إبراهيم بن حسين جستنيه

همسة “في الأذنين”

كانت همستي السابقة في أُذُنٍ واحدة، عن موضوع تتبع عورات الآخرين، ونقل وتناقل ونشر معلومات أو صور أو فيديوهات عنهم.

أتمنى أن نكون قد استوعبنا المساوئ الناجمة عن فعلها، وتوقفنا عن ممارستها، وسألنا الله سبحانه وتعالى التوبة والرحمة.

هذه الهمسة في الأذُنَين معاً، اتطرق فيها لفئة ثانية تقوم بأعمال قد يكون بعضها أسوء من بعض أعمال تلك الفئة السابقة.

كثرت وسائل التواصل الاجتماعي، وفتحت المجال أمام العاقل والجاهل، البالغ والقاصر للتصوير والكلام والحديث المفيد والضار، والسخيف واللغط دون حُسْنِ استخدام هذه الوسائل، بلا حسيب ولا رقيب.

البعض يصور وينشر، والبعض يكتب ويرسل، وآخرُ ينقل ويتناقل وَيَحُثْ على المساهمة في النشر حتى قبل أن يقرأ أو يفهم ما يُرْسَلُ له، أو يتأكد من صحة ما ينقله أو يطالب ينشره.

والبعض كأنه مراسل بريد، يرسل لجميع المجموعات المشترك فيها كل ما يصله أو تطاله يده دون أن يعرف محتواه، أو يستوعب معناه، أو يفهم أهدافه، حتى الصحف والأخبار والتك توك وغيرها، وبعض رسائل الواتس آب الغير لائقة لم تسلم من بعضهم، رغم تواجدها لمن يستجيب لوسوسة الشياطين.

كذلك الحال بالنسبة للكتابة بلغة عجيبة وألفاظ ركيكة، ومعانٍ غير مهذبة، أو عبارات سخيفة، وحركات غير مناسبة، وخاصة من الناطقين بلغة القرآن الكريم.

الكتابة في حد ذاتها فَنٌ جميل، وذوق رفيع، وهبة إلهية، وتعبيرات ذاتية داخلية، ومتعة جميلة تروح عن النفس. تريح القلب، وَتَسُرُّ الفؤاد، وتطمئن الخاطر، وتُهَدِّئ الأعصاب إذا سلكت الطريق القويم.  

الكتابة إحدى هواياتي الجميلة، واستخدام قواعدها وأصول منهجها عنصر أساسي في دِقتِها وجمال تعبيرها لأنها لغة القرآن، ولغة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام.

الغريب في الأمر، والملاحظ على الكثيرٍ من مستخدمي هذه الوسائل الحديثة، أنهم يستخدمون اللغة العامية أو الدارجة في بلدتهم، والبعض يستخدم كلمات مكسرة وجمل غير متناسقة، أو عبارات غير مناسبة مليئة بالأخطاء والألفاظ المُحْرِجَة، والجمل الغير مهذبة، والحركات الهزلية والاستهزائية. 

البعض يدخل في مجالات أخرى ومواضيع متشعبة، ليست في مجاله، ولا تليق به ولا بمكانته، ولا جدوى له فيها ولا منها (ما له لا في الثور، ولا في الطحين) يحشر نفسه دون أن يعرف محتواها أو يفهم معناها، ولا يدرك عواقبها.

وهذا أمر يجانب الصواب، ويوقع في الخطأ، وقد يتسبب له في العقاب، أو في مشاكل جسيمه عاجلاً كانت، أم آجلة، لم تكن في الحسبان.

لاحظت أيضا أن بعض الإخوة لا يقرأ ما يصل في الموقع المشارك فيه، فتجد أن بعض المواضيع يتكرر إرسالها عدة مرات متتاليه على فترات متفاوتة ومن أشخاص مختلفين، وكأنهم يتسابقون على نشرها، مما يجزم بعدم قيام أي منهم بالاطلاع على ما ورد في المجموعة (قروب -واتس آب) قبل أن يقوم هو بنشر ما لديه.

وهذا أمر جلل، وخلل جسيم، وسوء استخدام لتلك الوسائل.

نشر العلم والمعرفة والثقافة، وتبادل الآراء البناءة، والأفكار الهادفة شيء جميل جداً ومجهود يشكر عليه فاعله ما دامت فيها جدوى ومنفعة مشروعة، ولها أهداف بناءة، ورؤيا واضحة، وخاصة مع مجريات التطورات المتنوعة، والمعلومات المستحدثة.

هذه الوسائل المتطورة شأنها شأن كل جديد ومستحدث، لها الكثير من المميزات الإيجابية، مثل الأهداف البناءة، إذا أحسنا استخدامها، وهي نعمة عظيمة وفرصة ثمينة.

جعلت العالم على اتساع رقعته، وتباعد مواقعه، وترامي أطرافه كأنه مطار دولي واحد، أو محطة قطار دولية يلتقي فيها كل من يريد أن يتعلم ويُعَلِّم، يتعرف على الآخر، يُثَقِف وَيَتَثقَّفْ، يزداد معلومات ويستنير بالأفكار المفيدة.

يكون سفيراً جيداً -على الأقل- لدينه ووطنه، وليس العكس.

كذلك، لها سلبيات كثيرة، منها ما أتحدث عنه أعلاه، وكل ما يخرج عن المزايا أو الإيجابيات، فهو غثاء، وهدر للوقت، وإرهاق للفكر، وغيِبة للآخرين، وهي ممنوعة شرعاً وقانوناً.

وما أكثرها على مواقع التواصل، وما أبشع ردود أفعالها وأفظع أضرارها على الذكور والاناث، وخاصة أطفال اليوم، جيل المستقبل وما سيُخَلِّفُهُ ذلك عليهم وعلى الأجيال القادمة.

الكل يعلم حق اليقين بأن الأمواج تسير تبعاً لاتجاه الرياح وسرعتها، وتتغير بين لحظة وأخرى دون سابق إنذار. تَشْتَدُّ وتختلف كثيراً في البحار، وتتضاعف في   المحيطات.

لذلك، علينا اتخاذ الحيطة والحذر، وعدم التهور في جميع شؤون حياتنا العامة، حتى لا نُلْقِي بأنفسنا الى التهلكة.

نتريث كثيراً قبل ان نركب إحدى تلك الأمواج، منخفضة كانت أم مرتفعة، فقد تشتد سرعتها، أو يتغير مسارها بين لحظة وأخرى.

علينا أن نكون مؤهلين ومستعدين حتى لا تأخذنا لأعماق البحار، أو المحيطات.

عندئذِ، لا ينفع الندم على ما كان، ولا الحسرة على ما سيكون.

عفوا أخي القارئ، لا تفهمني خطأ، فأنا بالتأكيد لا أعني بهذا عدم الكتابة، أو عدم التصوير، أو عدم النشر، وإنما الهدف من ما أدونه بالقليل من التلميح، هو أن نحسن اختيار ما نتبنى نشره بعد الفهم والإدراك، ومراعاة عدم التكرار، وأن يحقق الأهداف البناءة في المجتمع حتى يكون فيه ثواب عظيم شامل، بدلاً من أن نتعرض لما نحن في غناً عنه.

