إبراهيم بن حسين جستنيه

همسة “الخُلُقُ العَظِيم”

شهد الله سبحانه وتعالى لحبيبه بحسن خلقه “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ” الأية (4) سورة القلم، شهادة لم ينلها أحدٌ سواه من خلقه صلى الله عليه وسلم.

      كلمة شاملة متكاملة، متضمنة كل معاني الخَلْقِ والجمال والكمال، والأخلاق والآداب والتواضع والتوازن، والحكمة والعلم والمعرفة، بما يُوحي له به، أو يُعلمه إياه -سبحانه وتعالى.

      أنزل سبحانه وتعالى عليه القرآن بالتدريج وعلى مراحل مختلفة، وفق ظروف معينة، وفي مناسبات محددة، مع أنه قادر على أن يُنَزِّله دفعة واحدة، لكن الحِكَمَ والعِبَرَ من ذلك كثيرة، منها، حتى نتمكن من حسن الفهم، ونتعلم الصبر، ونستوعب ما نتعلمه، وندرك ما نقرؤه، ونتيقن من إجادتنا لما تعلمناه، ونتعلم أن الحياة مراحل علم وتعلم، ودراسات وأخلاق، وآداب مختلفة المستويات، متنوعة المقامات، متعددة الأشكال، ومهما تعلم المرء منا، يظل من هو أعلم منه.   

      “أدَّبني ربي فأحسن تأديبي” وفي رواية أخرى [إنَّ اللهَ أدبَني فأحسنَ تأديبي ثمَّ أمرني بمكارمِ الأخلاقِ فقال (خُذِ الْعَفْو)[1].

شهد له سبحانه وتعالى، وأدبه، وأمره بمكارم الأخلاق، فكان قدوتنا الحسنة، ومرشدنا للطريق القويم، وهادينا للصراط المستقيم، وشفيعنا يوم الدين، وساقينا من الحوض قبل دخول الجنة -بمشيئته سبحانه وتعالى- وقائدنا لرؤية الخالق العظيم.

علم -عليه الصلاة والسلام- أسلافنا اليقين بالله وحده، وحسن الخُلُق والأدب والتأدب، والرحمة والتراحم، وفعل الخير، وكل ما يرضي -الله سبحانه وتعالى- وأسلافنا -يرحمهم الله جميعاً- علموا أجدادنا، وتوالى تعليم الأجداد للأبناء والأحفاد على نفس النهج تقريباً، رغم ما طرأ على نمط الحياة من متغيرات زمانية ومكانية.

عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال (كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدِه، فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّتِه). متفق عليه.

لقد حان دورنا لنراعي تطبيق قوله صلى الله عليه وسلم، ونعلم أبنائنا وأحفادنا ما تعلمناه منهم، وخلاصة ما نتعلمه من حياتنا، ونُفْسِحَ المجال لهم ليتعلموا بأنفسهم أشياءً أخرى من الحياة، رغم الفارق الشاسع بين مراحل الحياة، خاصة مع ما نعاصره من متغيرات كثيرة، وتغيرات متنوعة، وتقلبات متضاربة في شتى مناح الحياة الاجتماعية والمجتمعية، وردعاً للدعوات المضللة، والنظريات الهدامة، والأفكار المزيفة، التي تنتشر بشكل مخيف على وسائل التواصل المتعددة دون إمكانية السيطرة عليها، بين ما كان، وبين ما يكون، ومع ما يحدث على أرض الواقع، الذي يقف أمامه الكثير منا مستسلمين، أو متقاعسين، أو عاجزين عن أن يقول أحدنا كلمةً تريح نفسه، أو ترضي ضميره، على أقل تقدير. 

أُسَرُنا وعائلاتنا أمانة في أعناقنا، سنسائل عما قدمناه لها يوم الحساب مهما كانت الظروف الاجتماعية والمجتمعية والبيئية، حتى وإن تذمر البعض منهم، أو تململ أو تجاهل بحجة أنه هو المحاسب عما يفعل، ولست أنت.

لن تُقبل أعذارنا، ولن نَخْلُوَ من المساءلة، أو المعاقبة إذا أهملنا، أو تكاسلنا، أو اختلقنا الأعذار لأنفسنا.

