إبراهيم بن حسين جستنيه

همسة “صفحة جديدة”

بمشيئة الله تعالى- مع غروب شمس يوم الخميس 30/12/1446هـ، وهو أحد الأيام المستحب صيامها، تنطوي آخر صفحة من هذا العام بكل ما كان فيه من آلام ومسرات، أخطاءٍ وتوسلات، رجاء واستغفار، آمالٍ ويقين، أتمنى أن يكون آخرها سعادة وتقرب لله سبحانه وتعالى.

      في نفس الوقت نستقبل عاماً هجرياً جديداً 1447هـ، لا تزال صفحاته ناصعة البياض متشوقة للأعمال الصالحة.

أتمنى على الجميع أن نختتم هذه السنة، ونفتتح السنة الجديدة بشيء من الطاعات التي تزيدنا تقرباً -لله سبحانه وتعالى- مثل الصدقة أو الدعاء أو اللجوء له في السحر، أو الصيام التطوعي، وغيرها من النوافل، وأن يواصل جهوده من فاز منا بشيء من فضائل الليالي العشر، أو يوم النحر، أو يوم القر[1]، أو أيام التشريق، أو الأشهر الحرم، أو غيرها من النفحات الإلهية خلال الأيام الماضية، ولا تنسونا من الدعاء، وخاصة في السحر.

لعل شيئاً من تلك الطاعات يكون حافزاً لنا على مواصلة التقرب -لله سبحانه وتعالى- والتعرض لهبات نفحاته، وطلب العفو منه عما مضى، والرحمة فيما جرى، والنجاة مما يجري، واللطف فيما سيأتي.

نسأله أن يبارك لنا، ويزيدنا هداً، ويكرمنا بجزيل شكره ومحبة حبيبه ومصطفاه، على كل نعمه التي نعلمها -وما أقلها- والتي لا نعلمها -وما أكثرها. {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ*} الآية (18) سورة النحل

      نسأل الله الكريم أن يعيد العام الهجري علينا وعليكم وعلى جميع المسلمين أعواماً عديدة في أمن وأمان، وسلم واطمئنان، وصحة وعافية في العقول والقلوب والأبدان.

      والحمد لله والصلاة والسلام على الهادي البشير إلى يوم نلقاه.


[1] يوم “القر” هو أول أيام التشريق، اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة، وسمي بهذا الاسم لأن الحجاج يستقرون في منى بعد أداء شعائر يوم النحر. ويعد من أعظم الأيام عند الله، وثاني أعظم الأيام بعد يوم النحر. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر. رواه أحمد وأبو داود والحاكم

همسة “أشياء من الماضي الباقي”

هل يبقى الماضي!! أو شيئاً منه!! وكيف يمكن ذلك!!

خلق الله سبحانه وتعالى الكون بما فيه، وضح الشرائع، وفَصَّلَ المُحرمات، وبين الحقوق والواجبات، ونَظَّمَ المسؤوليات، وسن القوانين الرئيسية التي تضمن سير الحياة الطبيعية، وترك المجال مفتوحاً للإنسان في الأمور الدنيوية، ليضع لها نظاماً أو أنظمة خاصة تتغير وفق المتغيرات الزمانية والمكانية، دون تخطي تلك الحدود التي وضعها سبحانه وتعالى.

       الذكرى الطيبة، والأعمال الصالحة، والقدوة الحسنة، والذرية الصالحة كلها أشياء تبقى حتى في غياب صاحبها أو بعد رحيله عن هذا العالم.

ولكي تبقى تلك العناصر صامدة، تحتاج فقط لأهم شيء في الحياة، وأفضل شيء في الوجود، ألا وهو -مخافة الله عز وجل- في السر والعلانية، ومحبة سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة والتسليم، والأخلاق الحميدة المقترنة باليقين وحسن الشكر.

أما العادات والتقاليد والأعراف، فهي قواعد بشرية عامة، والقيم مناهج أخلاقية مجتمعية تعارفت عليها معظم شعوب دول العالم منذ العصور السابقة.

أقر بعضها ديننا الإسلامي الحنيف، وأنكر بعضاً منها، ويحثنا على بعضٍ آخر، توارثتها الأجيال مع القليل من المتغيرات المتوافقة مع كل عصر دون ضرر ولا إضرار.

       تتابعت عليها مجدداً خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة تقريباً الكثير من المتغيرات السلبية في دول العالم الملقب بالمتحضر، وانتقل بعضٌ منها لبعض من الدول الأخرى التي تسعى لمسمى الحرية المزيفة دون تدبر ولا حسن تفكير.

       الإنحدار الأخلاقي كان الأكثر تغيراً فيها، يسعى الكثير من المتطرفين لنشره كالهشيم في القش في كثير من دول العالم دون أن نَسْلَمَ منه، إلى جانب المزيد من السلبيات، مع جهادهم المرير لنبذ الكثير من تلك العادات والتقاليد والأعراف القديمة والجيدة ووصمها بصفات سيئة، لتحقيق أهدافه السيئة، وخططه الدنيئة نحو إفساد الأخلاق، والبعد عن التعاليم الدينية، والحياة المجتمعية النقية والعفيفة.