علينا جميعاً ان نتحكم في عواطفنا، ونستوعب حقيقه ما يجري حولنا، وما يُحَاك لنا، وما قد لا نراه من خلفنا.

نحكم بالعقل، ونتكلم بالمنطق، ونستنير برأي من هو أعلم منا فيما نجهله، حتى لا تأخذنا العواطف وسرعة الانفعال لطريق بعيد، قد لا تكون فيه عودة.

لذلك، على كل إنسان مِنَّا أن يعيد قراءة ما كتب، أو ما سَجَّلْ، ويستعرض ما صور، ويقرأ كل ما يصله، ويفهم ما فيه، وما الهدف منه قبل أن يتبنى نشره، أو توزيعه، أو ترويجه والإعلان عنه في مجموعاته حتى لا تتسبب له في مشكله مستقبليه، لم تكن في الحسبان.

أتمنى على الجميع أن نتحاشى هذا الخلل الجسيم، وان نردم هذه الفجوة قبل أن يتعذر ردمها، وأن نبتعد عن كل السلبيات، ونسعى جاهدين لتحقيق المزيد من التميز والإبداع والعالمية، مواصلين مسيرة التنمية المستدامة والرؤيا البناءة 2030م، متكاتفين متضامنين ومتحابين.

أتذكر مثل قديم تعلمناه في طفولتنا (لا تَتَدَخَّلْ في ما لا يَعْنِيِكْ، حتى لا تَسْمَعَ ما لا يُرْضِيِكْ). يظل هذا المثل ساري المفعول على مر العصور والأزمان واختلاف الأحداث والأحوال.

تمشياً مع التطورات الحديثة، والأحداث التفاعلية، والخطوات التنموية، ووسائل التواصل الواسعة الانتشار، المتعددة الوجهات، المختلفة المسميات والمميزات، أجد أن الله سبحانه وتعالى- قد يمكنني من تطوير هذا المثل العريق، أو الحكمة البليغة المعنى، الواسعة الأهداف لتصبح كالتالي (لا تنقل ولا تتناقل ولا تنشر ولا تصور ما لم تفهم، أو ما قد يؤذيك، حتى لا تقع في ما لا يرضيك)

الخلاصة:

الاندفاع تهلكة، والحذر واجب، إذا كان الكلام من فضة، فالسكون من ذهب، والتريث حكمة، والنصيحة أمانة.

اللهم فاشهد أني قد أديت الأمانة.

دمتم في خير وعافية وسلام وأمان بحفظ الرحمن.

همسة “في الأذن”

تعليقا على ما تكرر تداوله في بعض مواقع التواصل الاجتماعي، من قبل بعض الإخوة الكرام، عن ذكر بعض المعلومات أو المساوي أو عرض فيديو أو صور لأشخاص آخرين على اختلاف مستوياتهم العامة، سواءُ أكانوا في الدنيا، أم أنهم قد رحلوا عنها.

كنت أحذف هذه المعلومات دون أن أقراها لأن ذلك يعد هتكاً لستر الله تعالى عنهم، وتتبعا لعوراتهم.

[عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، أذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم[1]].  

[يا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخلْ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحُه في بيتِه[2]].

بعد فترة، كتبت تعليقا في أحد المواقع تذكيراً عاماً للجميع دون ذكر الاسماء والمواقع تلافيا للإحراج، أشرت فيه إلى أن:  

من أسماء -الله سبحانه وتعالى- الستار. ستره في الدنيا وهو أعلم به في الأخرة، فما جدوى نشر هذه المعلومات عنه!!

قد يكون الأجدر بنا أن نحافظ على أنفسنا من الخطأ واللغط، وأن نسال الله الستر في الدارين بدلا من أن ننقل أو نتناقل، أو أن نتحدث بمساوئ الأخرين ونشر صفحات عنهم، والتشهير بهم أياً كانت حالتهم أو جنسياتهم أو مناصبهم الدنيوية.

الله سبحانه وتعالى أعلم بهم منا، وهو الرحيم بنا وبهم. بغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، سبحانه هو الحكم العدل، وهو الرحمن الرحيم.

البعض منهم جزاه الله خيرا، توقف عن تكرار ذلك وأشكرهم على ذلك.

شخص وحيد، وبالرغم من علمه ومعلوماته وعلاقته الشخصية بي دون ذكر اسمه، اعترض على ذلك، وأرسل لي على موقعي الخاص بالواتس آب، قائلاً (المحاسبة أساس قوام الشأن العام).   

لم أرغب في فتح المجال للنقاش البيزنطي. كيف تحاسب من لقي ربه بكل ما فعله من صواب أو خطأ!

أما الموجود، فلست أنا ولا أنت الحَكَمُ أو القاضي، فلم التشهير إذن!

لم أرد عليه بشيء. واصل بعد ذلك بضع مرات، دون أن أعَلِّق بشيء، ثم توقف بعدها. الحمد لله- أنه رجع للحق، وأرجو أن يستمر على ذلك.

من منا يا ترى معصوم من الخطأ!! عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ][3]

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ][4].

لا يخلو أي عمل من الخطأ صغيراً كان أم كبيرا، وبقدر ما تكون مسؤولاً وعاملاً، تكون هناك أخطأ، والأخطاء دروس جديدة نتعلم منها كثيراً.

من يخطئ قد ينجح، وقد يفشل، وفي كلا الحالتين لن يسلم من الانتقاد. يكون له محبين ومغبطين، وكارهين وحاقدين وحاسدين، وهي أمر طبيعي.

المهم هو أن تعترف بخطئك وتتجنبه، وتستغفر الله- أو تطلب السماح عنه بحسب حاله وموقعه وفعله.

أتنمى على الجميع التمسك بذلك، وتَذَكُّر ما ورد في الكتاب الكريم والسنة والأحاديث النبوية، والذي لا ينطق عن الهوى، بعدم نقل أو تناقل، أو نشر أي معلومات شخصية مسيئة لأي شخص كان.

        أسال -الله سبحانه وتعالى- أن يعفو عنا جميعا، وأن يسامحنا على أخطائنا، وأن يكرمنا بما هو أهل له.

والحمد لله- والصلاة والسلام على رسوله الذي شهد له ربه بحسن الخلق في قوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ*} الآية (4) سورة القلم.


[1] روى أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي.

[2] الراوي، أبو برزة الأسلمي نضلة بن عبيد. المصدر: صحيح أبي داود. المرجع، موقع الدرر السنية.

[3]  أخرجه الترمذي وأحمد بن حنبل واللفظ لهما، وابن ماجه باختلاف يسير..

[4] صحيح مسلم. الدرر السنية.

همسة “اللقاء”

كانت الحياة بسيطة وسهلة، والمحبة منتشرة، والحنان متبادل، والعطف منتشر. كان اللقاء سهل وميسر، والابتسامة تكاد لا تفارق الوجيه رغم صعوة الحياة وقسوة المعيشة.  

كنا متجاورين، أو منازلنا متلاصقة، وقلوبنا متوافقة. أزقتنا متلاقية، وخطواتنا متتابعة. نتشوق للقاء بعضنا البعض، ونسعد بالقرب، ونتسابق بالمحبة.

