيرتهم إلى الحجاز سواء أكانت للحج، أم للتجارة مع الشام.
[2] الحرف اليدوية في مكة المكرمة، ج 1، ج2. 1414هـ، د. ثروت سيد حجازي. جامعة أم القرى.
[3] راجع كتاب “ نشئت الصناعة في المملكة”.
[4] راجع التفاصيل بصحيفة مكة تحت عنوان “صنع في مكة” مشروع متعثر منذ 5 أعوام، بتاريخ 8 فبراير 2018م.
[5] راجع التفاصيل في فصل “النشاط التجاري” من الباب الثاني من كتاب “رجل المهمات الصعبة” ط 1، 1439هـ، 2018م. “نشئت الغرف التجارية بالمملكة“.
[6] راجع المجلد الثاني، ص (126-145) من كتاب “التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم” الشيخ محمد طاهر الكردي المكي، بإشراف د. عبد الملك عبد الله بن دهيش، ط 3، 1425هـ، مكتبة الأسدي، مكة المكرمة، وفصل النشاط الصناعي وجداول الصناعات في كتاب “رجل المهمات الصعبة” ط 1، 1439هـ، وكتاب “نشئت الصناعة في المملكة“.
[7] راجع هيئة تنمية الصادرات، تحت عنوان [“صُنع في مكة” و “صُنع في المدينة” خطوة لجعل المنتج الوطني الخيار المفضل للمستهلكين] بتاريخ 15 يناير 2023م، وصحيفة الرياض تحت عنوان (تحفيز الصناعات الوطنية بـ «صُنع في مكة» و «صُنع في المدينة») بتاريخ 21 رمضان 1444هـ، 12 إبريل 2023م.