       تختلف كل من العادات والتقاليد والأعراف عن القيم ومنهجها الرئيسي القويم، سأحاول فيما يلي شرح بعضِ المعاني، أو توضيح مفهوم تلك الكلمات القليلة الأحرف، الواسعة الأهداف، المتنامية المفاهيم، المليئة بالمحبة والتكافل الاجتماعي والتقارب المجتمعي، أيد سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأجل التسليم الحسن والمحبذ منها، ونبذ السيء، واستبعد المخالف.

تُولَدُ العادات والتقاليد من ثقافة المجتمع ولا تظهر كلها فجأة، بل تنشأ تدريجيا في المجتمع نتيجة للظروف الزمانية والمكانية والمجتمعية.

الصواب منها أو المحبذ منها يخضع لمنطق التفكير، وحسن التدبر، ويحظى بالاقتناع والقبول من ذوي العقول النيرة، والسيء منها يفتقر للحجة والمنطق، ولا يستند لدراسة بناءة، بل ينتج عن توجهات لا أخلاقية، وأفكار سيئة، وطرق مُغْرِضة تسعى لمسايرة حالة اجتماعية معينة في ظروف متقلبة لنشر أفكار هدامة.

العادات: العادة هي ذاك السلوك أو التصرف المتكرر الذي يمارسه الإنسان بطريقة تلقائية أو تقليدية أو توارثيه حتى أصبح جزءاً من عقيدته أو ثقافته المعيشية العامة، بعضها فردى وآخر جماعي، وشيء منها شخصي، منها الحسن أو المقبول ومنها السيء والمنبوذ.  

       أياً كانت حالتها فلها دور فعال في حياتنا إيجابي تارة، وهذه محمودة، وسلبي تارة أخرى وهي منبوذة لتأثيرها المباشر أو الغير مباشر على بقية الأفراد وصولاً للمجتمع.          

لقد تسللت بعضٌ من تلك التصرفات أو الأقوال الغير حسنة لمجتمعنا خلال مراحل التغيير التي تَمُرُّ بها أمتنا الإسلامية.

       حرص أولئك النفر على ترسيخ المشين منها في أذهان ضعفاء العقول، أو نسبتها للإسلام بأساليب عجيبة، وروايات دخيلة وهو براء منها، لتظل الشوكة المؤلمة في كل حركة، تحذرنا بقرب الخطر، بينما هي ذاك الخطر الكبير الذي ينتشر في مجتمعنا دون أن نتداركه قبل فوات الأوان.

       لذا علينا أن نستوعب مكامن خطر هذه العناصر السلبية ونترفع بأنفسنا عن العيش في حياة عشوائية غير منظمة وخاضعة للظروف المتقلبة وفق الأهواء والمصالح، وأن نحدد لأنفسنا هدفاً أو أهدافا بنَّاءة نسعى لتحقيقها معاً، وطموحات متنوعة وبناءة نتسابق لاكتسابها، ونجعل من عثرات الحياة وأخطاء الماضي عتبات توصلنا لأحلامنا مهما كانت صعبة أو بعيدة.

       نملأ حياتنا بالحب المتبادل بيننا، ونتسم بحسن الخلق في مسيرة حياتنا وسلامة تعاملاتنا ونظافة أفعالنا، ونحرص على تجنب كل ما لا يتوافق مع قيمنا الإسلامية وعاداتنا الحسنة ومبادئنا القيمة، ونسعى جاهدين للتشبه بسيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم.

الأعراف: جمع كلمة عُرْفٍ، وهو اصطلاح لأعمال أو أفعال حسنة تحقق المصلحة العامة العملية او التطبيقية أو المجتمعية، أو هم معاً، وغير مخالفة للآداب الشرعية.

إعتاد على فعل ذاك العرف الناس، من قول أو فعل أو عمل بين الأفراد أو في المجتمع، وأَلِفَتْهُ نفوسهم، وتوارثوه عبر الأجيال.

اتفق السابقون على فعله بعد استحسان نتائجه فأصبح أقرب ما يكون عاماً وشاملاً وثابتاً نسبيًّا، طالما استخدم بطريقةٍ سليمةٍ، ولأهدافٍ نيلة، وقد لا يخلو من السلبيات فيتجنبها.

       قد تختلف الأعراف الحسنة وطريقة التعامل بها من مدينة أو دولة لأخرى، وقد تتوافق بعضٌ منها مع أعراف جهة أو جهات أخرى، لكن أهدافها في جميع الأحوال مشتركة وبناءة. وهذا أحد أسباب توارثها بين الأجيال حتى عصرنا الحاضر.

التقاليد: هي مجموعة من أعمال سابقة ناتجة عن الحكمة والخبرة، متوارَثة أصبحت جزءاً من عقيدة ذلك المجتمع، تُمارس أو تُطبيق بين أفراده، ولا تزال سارية المفعول منذ زمن سابق حتى أصبحت شيئاً طبيعياً في حياته، والخروج عنها يعتبر شيئاً مَعِيباً أو غير صحيح. 

       قد تختلف التقاليد المحبذة وطريقة تطبيقها والتعامل بها من شعب أو مدينة، أو من دولة لأخرى، وقد تتوافق بعضٌ منها مع أعراف جهة أو جهات أخرى، لكن أهدافها في جميع الأحوال مشتركة وبناءة. وهذا أحد أسباب توارثها بين الأجيال على مر العصور.