كنا سعداء ومبسوطين جداً، نلتقي بشوق وكأننا لم نر بعضنا منذ فترة طويلة. نتبادل السلام والتحية، ونتجاذب أطراف الأحاديث المختلفة. نواسي بعضنا البعض، ونتعاون لتخفيف آلام بعضنا البعض. نتشارك في السراء والضراء.

نُعَلِّمُ بعضنا البعض كل مفيد. الكبير أب، قريباً كان أم بعيد. الكبير يرحم الصغير، والقوي يعطف على الضعيف. الغني يواسي الفقير، والشبعان يطعم الجيعان.

كنا نجلس من الجد حتى الحفيد حول مائدة واحدة والابتسامة لا تفارق محيانا. أصبحنا فراداً كل منا في طريق.

تباعدت بيوتنا، وابتعدت قلوبنا، وتناقصت محبتنا. تكاثرت مشاغلنا، وتوسعت مشاكلنا، وامتلأت حياتنا بالهموم والمنغصات. انتشرت البغضاء والضغينة، وكثر الحسد والنمية. اختلفت أساليب التربية، ووسمت القيم والعادات والتقاليد الحسنة بالرجعية، فازدادت صعوبة الحياة.

اختلفت الثقافات الفكرية، وتبددت الثقافات التفكيرية. تغيرت أساليب التعامل، وتبدلت طرق المعاملة. اختلطت المفاهيم، وتشتتت الأفكار، وتضاربت الفتوى. تحول الرأي الآخر لعداء شرس، وأصبح الصواب خطاً، والخطأ صواباً. خَفَّ التواصل تدريجياً، وتباعدت الأجساد رويداً رويدا، والتحقت بها القلوب، فتفرق الجمع.

تطورت مسيرة الحياة بطريقة عجيبة، خففت القليل من متاعب الدنيا، وأثقلت كاهلنا بالعديد من الهموم المختلفة والمسؤوليات المتشعبة، والأفكار المشوشة.

خرجت عن المألوف الكثير من الأمور، أضاعت الحياء، ونبذت التقاليد الحسنة، وذمت العادات الأصيلة، وتهكمت بالقيم الرفيعة.

الكثير منا سار مع الركب، وبعضنا تَحَفَّظْ، والقليل منا اتخذ جانب الأمان بالانعزال أو التقوقع تلافياً لشدة التيار الجارف وقوة المعيار.

ما عُدنا نلتقي إلا ما ندر، وإن حاولنا، نكون بأجسادنا فقط وعن مضض. لقاء بارد، وابتسامة صفراء باهتة، تُشعرك بمدى اليأس، وشدة العذاب.

لا قلب ولا إحساس ولا مشاعر. لا لطف ولا تعاطف ولا ترابط. الكل منغمس في شاشة جواله، أو مستمعاً لكلامه، أو مرسلاً بكلماته.

الضئيل من المحبة التي لا تعدوا أن تكون مجاملة، إلا ما ندر، ما لم تكن خلفها مصلحة نوعية.

نحرص على سرعة انتهاء هذا الكابوس، بعد ما كان اللقاء عنصر الحياة الاجتماعية والمجتمعية القديمة ذات البساطة السهلة الممتنعة. 

       لِمَ حولنا حياتنا من حال البساطة والسعادة لحالات الوحدة والأنانية! والتعقيد والشقاء! والعناء التراكمي!!

       مهما يفعل الإنسان في هذه الحياة، ومهما يجني من متع الدنيا، ومهما يخزن من أموال في البنوك فلن يحصل على كل ما يريده مهما طال به الزمان.

لن يأخذ إلا ما قَسَمَهُ له -سبحانه وتعالى- خلال ساعات حياته الدنيوية. سيترك كل شيء تَحَصَّل عليه للورثة ويغادر هذه الحياة الفانية بقطعة قماش بيضاء.

       أيام قليلة بعد رحيله، ويُنسى ذكره. لن يبقى له في الحياة إلا فعل الخير، والعلم النافع، والأثر الطيب، والولد الصالح، والذكرى الحسنة.

       ترى!! هل سنعتبر!!! نسأل الله ذلك.

همسة عن “العولمة والحرية الزائفة”

اطلقت الدول التي تدعي الحضارة والتقدم، وتنتهج مسلك الحرية المطلقة، والإباحية المتناهية، أطلقت عبارات “الحرية والمساواة” وأردفتها ب “العدالة”

       زعمت أن الدول التي تسميها “النامية” دول غير متحضرة وظالمة للمرأة خاصة وللمجتمع عامة، ولا يوجد فيها مبادي عادلة ولا حرية ولا مساواة.

       استطاعت هذه الدول استخدام نفوذها وسلطاتها لفرض السيطرة وسن القوانين التي تهدف لتفكيك مجتمعات تلك الدول، وتفريق أفراد أسرها المترابطة، ونبذ القيم الرفيعة، والتهاون في التقاليد العتيقة، والبعد عن العادات الحسنة.

ظلت تضغط بكل الوسائل بقيادتها لتغير مسارهم نحو تطبيق المبادئ التي تدعي أنها “الحضارة والتقدم والعدالة والمساواة والحرية“.    

شعارات طالما ترددت على أبواق عملائها، وفي الصحف والمجلات والإذاعات والتليفزيون وميادين وساحات الدول. حقيقة الأمر، تلك العبارة بريئة منها.  

بدأت بمشروع العولمة الاقتصادية “منظمة التجارة العالمية” وقد كُنْتُ أحد رجال الأعمال الألف في أكبر تجمع لمؤتمر رجال الأعمال السعوديين. عُقِد في الرياض عام 1415هـ -بحسب ذاكرتي- تمهيداً لانضمام المملكة[1] ل “منظمة التجارة العالمية“.

كُنْتُ ولا أزال من غير المقتنعين بمبادئها. كتبت همسة عن “منظمة التجارة العالمية” في 28/02/1440هـ، 06/11/2018م. لم تنشر في الصحف.  

أثبتت العقود المنصرمة أنها في منتهى الظلم، والبعد عن العدالة والمساواة التي تدعيها، حتى بين أفراد مجتمعها، وبين الدول الداعية لها، وبين بعضها البعض.

انكشفت حقيقتها، دعوات ظاهرها حرية وعدل ومساواة، وباطنها عبودية وإذلال، غدر وخيانة، هدم وضلال وتضليل.

 الله جل جلاله- لم يخلق شيئاً عبثاً، بَيَّنَ الفرق بين الحياتين، وفصل منهج طريق كل منهما. أسبغ العطاء للمهتدين، ووعد بالجزاء للمذنبين. وعد بالعفو والرحمة ومضاعفة الثواب لمن يريده ممن يناديه ويستغفره، فكن مِنْ مَنْ لا يَكِلِّ من طَرْقِ بابه.

نظم الحياة الدنيوية. وضع لكل شيء قوانين تنظيمية، ومواد نظامية رئيسية، وحدود بدائية ونهائية، وترك اللوائح التفصيلية للبشرية لتتلاءم مع كل عصر بزمانه ورجاله، وهذا أحد أسرار صلاحية هذا الدين في جميع الجوانب إلى يوم البعث.

