من المؤلم جداً، والمؤسف حقاً أن مكتبة المنزل قد أصبحت عبئاً ثقيلاً جداً على الكثير منا، يبحث الكثير منا عمن يأخذها ليستفيد منها بأي شكل، أو يرسلها للحراج لتباع بأبخس الأثمان، والبعض يضعها في سلات المهملات، أو يهجرها لتصبح طعاماً للفئران، لم يعد لها مكان بيننا، بينما كانت تتصدر مجالسنا، وكان الكتاب والقلم بالحبر السائل والريشة أفضل هدية لنا في المراحل الدراسية في زماننا. كم نكون سعداء عندما تتاح لنا فرصة الزيارة أو البحث أو الحصول على كتاب في مكتبة أحد الأشخاص المعروفين في ذلك الزمان بمكتبته القيمة واقتنائه للكتب الدسمة في مجالات مختلفة، أو الجلوس بين العلماء والفقهاء والأدباء والمثقفين للتعلم والاستفادة من حواراتهم ومناقشاتهم الهادئة. لم يبق من مرتادي المكتبات المتبقية إلا القلة النادرة بعد أن كانت مزدحمة مهما اتسعت. طغت على تواجدها عدة عوامل ومتغيرات، ويسرت تجاهلها تواجد التقنيات الحديثة وسهولة على الحصول على المعلومة.
ترى! هل نطيق فِراقها بعد هذه العشرة الطويلة والأيام الجميلة بين صفحات محتوياتها، والمعلومات القيمة التي تعلمناها ولا نزال نتعلم منها! وهل تهون علينا بهذه البساطة بعد أن كانت جزءً من حياتنا اليومية! إن ما يحدث للكثير من المكتبات المنزلية في عصرنا الحاضر أمر عجيب لم يكن في الحسبان، وهو ما دفعني لتقديم فكرة “لمجموعة البيوتات والعوائل المكية” و”مشروع مجموعة الحارات المكية القديمة، أو حارات مكة المكرمة القديمة” 13/03/1443هـ، 10/10/2021م، تحت عنوان “همسة لشقاق مكة المكرمة” كوني أحد أعضائها وعضواً في مجلسها التنسيقي، واحد أعضاء مجلس مستشاريها الستة، وذلك لتبني رعاية هذه المكتبات والمحافظة عليها بجمعها ووضعها في مكتبة كبيرة خاصة ضمن المشروع الاستثماري المقترح “الحي النموذجي لحواري وحارات مكة المكرمة قديماً” والانفاق عليها من ريع مشروع الحي كأحد بنود المصروفات، إذ من المخزي جداً أن بعض المكتبات المنزلية تباع في حراج الصواريخ بجدة، الكتاب بريال واحد، أو على المتاجرين بالكتاب المظلوم، وخاصة المخطوطات والوثائق والكتب القديمة، شيء لا يصدقه العقل ولا يقبله المنطق، بالإضافة لبعض المقترحات الأخرى.
أهيب بالجميع أن يسارعوا لتحقق انقاذ هذه المكتبات القيمة وما في حكمها بأقصى سرعة ممكنة من الاندثار، والمحافظة على أسماء أصحابها، ومنحهم الثواب شكراً لهم على عطائهم القيم، وذلك بتبني مقترح مشروع “المكتبة المكية” أو ما يشابهها، من قبل مجموعة من الإخوة والأخوات الكرام، والتنسيق مع تلك المجموعات قبل فوات الأوان، فأجرها كبير ومستمر باستمرار المحافظة عليها لكل من يساهم فيها ولو بريال واحد، وجعلها داراً خالدة الثواب لأسلافنا، ومرجعاً وثائقياً لتاريخنا، ودليلاً على عراقة حضارتنا، ومركزاً تعليمياً للدارسين والباحثين عن العلم وطالبي المعلومات، والراغبين في المعرفة على اختلاف أعمارهم وهوياتهم وجنسياتهم ومعتقداتهم.
نشر بتاريخ 28 ديسمبر 2021