       هذه التقاليد الحسنة، تجد موجة كبيرة من الهجمات الهمجية من قبل المتبرمين من الآداب والأخلاق الفاضلة التي تعتبر من أساسيات الدين الإسلامي.

القيم الأخلاقية: هي فضائل -أعمال يؤديها الشخص طوع إرادته، كالكرم والأدب في كل شيء، واحترام الآخر وغيرها- ثابته منذ الأزل عند الكثير من الشعوب وفي كل الأعراف والأديان والثقافات السابقة، وهي قيم عظيمة ما تقيد بالحد الأنى منها وبها شعب أو أمة إلا وأصبحت لها حضارة واسعة، ومجد عظيم، وما تخلى عنها فرد أو شعب إلا وهبط لأرذل السافلين.  

الخلاصة: أن كل مفردات تلك القيم والعادات والتقاليد والأعراف، يجب أن تكون إيجابية، ولا تخالف المبادئ الشرعية ولا الأخلاق الحميدة، وتحقق المنفعة العامة، والأعمال النبيلة، وعلى كل فرد ومجتمع أن يتمسك بها، وألا يقبل بأي شكل من الأشكال ما قد ينسب أو يضاف إليها من المشينة مهما كان ظاهرها مغريا. 

همسة “التهنئة بعيد الفطر المبارك لعام 1446هـ”

إخواني وأخواتي الكرام

       الحمد لله، متعنا بشهر الصوم وما فيه من الفضائل، ورزقنا ليلة القدر، وهذا عيد الفطر يلوح بزوغ هلاله بعد ساعات قليلة.

نسأل الله الكريم أن يكون قد قبلنا، وتقبل منا الصيام والقيام وطلب الرحمة والرضوان، وأن يكون راضياً عنا، وأن يجعلنا بالوالدين رحيمين راضين ومرضيين، وللمسلمين داعين، وأن يديم علنا حسن توفيقه، والمزيد من شكره والثناء عليه.

فهنيئاً لنا جميعاً على هذه النعم العديدة.

والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله إلى يوم البعث.

كل عام وأنتم في أتم الصحة والسعادة والرضا من الحي القيوم

همسة ل “وتزودوا”

مدافع شهر الرحمة والغفران

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله حتى يرضى الله.

أشكر المنصة الثقافية والقائمين عليها ومقدمي برنامج “وتزودوا” على اتاحة هذه الفرصة السعيدة لنلتقي معاً في هذه المناسبة السعيدة من شهر رمضان لعام 1446هـ، لنسترجع معاً القليل من الذكريات الجميلة القديمة التي كانت تحدث عند بزوغ هلال شهر الرحمة والرضوان.

كانت تحيط بالمسجد الحرام حتى بداية عام 1375هـ، (13) حي أو حارة ببرحاتها وأزقتها ومنعطفاتها الكثيرة، يقطنها أهالي مكة المكرمة وضيوفهم الكرام من الحجاج والمعتمرين والزائرين والمقيمين.

كان منزل الولد يرحمه الله في شارع المسعى أمام باب السلام الكبير.

تمعن في الصورة الخلفية وتجول فيها بخيالك لتعيش تلك اللحظات الروحانية الجميلة، والسعادة الطفولية العجيبة التي كنا نستشعرها آنذاك.  

الصورة منقولة مع التصرف للتوضيح والتخيل. المسعى المدخل الظاهر في الواجهة هو الشارع الأول من سويقة في اتجاه المروة، قبله باب السلام الكبير، وأمام باب السلام يقع منزل الوالد -يرحمه الله- حيث كان التجمع

لم يكن في زماننا جوال ولا إنترنت ولا دش ولا تليفزيون ولا حتى مذياع (راديو) إلا عند القلة من الأثرياء وبعض المسؤولين في الدولة، حتى الكهرباء لم تكن متوفرة إلا في المسجد الحرام ولدى القليل من الأثرياء، ثم المسعى، ثم بدأت في بعض المحلات التجارية لفترة ما قبل المغرب وحتى بعد صلاة العشاء.

الحمد لله- يمن علينا بصيام هذا الشعر الفضيل وقد بلغنا من العمر عتيا.

       عندما كنا أطفالاً، كانت الدنيا لا تسعنا من الفرحة والسعادة عندما نسمع المدافع تطلق (21) طلقة معلنة دخول شهر السعادة والحنان.

       ننزل في مجموعات لشارع المسعى نهلل ونكبر، يردد الفريق الأول النصف الأول من هذه الأنشودة، ويجيب عليه الفريق الثاني بالنصف الثاني منها

هَلِّ هلالك يا رمضان            #     يا شهر المحبة والغفران

هَلِّ هلالك يا رمضان            #     يا شهر السعادة والإحسان

هَلِّ هلالك يا رمضان            #     يا أبو الشربة والقدحان

هَلِّ هلالك يا رمضان            #     يا مصلح النفس والإنسان

       نتجول في أزقة الحارة مرددين ذلك والسعادة لا تسعنا، كل أبناء حارة في حارتهم

إذا كان شعبان كامل تنطلق المدافع قبل الغروب بساعة تقريباً، وإذا لم يحسم، نظل ننتظر انطلاقها بفارغ الصبر.

       أصبحت تلك المدافع في عالم النسيان، وتلك الأحياء داخل توسعات المسجد الحرام.