الحرية هي حق الإنسان في اختيار ما يريد وفقاً لاقتناعه واعتقاده ضمن الضوابط العامة لمفهومها الحقيقي. هي مسؤوليته التامة عما يقول ويفعل دون أن يُلْحِقَ أي ضرر بغيره. بمعنى، كما يحب أن يكون له، يكون عليه، أو تنتهى حريته عندما تبدأ حرية الآخرين. هي ليست مطلقة دون قيود حتى لا يتأذى الآخرون من تصرفاته، لها بداية ونهاية، فلكل شيء في هذه الدنيا الفانية بداية ونهاية.

العدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه، قَلَّ أو كَثُرْ، وفقاً لما يستحقه، وليس تبعاً لمنزلته أو للمصالح الشخصية والأغراض الذاتية.

المساواة هي التوزيع في كل شيء بالتساوي للجميع دون عدل ولا إنصاف لمن يعمل ومن لا يعمل. الوزير والغفير في منزلة واحدة في كل شيء. وهذا من المبادئ الاشتراكية، في حين أن العولمة ظاهرياً تتدعي الحرية والعدل والمساواة، وهي بريئة منه، وواقعها يبتعد عن العدل ومفهومه.

العدل والمساواة مبدئين مختلفان كثيراً عن بعضهما البعض.

العدل يمكنه أن يحقق المساواة في الجوانب المرتبطة بالعدالة. يعطي كل ذي حقٍ حقه أياً كان مقامه، وفي جميع الأحوال والحالات دون شرط المساواة.

المساواة لا تحقق العدل ولا العدالة إلا فيما ندر من جوانبها. لأنها لا تُنصِف، تساوي بين الصالح والطالح، وهذا نوع من الظلم.

بعضنا يحفظ، وآخر يقرأُ، وثالث يتذكر العديد من الآيات القرآنية الواردة في ذلك وفي مثل هذه المواضيع. يمكننا الرجوع لها، لم أذكرها حتى لا أطيل المقال[2]

كثير منا منبهر بأضواء زائفة، وشعارات مضللة. ساروا في طريق طويل تضيئه الفتن، منبهرين بالجمال الزائف والمتعة المؤقتة، تصطف على جانبيه متع الحياة الزائلة. طريق متعرج مليء بالحفر، محفوف بالمخاطر.

تعثر البعض فيه، وكُبَّ البعضُ على وجوههم، وسقط آخرون في حُفَرِهِ، وهوى كثيرون لقاعه. ونجا القليل.

خسرنا الكثير، وتعلمنا دروساً كثيرة خلال تلك السنوات العجاف. عرفنا الصديق من العدو، فهمنا بعض أهداف الأعداء، وعرفنا منهج تخطيط الأبواق، وأدركنا حقائق كانت غافلة عن الكثير منا، أو يتغافل عنها الغالبية.

كنا جهلة فتعلمنا، أو متجاهلين فتأكدنا، منقادين فتحررنا.

اليوم أصبحنا -بفضل الله تعالى- ثم بالإدارة الحكيمة والهمة العظيمة مستقلين، قادرين على حماية أنفسنا وتحقيق مصالحنا الوطنية.

ازددنا تسلحاً بمواصلة تطبيق القرآن الكريم، والتَدَرُّعِ بالعلم، والتحصن بالمعلومات، والمبارزة في تنوع العالميات، والتعامل مع الآخرين تعامل الند بالند.

استوعبنا الحقائق فاستنرنا. حددنا أهدافنا وسرنا بعزيمة صادقة، وقلوب قانعة، وأيدٍ متماسكة فوصلنا. حققنا الريادة، وفزنا بالعديد من الاختراعات وحقوق الملكية الفكرية، ونافسنا على العالمية فكسبناها عن جدارة.

لا أود التعمق في التفاصيل المؤلمة التي تطفو على السطح، أو تختبئ خلف الستار في هذا العصر العصيب، المليء بالتطورات المخيفة التنوع، والأفكار المشوشة، السارة منها والضارة، المحبذة والمنبوذة.

أخالني أن الكثير منكم يفهم ما أرمي إليه، ويدرك ما أصبوا إليه، ويستوعب ما أهدف إليه. وخير الكلام ما قَلَّ وَدَلْ.

لذاً، أتمنى على الجميع أن يتفهم حقيقة الأبواق الداعية للحرية المطلقة، والمنادية بالعدالة المزعومة، والداعية للمساواة الزائفة، والداعمة للمثلية التي أخذت تنتشر في بعض دول العالم، وتوخي الحذر مما سيخرج من الجعبة المخفية من تخطيط هَدَّام، وأوهام خيالية ستطرح في الأيام القادمة.

أتمنى أن نظل محتكمين للكتاب المبين والسنة النبوية بعقولنا وأفئدتنا وأفعالنا، ونصحح مفاهيمنا، ونحسن إدراك ما يحاك حولنا.

أطمع في أن نرى بقلوبنا وليس بعيون غيرنا، وأن نكون يداً واحدة كالبنيان المرصوص في وجه كل هذه الدعوات المضللة، والأبواق الداعية للهدم والضياع، والعنصرية والقبلية والإرهاب.

أرجو أن نتذكر معاً شيئاً من الآيات الكريمة المعبرة عن تلك الحالات وأمثلتها، لتعيد الطمأنينة لنفوسنا، وتشد أزر الطموح في جميع أعملنا، وتساعدنا على تحقيق أهدافنا وبلوغ رؤيانا العاجلة منها والآجلة.

والله ولي التوفيق.


[1] تتوفر معلومات عن ذلك في أحد مجلدات “مجموعة التراجم التحليلية التداخلية المشتركة” التي أقوم بمراجعة بعضها تمهيدها لاتخاذ الإجراءات النظامية لطباعتها ونشرها.

[2] يمكن الرجوع لكتب التفسير وغيرها من الكتب المتخصصة، لمن يرغب في معرفة المزيد عن أوجه التفاوت بين العدل والحرية والمساواة، وكيف تُطَيَّق.

همسة “ما كان وما قد يكون”

يمر الإنسان بعدة مراحل خلال مسيرة حياته، تبدأ بالطفولة البريئة، وحياة الا مسؤولية، والشقاوة المقبولة، فالمراهقة، فبداية النضج، فالنضج المبدئي، وهو مختلف السِّن أو العُمْرِ من شخص لآخر، فالاستقلالية الفكرية أو العقلية أو العملية، فالحياة الزوجية والأسرية أو مرحلة الاستقرار الذاتي والتكوين الأسري الجديد، أو مرحلة الشباب والطموح والخيال عند البعض، أو التبعية واللا مبالاة عند المدللين، ثم بلوغ الأربعين حيث تبدأ مرحلة الخبرة والحكمة والمنطق حتى الستين تقريباً، ثم يبدأ العد التنازلي لمرحلة الشيب، فالشيخوخة، فالهرم.