يجب علينا إسداء النصح لكل فرد منهم، وحسن التوجيه بالتي هي أحسن، وإن تَطَلَّبَ الأَمْرُ أحياناً شيئاً من الجدية أو الصلابة، مع المحافظة على أن يظل الخيط مرناً بين الطرفين دون أن ينقطع، تأسياً بقول سيدنا علي -كَرَّم الله وجهه- (لا تجبروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم) وهذا فيما لا يخالف الشريعة والأخلاق الحميدة والعادات الحسنة، والتقاليد المحبذة، والقيم النبيلة -وفق المفهوم العام-   

الأدب والتَّأديب والأخلاق الحميدة والتعلُّم المستمر، من أهم الركائز الأساسيَّة للاقتداء بسيد البشرية، وللحياة الكريمة، ولها دور هام جداً وتأثير فاعل في بناء شخصيَّة الإنسان ونضجه بشكل عام، وهم جزءٌ من التجارب الشخصية في معترك الحياة، وخاصة المعاصرة.

فتأديب النفس، والمقدرة على قيادتها الحسنة، ومواصلة التَّعَلُُّّم والبحث والاطلاع، والتحليل والفهم الجيد منهج طويل، وفصول عديدة، لا تقتصر على مرحلة عمريَّة معينة، أو طبقة اجتماعيَّة خاصة، أو مستوً محدد من الثقافة والمعرفة، أو فئة معينة من البشر، بل هي معركة اجتماعية واسعة، ودوافع مجتمعية متنافرة، ومتتالية في حياتنا منذُ الطفولة وحتى لقاءه -سبحانه وتعالى.

لا عيب ولا عار في أن يتعلم الإنسان منا ممن هو أصغر أو أكبر منه سنناً، أو علماً أو معرفة، فالعلم والأدب والمعرفة لا حدود لمصادرها، ولا حصر لنوعياتها.

لذا على المرء منا أن يعلم حق اليقين، بأنه مهما تعلم، أو بلغ منزلة من الأدب والحكمة على اختلاف أوجهها ومصادرها، أن هناك من هو أفضل وأكثر منه، فلا يغتر بشهاداته الورقية، ولا بمكانته الاجتماعية، ولا يتكبر بماله وحسن حاله الظاهري، ولا يستنكف من التواضع، ولا يستعلي على التراحم وتبادل المحبة مهما بلغ من المعرفة، أو العلم، أو الجاه والعيال.

ولنا عبرة من قصة (أهل الكهف) عندما سؤل النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عنها، دون أن يقول (إن شاء الله) فتأخر عنه الوحي، حتى نزلَ قوله تعالى {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا* (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا* (24)} سورة الكهف.

هكذا، أرشدنا -سبحانه وتعالى- بضرورة تقديم المشيئة عند العزم على فعل عمل ما، صغيراً كان، أم كبيرا.   

      اللهم أرزقنا علماً نافعاً يقربنا إليك، وأخلاقاً حميدة ترضى بها عنا يا الله، ومحبة في الدنيا والآخرة، وحسن أدب في كل أعمالنا وتعاملاتنا، وأكرمنا بجميل التأدب في جميع تصرفاتنا، وأنعم علينا بفضلك الذي لا حدود له، وجُدْ علينا بحب حبيبك ومصطفاك سيد الأولين والآخرين، واجعلنا برفقته للتمتع برؤية وجهك الكريم. والحمد لله رب العالمين.


[1] الراوي: عبدالله بن مسعود. المحدث: محمد بن محمد الغزي. المصدر: إتقان ما يحسن الصفحة أو الرقم: 1/52. التخريج: أخرجه السمعاني في (أدب الإملاء) ص (5) باختلاف يسير. العفو عند المقدرة من مكارم الأخلاق.


 [IJ1]

 [IJ2]

6 ردود على “همسة “الخُلُقُ العَظِيم””

  1. جزاك الله خير أستاذ إبراهيم
    مقال جميل
    زادك الله من فضله ونفع الله بكم وبعلمكم

  2. صح لسانك باشمهندس ابراهيم بن حسين جستنية وصح بدنك واطال الله عمرك وبارك فيه مقالة متميزة ورائعة جدااا ومعلومات قيمة جدااا وجزاك الله خيرااااا

  3. جزاك الله الف خير المهندس أخ ابراهيم على أطروحاتك الجميلة والرائعة والهادفة جعلها الله في ميزان حسناتك

  4. احسنت في الطرح وجزاك الله خيرا لتذكيرنا بفضل سيد البشر وأدبه وأخلاقه وشمائله نسأل الله ان يشفعه فينا ويجمعنا على حوضه صلى الله عليه وسلم

التعليقات مغلقة.