       أتمنى للجميع صياماً مقبولاً وسعادة وصحة وحسن شكر.  

تمت إذاعتها ونشرها بدون الصورة على المنصة الثقافية وبقية المنصات الإلكترونية الأخرى يوم 26/09/1446هـ، 26/03/2025م، ليلة 27/09/1446هـ.

تم نشرها في الموقع يوم 27/09/1446هـ، 27/03/2025م.

همسة “ليلة القدر”

يتمز شهر رمضان المبارك بجمع العديد من المكرمات والفضائل، كغزوة فتح مكة المكرمة، وغزوة بدر، ونزول القرآن، وليلة القدر.

       قال تعالى {شهر رمضان الذي أنـزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان*} الآية (185) سورة البقرة.

قال تعالى {إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ* (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ* (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ* (5)} سورة القدر.

وعنْ السيدة عائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عنْهَا، قَالَتْ[1] [كانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجاوِرُ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رمضَانَ، ويَقُول “تحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ”] متفقٌ عَلَيْهِ.

نزول القرآن وليلة القدر من أكثر الفضائل والمكرمات التي اختص -الله سبحانه وتعالى- بها هذا الشهر الفضيل.

هو فرصة استثمارية كبيرة جداً خصنا بها الكريم لنعود إليه، ونسأله من فضله وكرمة بما هو أهل له، وهو سبحانه وتعالى في غناً عنا، لكنه رؤف رحيم، يؤجل العقاب ويمنح الفرص للتوبة والعودة للصواب.

لم يبق لنا عذر، ولا ذريعة لنكون بعيدين عنه بعد كل هذه العطايا والمنح الإلهية.

انقضي نصف الشهر، فهيا بنا يا أخواتي وإخواني ندرك الباقي قبل أن يرحل، نجمع الصغار والكبار ونقف جميعاً بين يدي الكريم، نطرق بابه مستعينين به، متيقنين من عفوه، مستجيرين بشفيعه، نسأله من فضله أن يجود علينا بحبه ومحبته ومحبة حبيبه، ولا نغادرها حتى يأذن لنا بالقبول والدخول، وشرب الماء من الحوض بيد شفيعه وحبيبه صلى الله عليه وسلم حتى يرضا.  

وكل عام وأنتم في أتم الصحة والعافية والسلم والسلامة.


[1] لها رضي الله عنها عدة أحاديث في ذلك. راجع الأحاديث.

همسة “شهر القرآن والغفران”

قبل بضعة أشهر، ودعنا شهر التسامح والمحبة والسعادة ونحن واثقين من كرمه وقبوله -سبحانه وتعالى-

خلال أيام قليلة قادمة -بمشيئة الله تعالى- سنستقبل رمضان آخر، إذا قسم الله لنا فيه أجلاً، بعد أن أمضينا بضعة أشهر من سنته، سيكون فرصة جديدة، ومنحة إلهية عظيمة لنا وقد بلغنا من العمر عتيا.

يعود علينا رمضان المبارك هذا العام 1446 هجريه ونحن بفضله تعالى ننعم بالصحة والعافية وحسن الشكر، وقد تعلمنا أشياءً كثيرة من الحياة، واكتسبنا بعضاً من المعلومات والخبرات المتنوعة، ومرت بنا العديد من التغيرات الحسنة والمحبة المتبادلة، والمتغيرات المتنوعة، وتجاوزنا كماً جيداً من الهفوات والمواقف الصعبة بثقة في -الله سبحانه وتعالى- ومدد منه.

فهياً بنا معاً يا أخواتي وإخواني، يساند بعضنا البعض، نستثمر نهاره بالذكر وتلاوة القرآن، وجمع أهل الدار والصلاة بهم جماعة حتى يتعلم الصغار من أفعال الكبار، والسعي في أوجه الخير، وفي العديد من الاشياء الجميلة والتخطيط القيم، وصيامه إيماناً واحتسابا، وإشعاع ليليه بكثرة التقرب -لله عز وجل- وإقامة صلاتي التراويح والقيام، وكثرة السجود والتضرع له سبحانه وتعالى، ونكون عبيداً شاكرين، به مستجيرين، وبحبيبه مُشَفَّعِين، وعلى هديه سائرين، وفي عفوه وكرمه طامعين.

تذكرت بعض العبارات القديمة التي كنا نرددها في طفولتنا ليلة بزوغ هلاله علينا:

   هل هلالك يا رمضان    #      يا شهر المحبة والغفران

هَلِّ هلالك يا رمضان        #      يا شهر السعادة والإحسان

هَلِّ هلالك يا رمضان        #      يا أبو الشربة والقدحان

هَلِّ هلالك يا رمضان        #      يا مصلح النفس والإنسان

أهلاً وسهلاً ومرحباً بك يا أعز ضيف، وأفضل شهر، وكل رمضان والجميع في خير وصحة وعافية، وصلاح حال، وراحة بال، واطمئنان نفس، وصدقِ يقينٍ في العزيز العليم.

نسأله تعالى أن يوفقنا لإصلاح كل ما اعوج من أمورنا، وأن يبارك لنا في ما يعطينا، وألا يكلنا لسواه، وأن يبارك لنا وعليا وفينا، ويرزقنا الذرية الصالحة. 