لكل مرحلة منها أحداثها وتجاربها ومواقفها، تختلف من شخص لآخر، وتتباين بينهم بحسب شخصيته وطريقة تربيته أو نشئته أو معرفته وعلمه وطموحه، وقد تتغير من مرحلة لأخرى، أو في مرحلة لموقف معين يمكن أن يكون لها إيجابيات أو سلبيات قد تُحدث نوعا من التعديل أو التغيير على مسيرة حياته.

       أيام الطفولة التي مرت بكل فرد منا، ذكرياتها متنوعة ومواقفها مختلفة من شخص لآخر، تحمل الكثير من ملامح البراءة والجمال، وحرية الحركة، وعدم التفكير، والخيال والأوهام، والجِدْ والهَزَلْ.

لو تَرَيَّثْتَ قليلاً عند بوابة تلك الحياة، وتسللت لبعضٍ من غرفها المختلفة الموقع والحجم، وفتحت إحدى نوافذها لرأيت ما بقي بداخلها من تلك الذكريات العتيقة، وبعضاً من المذكرات البالية أو الدفينة في باطن العقل والخيال، وستجد بينها وريقات اِصْفَرَّ لونها وبَهت لون حبر كلماتها، لا تزال موجودة على طاولة صغيرة من الخشب العتيق، أو على أحد الصناديق التي استخدمت كبديلة عن الطاولة، وأوراق أخرى بين أرفف الدواليب الخشبية القديمة ذات الدرف المخلوعة أو المكسورة أو المفقودة، وثالثة لا تزال على حافة الدرج وقد غطتها طبقات من التراب الناعم، تنتظر لحظة إزاحته عنها واللقاء بكاتبها بابتسامة شوق وحنين شديدين، بعد أن جار عليها الزمان، وغاب عنها ضوء المكان، وحجبت عنها الشمس، وانتشرت في كل مكان رائحة الغبار الرطب الممزوج برائحة الورق القديم والخشب العتيق.

تقف ناظراً إليها في سعادة وشوق، وتتنهد في مرارة مرات عديدة من الأعماق في تعجب مصحوب بالدهشة وعلامات الاستفهام.

تحتار! بأيهم تأخذ!، ومن أين تبدأ! وكيف! تقلب تلك الوريقات التي تآكل أطراف بعضٍ منها، أو طَمَسَ الزمان بعضاً من كلمات بعضها، أو غير الظلام لون أحبارها، تقلبها وكأنك تداعب رضيعاً خوفاً عليها من الضرر. تجد بينها أو بين صفحاتها صوراً عديدة وألوانا دفينة زاهية رغم عبور الزمن عليها، تجد شيئاً منها قاتم، وترى بعضاً منها متجهمة الوجه أو مقطبة الحواجب، وقد ترى قطرات دموع عتاب بعضها سعادة بعودتك، أو حزنا على فراقك.

قد تجد بينها وريقات أخرى تتخللها بعض الأحداث الجميلة والابتسامات العريضة والنظرات البريئة، وقد تجد أشياء لا تتوقعها.  

تُواصل تقليب تلك الصفحات وأنت تسترجع معها شيئاً من الماضي وكأنها شريط سينمائي يدور كعجلة مكنة سينما ذلك الزمان أمام ناظريك وفي خيالك، وداخل مشاعرك الدفينة، وفي أعماق أحاسيسك الجياشة.

تدور بك عجلة الحياة، لا تدرى للوهلة الأولى أهي حقيقة مضت بكل ما كان فيها، أم أنها مجرد خيال يسيطر على مشاعرك، وحنين عميق لماضٍ سحيق! أم أنها أوهام تجول بخاطرك، أو خواطر عابرة طرأت على بالك تجعلك تتعايش معها لحظات، تشعر خلالها بأحاسيس مختلفة ومتضاربة بين المتعة والسعادة وراحة النفس، وبين الحزن العميق لهذا للهجر الطويل والفراق القاسي.

فجأة تستيقظ من تلك الخواطر الخيالية وتعود لذاكرتك الواقعية، أو ذكرياتك الماضية مرة أخرى عبر تلك الفترة الزمنية المنقضية من حياتك، بتنهيدة عميقة، أو دمعة حزينة، أو ابتسامة عريضة، أو حركة غريبة، تفيق من غفلة التخيلات البعيدة لتجد نفسك في الحاضر بحالته.

يا ترى حُلُم! أم حقيقة! خيال! أم أوهام! شك! أم يقين! احتمالات عديدة وأفكار غير متجانسة.

الغالب منا تمر به لحظات مثلها يحاول تحجيمها أو تحجيم شيءٍ منها، أو عدم الإفصاح عنها حتى لا يُوصف بالرجعية، أو يُرمى بالهلوسة، أو يُنسب إليه الجنون، أو يُقْذَفَ بالوهم، أو يُنْعت بالتخيل! لكنها الحقيقة التي لا تُنسى وإن حاول أحد تناسيها بعض الشيء، حتى لا يتحسر على ما كان في ذلك الزمان من المتعة المتجانسة، والجمال الطبيعي، والحياء الحقيقي، والاستحياء البديهي، والحياة المجتمعية المترابطة الأطراف، المتماسكة الأيدي في السراء والضراء.

كم تسترجع الذاكرة صور بعض زملاء الطفولة، أو زملاء الحارة، أو جلساء مقاعد الدراسة في مراحلها الأربعة! وقد تجد صوراً فوتوغرافية لبعضهم، جار عليها الزمان، وبَهُت لونها من شدة الظلام لما يقارب الستين عاما.

آه! آه! آه يا زمن! ترى أين هم هؤلاء الزملاء أو الأصدقاء الآن! يا هل ترى، من منهم لا يزال على قيد الحياة بعد مرور أكثر من نصف قرن على الفراق! وإلى أين وصلوا، وكيف أصبحوا!

قد تتذكر أن أحدهم أصبح مسؤولاً في جهة ما، وآخر رجل أعمال أو خلافه، وثالث صاحب مهنة، ورابع تقاعد وبصحة جيدة، وخامس وسادس.

قد يكون أحدهم على تواصل معك بإحدى وسائل التواصل الحديثة، أو وصلتك أخبار عنه عن طريق صديق آخر، وقد يكون أحدهم يقاوم المرض، أو يتصارع مع الحياة، وقد يكون أحدهم في -رحمة الله سبحانه وتعالى-

أسئلة كثيرة تراود الخاطر وتناجي الفكر في هدوء وسكينة حتى يُسْدِلَ عليها الفجر ستاره الأبيض، أو يخيم عليها ظلام الليل وغياب البدر، فيحيطها بسكونه الهادئ.

تختبئ تلك المشاعر خافضة الرأس، وتذوب الأحاسيس منكسرة الجناح خائفة مرتعدة مختبئة بين أضلعنا، سائرة في عروقنا لتحتمي في أعماق قلوبنا المملوءة بالحنين، العامرة بالأشواق.

تعود كلما اشتاق الفؤاد لشيء من الماضي -رغم الفارق الكبير بينه وبين الحاضر- أو جَرَتْ أحداث في الحياة الحاضرة، أو حلت به حالة سبق ما يشابهها، أو حَنَّ القلب لحالة تملؤها البراءة في لحظات غمرتها السعادة النفسية، وأوقات خلت منها المسؤولية وعم فيها السرور، وامتلأت نسماتها بعبير الزهور فاتسعت الابتسامة وتقاطرت دمعات السعادة.