والحمد والشكر -لله- حتى يرضا، والصلاة والسلام على حبيبه ومصطفاه إلى يوم اللقاء على الحوض.

همسة “رسالة إبداع” 2

إخواني وأخواتي الأعزاء                               يحفظكم الله

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته 

أنتهز فرصة قرب بزوغ هلال شهر الرحمة والقران، لأقدم لكم أخلص التهاني وأطيب الأماني، سائلاً المولى أن يعيننا على صيامه وقيامه، وأن يتقبله منا بعفوه وكرمه، وأن يعيده علينا وعلى جميع المسلمين بخير وعافية وسلام وأمن وأمان.  

إلحاقاً لرسالتي الأولى قبل أيام، بخصوص فكرتي الجديدة عن إهداء أو تبادل الكتب الفائضة عن حاجتك لينتفع بها الآخرون.

أضيف أنه في حالة عدم توفر كتب فائضة لديك، فيمكنك أن تُهدي بعضاً من مؤلفاتك أيضاً لو كنت كاتباً أو مؤلفاً، مساهمة منك في تعزيز الفكرة ونشر العلم والثقافة، فالعلم بحور عميقة لا يمكن لأحد من البشر أن يستوعبها مهما كان عالماً أو مثقفاً أو متعلما، قال تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا*} الآية (85) سورة الإسراء.

بإمكانك إرسال مندوب لاستلام الكتاب الذي تختاره من القائمة -ما لم يكن قد نفدت الكمية الموجودة.

أكرر جزيل شكري، ولا تنسونا من دعواتكم، وخاصة في السحر وفي المناسبات.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين إلى يوم الدين 

أخوكم المستشار إبراهيم حسين جَسْتَنِّيَه

18-  تراث مكة المكرمة في القرن (14هـ) عبد الله محمد أكبر. ط2، 1430هـ، 2009م (1-2)*.

 19- الآثار المكية من خلال مدونات الرحالة والمغاربة والأندلسيين. القرن (6-10) دراسة تاريخية وصفية. د. إبراهيم عطية السلمي.

20-  السدانة (الحجابة) للكعبة المعظمة قبل الإسلام. دراسة تاريخية حضارية.

       د. أحمد محمود صابون، د. رشاد محمود بغدادي.

21-  النقود المتداولة في مكة في العصر العثماني حتى نهاية القرن (12هـ، 18م).

       د. أحمد محمد يوسف.

22-  الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في مكة*. د. سامح إبراهيم عبد العزيز.  

23-  الإثنينية مرور (25) عاماً. 1403-1428هـ، (1-10)

24-  الإثنينية 1429هـ، 2008م، (1-2)

25-  الإثنينية 1432هـ، 2011م، (1-2)

26-  مشواري على البلاط، عبد الله عبد الرحمن الجفري، ج 8.

27-  الأعمال الكاملة للأديب عبد الله عبد الرحمن الجفري ج 7.

28-  المنتديات والأندية الأدبية في المملكة. عبد المقصود محمد سعيد خوجة

29-  الغربال، تفاصيل عن حياة الأديب محمد سعيد عبد المقصود خوجة. حسين عالق الغريبي، ج 2.

همسة “رسالة إبداع”

إخواني وأخواتي الأعزاء                                    يحفظكم الله

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته 

منذ الطفولة ونحن نهوى جمع أنواع الطوابع الدولية والمحلية والصور الشخصية والتذكارية، وكنا نتبادل الفائض منها بمحبه ووفاء، وطرق تقليدية.

توقفنا عن تلك الهوايات الجميلة والمفيدة مع مشاغل الحياة الطويلة والتي لا تنتهي.

اليوم وبمناسبة قرب انتهاء شهر شعبان الفضيل، وبعد تجارب عديدة، وخبرات متنوعة طويلة، ونِعَمْ لا تحصى ولا تعد من الكريم.

أَوَدُّ أن ابتدع لكم فكرة جديدة لم يسبق لأحد أن فعلها أو طرحها. فكرة طازجة، وهي عملية إهداء وتبادل الكتب الفائضة عن حاجتك لينتفع بها الآخرون[1] وتكون صدقة جارية لك إلى يوم القيامة.

لقد سبق أن كتبت عن موضوع الكتب والمكتبات عدتْ مقالات وقدمت بعض المقترحات، لا يزال بعضها في موقعي الإلكتروني، منها (لعشاق مكة المكرمة، طلب إنقاذ، سرور وسعادة) وغيرها، وطرحت فيها العديد من المقترحات.

كخطوه أوليه يمكن إعداد قائمة بأسماء الكتب الفائضة ومؤلفيها وتعميمها على الأصدقاء، أتمنى أن ينتفعوا منها بدلاً من هجرها أو تركها للفئران والآرضة.  

جزيل شكري وأطيب تحياتي وتمنياتي لكم، ولا تنسونا من دعواتكم، وخاصة في السحر وفي المناسبات.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين إلى يوم الدين 

أخوكم المستشار إبراهيم حسين جستنيه


[1] سواء أكنت مكررة، أو لم تعد تحتاجها، أو مكتبة لم يعد لها مكان في قلبك. يمكن أن تسقر في قلبٍ حنون، وقارئ بارع.

همسة “رسالة إبداع”

قائمة بأسماء الكتب الفائضة ومؤلفيها

القابلة للإهداء أو التبادل لحين نفاد الكمية

01-  جامع المصطلحات (القضاء العام والخاص، الفني والهندسي، الاقتصادي)

       المهندس الاستشاري/إبراهيم حسين جستنيه

02-  الوسائل البديلة لحل الخلافات قبل القضاء. الاستشاري/إبراهيم حسين جستنيه.

03-  التحكيم والخبرة الهندسية والفنية. المهندس الاستشاري/ إبراهيم حسين جستنيه

04-  تاريخ القضاء والقضاة في العهد السعودي (1344-1416هـ)* عبد الله محمد الزهراني. ط1، 1418هـ،

05-  الفواكه العدلية في المسائل المفيدة. الشيخ أحمد بن محمد التميمي الحنبلي (1-5).

06-  فهرست مخطوطات مكتبة الحرم المكي الشريف. (1-12)

07- الآجُرْ بمكة المكرمة. د. عدنان محمد الشريف، د. ياسر إسماعيل صالح.

08-  نيابة الأمير فيصل العامة في الحجاز. د. شيخة صالح شعيب

09-  غسيل الكعبة المشرفة في العهد السعودي. د. فهد عتيق المالكي

10-  المشاعر المقدسة عبر العصور. د. أميرة علي مداح ومجموعتها.

11-  قراءة في تاريخ أنظمة الحج والعمرة في صحيفة أم القرى. د. إيناس خلف الخالدي، د. محمد سعد الرحالة.

12-  المراسم والأوامر الملكية في رعاية مكة المكرمة والمشاعر المقدسة في العهد السعودي. إبراهيم عطية الله السلمي.

13-  الإضاءة في الحرمين الشريفين منذ ظهور الإسلام حتى نهاية العصر المملوكي. د. صالح محمد الربعي.

14-  الموارد المالية لأمراء مكة المكرمة في العصر المملوكي. د. محمد هزاع الشهري.

15-  الطوافة منذ بداية القرن الثاني عشر الهجري إلى بداية العهد السعودي. د. عواطف محمد نواب.

16-  إفادة الأنام بذكر أخبار البلد الحرام مع تعليقه المسمى بإتمام الكلام. الشيخ عبد الله محمد الغازي المكي الحنفي. (1-7)*.

17-  التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم. الشيخ محمد طاهر الكردي المكي. بإشراف د. عبد الملك بن دهيش. ط3، 1435هـ، 2004م. (1-6)*

* نفدت الكمية.

18-  تراث مكة المكرمة في القرن (14هـ) عبد الله محمد أكبر. ط2، 1430هـ، 2009م (1-2)*.

 19- الآثار المكية من خلال مدونات الرحالة والمغاربة والأندلسيين. القرن (6-10) دراسة تاريخية وصفية. د. إبراهيم عطية السلمي.

20-  السدانة (الحجابة) للكعبة المعظمة قبل الإسلام. دراسة تاريخية حضارية.

       د. أحمد محمود صابون، د. رشاد محمود بغدادي.

21-  النقود المتداولة في مكة في العصر العثماني حتى نهاية القرن (12هـ، 18م).

       د. أحمد محمد يوسف.

22-  الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في مكة*. د. سامح إبراهيم عبد العزيز.  

همسة “تَذْكِير”

لله سبحانه وتعالى- في خلقه شؤون، فضل بعضهم على بعض، واختار بعضاً من بعضهم، وخص بعضهم بخصائص مميزة، توالى ذكر بعضها في الكتاب المبين، وبعضها في الأحاديث النبوية الشريفة.

       فضل بعض الأشهر، وبعض الليالي والأيام، وخصص بعضها بخصائص عجيبة.

       ساعات قليلة ويطل علينا شهر شعبان وهو ليس من الأشهر الحرم، إلا أن به العديد من الخصائص وردت في عدة أحاديث.

لا شك من أن أغلبنا يعرفها، لكن التذكير بها نفع مشترك، ومنافع شاملة، وعبادة خالصة، وطاعة مسلمة.

في هذه الوريقة، أحب أن ألخص بعضاً منها في نقاط، ويستحب فعلها لكسب المزيد من الأجر والثواب، فمنها:

01-  تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين.

02-  يغفل الكثير من الناس عن كثرة الطاعة والدعاء خلاله.

03-  يستحب صيام أكثر أيامه.

04-  يستحب إخراج الزكاة خلاله، أو التصدق تقرباً لله- ومساعدة المحتاجين والفقراء.

05- يفضل كثرة الدعاء في ليلة النصف من شعبان، وصيام يومها، وقيام ليلها.

06- يتجلى فيها سبحانه وتعالى على خلقه بعموم المغفرة، وشمول الرحمة، وإجابة دعاء السائلين، والتفريج عن المكروبين، ويعتق فيها جماعة من النار، ويكتب فيها الأرزاق والأعمال، ويكتب فيها على كل نفس ميتة تلك السنة.

07- شهد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. قال تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ*}. الآية (144) سورة البقرة

وقد صلّى المسلمون متجهين إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً وثلاثة أيام، وكان قدومه المدينة المنورة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول وأمره الله عز وجل باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان وهو المشهور بين العلماء.