تلك الحياة النقية العطرة نسبة لظروفها، ترى!! هل تعود يوماً ما! وكيف يمكن ذلك! وهل لو عادت نكررها كما كانت، أم نطورها بحسب زمان وجودها! وهل يمكن للزمن أن يدور عكس عقارب الساعة يوماً ما كما نفعل بها عند إعادة ضبطها! وهل نستطيع اختيار اليوم والساعة التي نريدها منها كما نفعل بعقاربها!

هيهات! هيهات! أن يتكرر أو يتشابه شيءٌ مما فات!!! إنما هي أفكار كثيرة تتصارع داخل العقل الباطني، وتخيلات تتسابق في حُجُرَاتُ التفكير ألا إرادي.

خلجات متنوعة تتوالى على القلب، ونظراتٌ بعيدةٌ تبدو قريبةً من الفؤاد، تَحِنُّ وتَئِن بين دورة الزمان واختلاف المجتمعات، وتغير العادات، وتجاهل التقاليد، واحتمالات عديدة متوقعة لمستقبل في علم الغيب، وبين قلم حائر بين كلمات التدوين وعبارات أمانة التوثيق، عاجزاً عن إجادة وصف المشاعر، ورسم حقيقة الأحاسيس.

تظل الحقيقة التي لا مناص منها، أنه لا عودة لما مضى بما كان، ولا بأفضل مما كان، وأن الأهم الآن، هو أن نفكر دائما في مواكبة العصر، والنظر للمستقبل بأفضل مما هو عليه الآن، وأخذ العبر من الماضي، وتجاوز عثرات حاضر الزمان، ومستقبل الأيام، والكف عن النواح لما كان أو يجري أو ما قد يكون! وأن ننظر بعمق على مد البصر بعيون ثاقبة، ونفس هادئة، وقلوب مطمئنة.

نزرع الأمل في كل مكان، ونبني مستقبلاً يذخر بالأخلاق الحميدة والقيم السديدة، والتقاليد المجيدة والعادات الحسنة. يمتلئ بالسعادة النفسية، والطمأنينة القلبية، والمحبة الجماعية، والعلاقات المجتمعية الوطيدة.

نُقوي عُرا الأمن والأمان لنا ولأجيالنا القادمة، ونُوَثِّقَ عراقة تاريخ أسلافنا، ونَدْعُوَ لهم على ما قدموه لنا رغم صعوبة معيشتهم، ونُحْيِ تراثنا القديم، ونعلمه لأجيالنا ليكون لهم قاعدة قوية ودافعاً رئيسياً للمجد والعلا، وننشر أمجادنا للعالم حتى يفهمها الجاهلون بها، ونحافظ على الجديد.

نكون قدوة حسنة لأجيالنا، متمسكين بتعاليم ديننا الحنيف، ومتعلقين باليقين برب العالمين، وبمحبة نبيه الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم. 

       أستودعكم الله تعالى حتى لقاء آخر بإذنه تعالى.

همسة ” حُقْباَتُ التَنْشِئَة”

الجزء 5/5

بعد مغادرتنا مقاعد الجامعة تطورت الحالة وأصبح كل طالب يجلس على كرسي مريح مستقل بطاولة لها دُرج أو مكان لوضع الكتب والأدوات.

في هذا الزمن، تمادينا كثيراً في تدليل الأبناء والبنات، وازداد دلال الطالب وحَظِيَ بنعم كثيرة ومميزات عديدة، القليل منهم يعرف قيمتها المعنوية والمادية، والبعض منهم في مدارس خاصة، والبعض الآخر لا يعي مدى العناء الذي تتكبده الدولة، أو ولي أمره ليهيئ له هذا الجو التعليمي ليجعل منه رجل المستقبل وأمل الوطن.

كلما تطورت حياة الترف الغير منضبط، ونال الطفل كل ما يطلبه دون عناء، أو بِسَكْبِ قليلٍ من الدموع الزائفة، أو العديد من الصرخات الكاذبة والحركات المزعجة دون أن يُرْدّعْ، كلما نقصت قيمة الشيء المقدم له، وفقد خاصيته، وضاعت أهميته فتضيع القناعة، وتذهب المصداقية، ويكثر الملل، ويطلب المزيد باستمرار مهما كان الثمن الذي سيدفعه غيره، المهم أن يحصل هو على ما يريده وفي أي وقت يريده.

وهذا أسوء أساليب التربية -من وجهة نظري- وهم أكثر أطفال هذه الأيام عقبة في مسيرة التطوير الاجتماعي والمجتمعي والعلمي والثقافي، وأصْعَبِهِم تكيفاً مع مسيرة التنمية المستدامة. 

أُهْمِلَ العقل تماماً مع وصول التكنولوجيا الحديثة وتطوراتها، والذكاء الاصطناعي سيزيد الطِّينَة بَلَّة.

تَسَارَعَ الزمن، وتَقَارَب العالم، وكَثُرَتْ المشاغل، وصُمَّتْ الآذان، وامتلأت القلوب بالهموم والأحزان، والحقد والحسد، والغِلِّ الدفين عند الكثير.

تحولت العقول لآلات وأجهزة صامطة جامدة تحركها بأصبعك لتنقلك من عالم لآخر، ومن حسبة بسيطة للبورصة العالمية وغيرها.

وبالرغم من كل تلك السلبيات الظاهرة، إلا أنه برز العديد من النوابغ من الجنسين، وظهر الكثير من المبتكرين والمبدعين، ولا يزال هناك الكثير لم يظهر بعد.

نقلة نوعية سريعة وعجيبة، تترك آثاراً سلبية عديدة لا تزال الكثير منها مخفية، وهي تنتشر كالنار في الهشيم.

لست ضد الحضارة، ولست متحاملاً على المسيرة التنموية، بل أسعى لأكون أحد عناصرها، لكنني قد أجد أن هذه النقلة النوعية السريعة في أمس الحاجة لدراسات عميقة، وتحليلات دقيقة من قبل فرق متخصصة للتخلص من سلبياتها المتنوعة، واستنباط الإيجابيات وتطبيقها، والبحث عن التطورات وتتبعها حتى تكون الفائدة أضعاف مضاعفة. 

 الحمد لله- أحرص على تعليم تلك المبادئ والقيم والعادات والتقاليد التي تعلمناها من أسلافنا، لأبنائي ونقلها لأحفادي وأحفاد أبنائي بأسلوب تربوي يتلاءم مع زمانهم، وأتمنى أن نظل نحافظ على هذا الإرث الطاهر مهما واجهتنا الصعاب، أو قاومتنا وسائل التحضر الزائفة.

كم أزداد غِبْطَةً وفخراً أنني من ذلك الجيل الذي له مشاركات عديدة، وأدوار فَعَّالَه كثيره فيما تراه من هذه الحضارة التي يعيشها من تلانا من الأجيال.

ذلك الجيل الذي ساهم في وضع الاسس والقواعد الصحيحة لمسيرة التنمية المستدامة، وله دور فاعل في الكثير من التطورات الحالية والرؤيا المستقبلية.

لقد كانت حياة من سبقنا وحياة جيلنا حياة محبة وتكافل، واحترام وتقدير، ومشاركة وجدانية بكل المعاني، ونوع من التعاطف المشترك في مسيرة الحياة.

إنما أكتبه عن ذلك المجتمع الذي عشت في جزء منه، وتعايشت مع القليل من أفراده، وما أعاصره بقدر ما تسمح به الظروف أن أدونه وأُوثِّقَه بصدق وأمانة، ما هو إلا قلقة القليل من الحقائق والوقائع عن ذلك الجيل المكافح، وأجزم بأن هناك الكثير مما نسيته، أو قد أتناساه، أو يعرفه غيري ولم يُدَوَّنْه.

قد يكون قصورٌ منا في حق أسلافنا، وتقصيرٌ من بعضنا في حق التاريخ القديم ورجاله، وخطأ جسيم في حق أبنائنا وأحفادنا لجهلهم بأمجاد أسلافهم.

تاريخ عريق، وعلم ومعلومات قيمة، وحقائق مجهولة بالنسبة للعالم، آن لها أن تظهر كالشمس الساطعة حتى يَكُفَّ الآخرون عن نعتنا بالعَالَمْ الثالث.

كَثِيرٌ من أبناء الجيل المعاصر يتجاهلون فَضَائِلَ وفَضْلَ أجيال أسلافهم، بعد فضل -الله سبحانه وتعالى علينا جميعاً- أو لا يفقهون عنه شيئا، مع أنهم السبب الرئيسي في كل ما يتنعمون به من نعم -الله سبحانه وتعالى- وهذا قصور واسع في حق أسلافنا، وتقصير كبير في توثيق عراقة تاريخنا وأصالة أمجادنا.

لذلك، من الواجب علينا أن نُدَوَّنْ أفعال أسلافنا، ونسطر تضحياتهم العديدة، وتُخَطُ محاسنهم بماء الذهب، ويُحْفَظُ تاريخهم في الصدور قبل السطور والكتب، وألا ننساهم من الدعاء وتقديم الشكر الجزيل لكل أفراده الذين شاركوا في تلك الأعمال الجليلة التي خلفوها لنا، أو وضعوا أسسها وبَنَوْ قواعدها لتكون لنا مرشداً لمستقبلنا، ومنهجاً لخططنا.

لا شك أن هناك مستويات اجتماعية ومجتمعية مختلفة عما عاصرته، أو نشأتُ بينه، لا أعرف عنها لأنني لم أعش بينها لأدون عنها، وأطمع أن يكون هناك عدة فِرَقْ عمل متكاملة من الجنسين، مخضرمة ومعاصرة متطوعة، وتتمتع بروح التعاون والمحبة، والحوار البناء، حباً في الله تعالى وتقديساً لمكة المكرمة، وتخليداً لذكرى السلف، وتذكيراً بتاريخنا العريق، تستفيد من التطورات التقنية الحديثة للتدوين والتوثيق والنشر والإعلام، وراحة بال، وإجابة على سؤال لأستاذنا الفاضل الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان -يرحمه الله- والذي قال يوماً ما [عرفنا تاريخنا القديم من الأزرقي وبعض الرحالة وغيرهم، فمن يا ترى سيكتب تاريخنا لأحفادنا]!! انتهي.

ليطمئن أستاذنا الفاضل الدكتور عبد الوهاب -يرحمه الله- وأبشره بأن عشاق مكة المكرمة ومحبوها وأبنائه وتلاميذه -بمشيئة الله تعالى- سينالون هذا الشرف العظيم بتوثيق كل ما يمكن تدوينه عن تاريخ أهالي مكة وسكانها وحاراتها وبرحاتها وأزقتها التي كانت تحتضن المسجد الحرام قبل مشاريع التوسعة -جزاهم الله خير الجزاء- وتحضيرها لعرضها وإخراجها طبقاً للأسس النظامية والقواعد التنظيمية والقوانين المنظمة لذلك.

لَعَلّه يكون لمؤسسة الفرقان التي أنشأها الشيخ أحمد زكي حسن يماني -يرحمه الله- وجعل لها وقفاً يُنْفِقُ عليها، وأسس لها مجلس إدارة، ولجان متخصصة لتدقيق جميع المعلومات ورصدها وطباعتها، لعله يكون لها دور فاعل في المساهمة بدعم هذا المشروع التوثيقي الوطني بكل ما يحتاجه لإخراجه بالكيف والكم الذي يليق بمقامه.

كذلك أناشد إخواني وأخواتي من أهل المدينة المنورة وسكانها، والمحبين للمصطفى صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا نفس الشيء بالنسبة للمنطقة التي كانت تحيط بالمسجد النبوي الشريف قبل مشاريع التوسعة السعودية.

كم أتمنى أن تحظى هذين المشروعان الوطنية القيم، العريقة التاريخ، بالدعم الكامل من قبل [كرسي الملك سلمان لمركز تاريخ مكة المكرمة بجامعة أم القرى، ثم الدارة لاعتماده ومنحه الرقم الدولي (ردمك)] بعد توثيق حقوق الملكية الفكرية، ومن ثم تبني نشره وتوزيعه، أو بيع مطبوعاته بأسعار رمزية على الحجاج والمعتمرين ليدركوا مدى الجهود الجبارة التي تبذلها الدولة بمشاريع التوسعة لتحقيق الراحة والطمأنينة لهم، ويتعرفوا على شيء من التاريخ العتيق للبلد الحرام والمسجد النبوي الشريف خلال العصر السعودي.

وأكثر ما أتمناه هو أن نزداد علماً وتعلماً، وأن تتضاعف معلوماتنا، وتتنوع ثقافاتنا، ويتسع نطاقها، ويتحسن مفهومها، وأن نكون أكثر ترابطاً اجتماعياً ومجتمعياً، وأقرب مودة وأخوية، وأكثر تطوراً عقلياً وفكرياً، وتمسكاً بالأخلاق الفاضلة، تلبية لأوامر -الله تعالى- ونداء البشير عليه أفضل الصلاة والتسليم، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمر، وأن نواكب مسيرة التطورات الزمانية والمكانية المختلفة بما لا يُخِلُّ بالقواعد الرئيسية، والمبادئ الأساسية.

نسأل الله تعالى- لنا ولكم جميعا الأجر والثواب.

       نستودعكم الله حتى نلتقي في مقال آخر.

همسة ” حُقْباَتُ التَنْشِئَة”

الجزء 4/5

كذلك نتعلم الحساب ونحفظ جدول الضرب الصغير (1-10) والكبير (11-20) ونستخدم عقولنا وأقلامنا في كل العمليات الحسابية والعملية مما جعل عقولنا حاضرة، وآذاننا صاغية، وقلوبنا واعية، وأفكارنا متجددة، وطموحاتنا واسعة.