08- الشهر الذى نزلت فيه آية الصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهى قوله تعالى {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما*} الآية (56) سورة الأحزاب

 09- كان صلّى الله عليه وسلّم يكثر صيامه، ويقول (أحب الصوم إلـي في شعبان) و (أحب أن يأتيني أجلى وأنا صائم).

10- عدم صيام يوم الشك، (آخر يوم من شعبان) هو اليوم الذي يُشَكُّ فيه هل هو من شعبان! أم من رمضان!!

اللهم كما بلغتنا رجب الحرام، فأكرمنا ببلوغ شعبان ورمضان، وزدنا يقيناً بك، ومحبة لحبيبك صلى الله عليه وسلم، والجميع في خير وأمان.

فضلاً يا إخواني وأخواتي، أكثروا من الحمد والثناء للواحد الأحد، ولا تنسونا من الدعاء.

نسأل الله العلي العظيم أن يتقبل من الجميع.

وكل عام ونحن وجميع المسلمين في خير وفضل كبير من الله تعالى.

همسة “الحنين للماضي والشوق للمستقبل”

تمضي بنا سنوات العمر ننتقل فيها من مراحل الطفولة لعدة محطات من الحياة المتنوعة، ومن فصول سنوات دراساتها المتدرجة حتى تقدمت بنا السنين، وبَلَغْنَا من العمر عتيا، ونحن في صحة وعافية وفضل كبير، ونعم لا تعد ولا تحصى -بفضل من الله سبحانه وتعالى- وقد ازددنا علماً، وحصدنا معرفة، واتسع فكرنا، واستوعب عقلنا العديد من الأحداث، وتنوعت الخبرات، وزادت الحنكة، وترسخت الحكمة.

كل يوم يمضي بنا نكون فيه أكثر فهماً ووعياً وإدراكا، وأوسع حنكة، وأدق حكمة.

اللهم علمنا ما ينفعنا في الدارين، وانفعنا بما علمتنا، ووفقنا لينتفع غيرنا مما تعلمنا.

مضت سنوات العمر تباعاً، ضعف خلالها القوي، واقترب البعيد، وتفرقت الجماعة، واشتعل الرأس شيبا، واكتست الذقن والشنب بياضا، وظهرت التجاعيد على جلد اليدين، واختل توازن القدمين، وضاقت الخطوة، ونحن في صراع مع مسيرة الحياة.

نبحث خلالها عن الأمان والصدق والوفاء، والابتسامة البريئة، والمحبة الصادقة التي كانت غالباً ما تغمر حياة أجدادنا وكان لنا منها نصيب، رغم ضعف إمكانياتهم، وقسوتها عليهم، وصعوبة معاملتها معهم، وأخذت تتلاشى من حياتنا تدريجياً كلما تعمقنا في عالم العولمة بعد أن ظهرت حقيقتها.

       نهيم في الحياة، وحولنا أبناؤنا وأحفادنا يملؤون علينا الحياة بهجة وسعادة، نسير معاً مع تطوراتها في حذر وتحفظ وانضباط بقدر المستطاع.

نواكب المسيرة بتوازن وحكمة، يرافقنا أحياناً بعضُ الأشقاء وبعضٌ من أبناؤهم، وقليلٌ من الأهل والأحباب والأصدقاء.

تارة نبحث بين سنوات عقودها عن قلوب نقية كقلوب الأطفال البريئة، التي تكاد تكون معدومة منذ أن حل علينا عصر التفكك الأسرى والحرية الزائفة، والدعايات الكاذبة، والشعارات الهدامة.

وتارة نبحث عن المحبة المتبادلة، والترابط الاجتماعي، والتكافل المجتمعي، والمسؤولية المشتركة، والقيم الضائعة، والعادات المحذوفة، والأعراف المنسية، والتقاليد المهجورة، والمبادئ المتناقضة.

وتارة أخرى نتمنى لو يعودَ بنا الزمان كما كان في عصرنا على الأقل، حياة مليئة بالمحبة المتبادلة والابتسامة العريضة، وهي طبعا لا تخلو من المتناقضات النسبية والتناسبية -سنة الخالق عز وجل في كونه-

كلما نظرنا حولنا في عصرنا الحاضر، يداعبنا الحنين للماضي البعيد، والأمس القريب، يؤرقنا الشوق الدفين بحثاً عما كان فيه من أيام جميلة قد انقضت ولن تعود، وسنوات طويلة قد انطوت وطوت معها أحداثاً كثيرة، وساعاتٍ عديدةٍ قد مضت.

كانت لا تغادرنا فيها الضحكات، ولا تنقطع خلالها الابتسامات، ولا تغيب عنها السعادة النسبية.

نشعر برغبة قوية وملحة، لو يعود بعضاً من تلك الأيام السعيدة دون قيود ولا مسؤوليات ولا هموم.

لكن، هيهات! هيهات!! فما يذهب من سنوات العمر بما حملته من أحداث متنوعة وحكايات مضحكة لن يعود.

إنما هي أمنيات الظمآن في الصحراء، المهرول نحو السراب.

كم يردد المريء منا بصوت مكتوم، وقلب مهموم ونفس ضائقة! وآهات طويلة! وشهيق عميق! وزفير شديد!!!! ليت تلك الأيام الخوالي، أو شيءٍ منها، يعود يوماً ما حاملاً بين طياته الكثير من تلك الذكريات الجميلة.