كنا نجلس أربعة طلاب في كل ماصة شبه متلاصقين في فصل أو غرفة متروسة بالطلاب، بدون مراوح ولا مكيفات والعرق يا سلام! وبعضنا يحضر معه قطعة من القماش ليمسح بها مقد الماصة من التراب أو الغبار قبل جلوسه عليها حتى لا يصبح مكان الجلوس بالثوب أسود وشكله سيئ، ثم أصبحنا نجلس كل اثنان معاً في المرحلة المتوسطة والثانوية.

تبدل الحال فكان البعض منا يحضر معه سجادة الصلاة يلف بها كتبه ليسهل حملها ونقلها ويضعها على مقعد الماصة لتحمي ثوبه وثوب زميله من العلامة السيئة[1] ويصلي عليها الظهر جماعة في المدرسة بعد الحصة الخامسة.

أنا من ذلك الجيل الذي حمل على رأسه لوح العيش وصينية الفَتُوتْ والغُرَيْبَة والمعمول والعيش باللحم الذي كان يُعجن ويُخَمَّرْ وَيُجَهَّزْ في البيت. حملته على رأسي ذهاباً وإياباً للفران في الفرن العام الذي كان موجود في المدعى قبل طلعة الراقوبة عن يسار المتجه للمعلاة، لخبزه وليكون جاهزاً لتناوله وإهداء بعضه، قبل أن تنتشر المخابز الآلية، وتكف السيدات عن عجن الخبز اليومي وبقية أنواع المعجنات البيتية اللذيذة والممتعة الأخرى. 

الجيل الذي كان يحلق رأسه بالمكنة اليدوية (0) صفر، أو بالموس عند الحلاق بنصف ريال، حتى وصلت خمسة ريال للبطران، ومن العيب تربية شعر الرأس، يسموها (تَوَلَيتَهْ) -شوفوا الواد دّهْ ما يستحي مُرَبِّ توليته- سمعة سيئة، وإذا ما حلقت رأسك، المدير يرسلك مع الفراش لأقرب حلاق من المدرسة يحلق لك على حسابه ثم يُعيدك للمدرسة وما أحد يقدر يعارضه.

الجيل الذي كان يفرح فيه الفرد منا بمشاهدة الطائرة وهي تطير مارة من فوقه أو حوله، فيلوح لها بيديه في سعادة وسرور لمشاهدتها ومُحَيِّياً رُكَّابَهَا، يشعر وكأنهم يرونه أو يسمعون هُتَافاتِه وتحياته لهم.

تخيل هذه السذاجة كيف كانت في ذلك الجيل!! وكيف أصبحت الأجيال المعاصرة!

الجيل الذي يحترم الشرطي ويحييه ويقدره ويُسَرُّ برؤيته بتلك البدلة التي يرتديها، رغم أنه قليل أو نادر منهم من يعرف القراءة أو حتى كتابة اسمه.

ننتظر الفرقة الموسيقية التي كان يقودها الضابط عم[2] طه خسيفان -يرحمه الله- وهو راكب على جواده الذي كان يرقص على أنغام تلك الموسيقى وهي تسير من مقرها بأجياد للقشاشية، بعد صلاة العصر، ننتظرها بفارغ الصبر وهي تعزف التحية الوطنية، ثم تعود أدراجها لمقرها بأجياد قبل الغروب. 

انتقلنا للمرحلة الجامعية بجامعة القاهرة، كلية الهندسة وتأقلمنا مع الحياة الاجتماعية الشاسعة البعد عن حياتنا ومجتمعنا المكي والحجازي، وعشنا فيها حياة مجتمعية جديدة ومتغيرة تماماً عن حياتنا حتى نستطيع أن نواكب الحياة العصرية في ذلك الزمان، نستحصل كل ما يمكننا من العلم والمعلومات ما يساعدنا على مواكبة العصر، ونقتني الكتب والمراجع وكل المستلزمات ونحافظ عليها كعيوننا.  

كنا نجلس في مدرج الكلية الخشبي (500) خمسمائة طالب وطالبة متجاورين وأحياناً متلاصقين لكثرة العدد، نجلس على ماصات خشبية كل (6-10) أشخاص معاً بدون مراوح ولا مكيف، والروائح يا سلام متنوعة. لا يوجد ميكرفون للمحاضر والضوضاء وحركة الطلبة والطالبات تسبب المزيد من الضجيج فلا تسمع شيئا.

المحاضر يتكلم ويكتب ويمسح السبورة حتى ينتهي موعد المحاضرة ويغادر القاعة ولا يكترث لأي شيء. في المختبر (40) طالب وطالبة واقفين، يحضر المحاضر كزائر أو ليؤنب المقصر أو المتغيب عن المختبرات السابقة ويتركنا للمعيد ليكمل معنا بقية الوقت ونحن نجري بعض التجارب المخبرية، أو نحل بعض المسائل الرياضية، أو نكمل بعض الرسومات الهندسية ولا يهمه من فهم، ومن لم يفهم فعساه ما فهم، يعيد السنة  

الشاطر إِّلِّي يقدر يجلس في الصفوف الأمامية حتى يقدر يسمع ويكتب ويفهم، والبعض يدفع مقابل مادي لمن يحجز له مكان في المقاعد الأمامية.

نُكَوِّنْ زمالات في مجموعات (2-4) ونجتمع بين المحاضرات بنات وأولاد في حديقة الأورمان -ميدان الدقي- المجاور للجامعة، نتبادل المذكرات ونتناقش في المحاضرات، ونراجع حل التمارين، ونتذاكر بعض الدروس ونحن من جنسيات وعادات وتقاليد وبيئات مختلفة، تجمعنا اللغة العربية وحب العلم.

ورغم ذلك، ترتفع بيننا روح المحبة، ويسود الوئام، ويتسع التوافق، ويبتعد الحسد، وينعدم الحقد والغيرة، تفانياً في كسب العلم والتَعَلُّم.

أما في جامعة الرياض فكان الجلوس في غرف مكيفة وشبابيك واسعة وإنارة طبيعية، على كرسي خشبي بذراع أيمن عريض ثابت أو منعطف للأمام، يوضع عليه الكتاب أو الدفتر لتكتب وتتابع المحاضر، بقية الكتب والأدوات مبعثرة تحت المقعد نفسه بدون غطاء، وقلما يزيد عدد الطلاب في المحاضرة وفي المختبر عن (35) طالب.

للطالبات فصول ومباني مستقلة عن البنين وجهاز تعليمي عن طريق الشاشات والقليل مباشر، ولهن جهاز إداري ملحق بهن، ومحظور على الطلبة الاقتراب منها.

الكتب والمراجع متوفرة في مكتبة الجامعة.

في رعاية الله حتي نلقاكم في الجزء الأخير منها.


[1] خطوط مسودة متعرجة من الأتربة داخل شبه دائرة بحسب طريقة الجلوس تمتزج بالعرق وتتشكل بحسب الحركة اللاإرادية في مؤخرة الثوب وتشكل منظر سيئ واتساخ للثوب غير لائق. وكانت تسمى “قلقه” أو البصمة السوداء.

[2] عم كلمة احترام وتقدير لمن هو أكبر منك، من العادات التي تعلمنا في طفولتنا ولا نزال نطبقها.