ما أجمل أيامها وما أحلى لياليها تلك! وما أكرم جيلها بعد -الله سبحانه وتعالى- عشنا لحظات فيها بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ بريئة، وكلمات عذبة، رغم ما كان فيها من قسوة وصعوبة.

ذاك لا يعني أننا لا نحب جانباً من الحياة المعاصرة وما فيها من تطورات تكنولوجية متنوعة وممتازة، بل نتطلع فيها لحياة معاصرة وفق المنهجية الصحيحة، ولا نزال نجاهد فيها لبناء مستقبل زاهر -بمشيئة الله وتوفيقه- قال تعالى {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ*} الآية (88) سورة هود.

نجاهد جهاداً يواكب المسيرة، ويحقق الأحلام، ويسعى للمزيد من الطموحات والرؤيا المستقبلية، ناظرين للأمل والطموح، دون يأس ولا خضوع، قال تعالى {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ*} الآية (87) سورة يوسف.

نسعى ونحن نتعم بنعم -الله سبحانه وتعالى- ونسجد شاكرين له على كل عطاياه وعظيم فضله، وعلى الحبيب نصلي حتى يوم الدين. قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ*} الآية (172) سورة البقرة.

نتحفظ على الجانب الآخر منها، لقوله تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ*} الآية (10) سورة الشورى، وعلى ما قد يكون في أغلب الأحيان مختلف المنهج، متغير القيم، متباعد العادات، منعدم التقاليد، فاقد الأعراف، متذبذب المبادئ، متلون الأحوال وفق الحال، ونسأله أن يتداركنا بلطفه وإحسانه.

قلما كان يحدث ذلك في ذلك الماضي الذي كنا في ساعات قلائل منه!! حتى القريب منه!! بالرغم من نعته بالعصر الرجعي، ونعت معاصريه بالبسطاء، وهم كذلك في حياتهم وتعاملاتهم، وعلماء نسبة لزمانهم، ونعتهم بالجهلة، وهم بريؤون من الجهالة، والتاريخ حافل بتضحياتهم، والواقع برهان على منجزاتهم.

كلمات وعبارات كثيرات دفينة في أعماق قلبي من ذلك الماضي الممزوج بشيء من الحاضر، المتطلع للمستقبل، تفيض شوقاً، وتكتسي محبة، وتمتلئ بالأمل، وتشتعل بالطموح بين الحين والآخر، استشفها من قوله تعالى {نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى*} الآية (13) سورة الكهف.

أحاول تدونها كل ما فاضت من أعماقي، في “همسة، أو همسات” متتالية، ينطلق بها ذاك القلم التاريخي العريق سريعاً عوضاً عن لساني، ليناجي بها إحدى القصاصات القريبة، أو صفحة اللاب توب الحديثة، بشيءٍ من ما استتر عن الأسماع وغاب عن الأبصار، وحُجِبَ عن القراءة، يُرْصِدُها بلهفة وشوق، بألم الأعضاء، ووجع الجسد، ودم القلب، وجُرْحِ الفؤاد، أخفف بها عن نفسي شيئاً من عبئها الثقيل، وأضيفها لبعضٍ مما أرصده في أحد مطبوعات المجموعة، أو في همسات مثل “حُقْبَاتْ التَّنْشِئَة” و “ثلاثية الشخصية” و “متلازمة الزمن الجميل وجيل الطيبين” و “ذاك هو الإنسان” وغيرها من التي سبق أن نُشِرَت في الموقع، أو قد تنشر لاحقاً، أو أضيفها لما بالأرشيف من رقعات متنوعة الموضوعات، مختلفة التخصصات، انتظاراً لما قدر تسمح الظروف بطباعته، أو نشره على الموقع يوماً ما، إن كان في العمر بقية.

أُذَكِّرُ بها جيلي ومن عاصرنا، وأَتَذَكَّرَ بها أسلافنا ورفاقنا وأحبابنا وزملاءنا -يرحم الله من غادرنا منهم- ويبارك لنا في من بقي منهم.

أدعو لهم جميعاً من أعماق قلبي، وأشكرهم فرداً فردا على صحبتهم ومصاحبتهم، أو زمالتهم.

واستوحي من قوله تعالى {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِين*} الآية (120) سورة هود، فأتركها همسات على صفحات التاريخ، وذكريات وحكايات وعِبَرٌ للأجيال القادمة، تُذَكِّرهم بأمجاد أسلافهم، وتستنفر فيهم النخوة، فيترحمون عليهم ولا ينسوهم من الدعاء، فيشملهم معنى الحديث الشريف [إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ (إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له][1].

استنير بقوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ*} الآية (12) سورة لقمان.

فأتوجه بجزيل الشكر وعظيم الامتنان للملك الديان على كل نعمه التي لا تحصى ولا تُعَدُّ، والحمد لله على كل حال حتى يرضى الله- ونسأله سبحانه وتعالى لنا ولهم ولجميع المسلمين الصحة والعافية، والعفو والرضا، ومصاحبة حبيبه عليه أفضل الصلاة والسلام للتمتع بالنظر لوجهه الكريم -سبحانه وتعالى-


[1] رواه أبو هريرة في صحيح مسلم.